التفاسير

< >
عرض

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً
٨٥
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً
٨٦
ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً
٨٧
فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوۤاْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً
٨٨
وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً
٨٩
إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً
٩٠
سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً
٩١
-النساء

الكشف والبيان

{مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً} أي يحسن القول في الناس ويسعى في إصلاح ذات البين {يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ} أي حظ {وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً} فيسيء القول في الناس ويمشي بينهم بالنميمة والغيبة. {يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا}.
قال ابن عباس وقتادة: الكفل الوزر والإثم، وقال الفراء وأبو عبيدة: الحظ والنصيب، مأخوذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا [أدرت] على سنامه أو موضع من ظهره كساءً وركبت عليه.
وقيل له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كلّه وإنما شغل شيئاً من الظهر.
وقال مجاهد: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة شفاعة الناس وهم البعض.
{وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} مقتدراً.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: مقيتاً أي مقتدراً مجازياً بالحسنة حسنة يقال: أقات أي اقتدر.
قال الشاعر:

وذي ضغن كففت النفس عنهوكنت على مساءته مقيتاً

وأنشد النضر بن [شميل]:

ولا تجزع وكن ذا حفيظهفأني عليَّ ما ثناه لمقيت

المبرد: قتّ الشيء أقوته وأقيته أي كففته أمر قوته، ومجاهد: شاهداً، وقال قتادة: حافظاً، والمقيت للشيء الحافظ له.
وقال الشاعر، في غير هذا المعنى:

ليت شعري وأشعرن إذا ماقربوها منشورة ودعيت
إليّ الفضل أم عليّ إذا حوسبتإنّي على الحساب مقيت

أي موقوف عليه وقال الفرّاء: المقيت المقتدر أن يعطي كل رجل قوته.
وجاء في الحديث: وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ويقيت، ثم نزل في قوم بخلوا برد السلام {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} على المسلمين أي زيدوا عليها كقول القائل: السلام عليكم فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله ونحوها، ومن قال لأخيه المسلم: السلام عليكم كتب له بها عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر.
قال ابن عباس: ومن يسلم عشر مرات فله من الأجر عتق رقبة وكذلك لمن ردَّ السلام عشر مرات {أَوْ رُدُّوهَآ} بمثلها على أهل الكتاب وأهل الشرك فإن كان من أهل دينه فليزد عليه بأحسن منها، وإن كان من غير أهل دينه فليقل وعليكم لايزيد على ذلك.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" .
{إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} من رد السلام مثله أو بأحسن منه حسيباً أي حاسباً مجازياً.
وقال مجاهد: حافظاً. أبو عبيدة: كافياً مقتدراً، يقال حسبي كذا أي كفاني.
وأعلم إن بكل موضع وجُد ذكرٌ كان موصولاً بالله فإن ذلك صلح للماضي، والخبر هو المستدل، فإذا كان لغير الله فإنه يكون على خلاف هذا المعنى.
ثم نزل في الذين أنكروا البعث {ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } لاشك فيه، واللام في قوله ليجمعنكم لام القسم ومعناه، والله الذي لا اله إلاّ هو أعلم منكم في الموت وفي أحيائكم إلى يوم القيامة.
وسمّيت القيامة قيامة، لأن الناس يقومون من قبورهم. قال الله تعالى:
{ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً } [المعارج: 43] وقيل: سميت قيامة لقيامهم إلى الحساب. قال الله تعالى: { يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [المطففين: 6] {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً} أي قولاً ووعداً {فَمَا لَكُمْ فِي ٱلْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} الآية.
نزلت هذه الآية في ناس من قريش، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلموا فأقاموا بها ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة البدو فإن فطن بنا قلنا: خرجنا نتنزّه، وإن غفل عنّا مضينا، فخرجوا بهيئة المتنزهين، حتى باعدوا من المدينة. ثم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، ولكنا [اجتوينا] المدينة، واشتقنا إلى أرضنا. ثم إنّهم خرجوا في تجارة لهم، على الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا على عدوّنا، فنقتلهم ونأخذ مالهم وقالت طائفة منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم، إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساكت لاينهى واحداً من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها، فبين الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم شأنهم.
وقال زيد بن ثابت:
"نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لانقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة" يعني المدينة.
وقال قتادة: ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لقيهما ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلين إلى مكة فقال بعضهم: إنّ دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا، [جلَّ ذلك منا] فأنزل الله تعالى {ٱلْمُنَافِقِينَ} الآية.
وقال عكرمة: هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية.
وقال مجاهد: هم قوم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها،فخاف المسلمون منهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبيّن الله تعالى نفاقهم.
وقال الضحاك: هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهاجروا فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية (فمالكم) يامعشر المؤمنين (في المنافقين فئتين) أي صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم، ونصب فئتين على خبر صار، وقال بعضهم: نصب على إلاّ. {وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُمْ} أي أهلكهم، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية يقال: أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته، وفي قراءة عبدالله: وإني والله أنكسهم، وقال ابن رواحة:

أركسوا في فتنة مظلمةكسواد الليل يتلوها فتن

{أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ} أي ترشدوا إلى الهدى {مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} وقيل: معناه: أيقولون أنّ هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم {وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ} عن الهدى {فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً} أي ديناً وطريقاً إلى الهدى {وَدُّواْ} أي تمنّوا {لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءً} شركاء في ذلك مثلهم كفاراً، ثمّ أمرهم بالبراءة منهم فقال {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الثانية معكم.
قال عكرمة: هي هجرة أخرى وبيعة اخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: أما هجرة المؤمنين أوّل الإسلام فمضى في قوله
{ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [الحشر: 8] وقوله {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وأما هجرة [المؤمنين] فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صابراً محتسباً. قال الله {حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}، وأما هجرة المؤمنين فهي أن يهجروا ما نهى الله عنه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَإِنْ تَوَلَّوْاْ} عن التوحيد والهجرة {فَخُذُوهُمْ} يقول اسروهم {فَخُذُوهُمْ} يعني في الحل والحرم {وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} يعني ما ينافي العون والنصرة، وقوله { لَوْ تُدْهِنُ } [القلم: 9] لم يرد به جواباً للتمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب بما أراد به الفسق على من نزل {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ} وودّوا لو تكونون سواء مثل قوله تعالى: { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ } [القلم: 9] أي ودّوا لو تدهن وودّوا لو تكفرون، ومثله {وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ} [النساء: 102] أي ودّوا لو تغفلون وودّوا لو تميلون، ثم إستثنى طائفة منهم فقال {إِلاَّ ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ} أي يتصلون بقوم وينتسبون اليهم يقال: إتصل أي انتسب، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه" أي من إدعى بدعوى الجاهلية.
قال الأعشى:

إذا اتصلت قالت لبكر بن وائلوبكر سبتها والأنوف رواغم

أي إذا انتسب.
ويقال: يصلون من الوصول أي يلحقون إليهم إلى قوم {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} أي عهد وهم [الأسلميون] وذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا يعينه ولا يعين عليه حتى أتى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه أو غيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال.
الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينهم وبينكم ميثاق. بني بكر بن زيد مناة وكانوا في الصلح والهدنة وقوله {جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي ضاقت صدروهم عن قتالكم، وهم بنو مدلج جاءوا المؤمنين {أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ} يعني من آمن منهم، ويجوز أن يكون معناه إنهم لايقاتلوكم ولايقاتلون قومهم فعلم المؤمنون لا عليكم ولا عليهم ولا لكم.
وقال بعضهم: وبمعنى الواو. كانه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبني بكر بن زيد [مناة] وقوله {أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ} أي قد حصرت، كقول العرب أي ذهب [نظره] يريدون قد ذهب.
قال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت فنظرت إلى ذات [البساتين].
{وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ} يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة.
{فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} عند القتال، ويقال يوم فتح مكة فهم يقاتلوكم مع قومهم {وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي المسالمة والمصالحة {فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً} أي حجة في قتالهم، وعلى دينهم فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ} غيرهم.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: هم أسد وغطفان [قدموا] المدينة، وكانوا قد تكلموا بالإسلام، وأقروا بالتوحيد ديناً وهم غير مسلمون.
وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: هذا الرد بهذا العقرب والخنفساء.
وإذا لقوا محمداً وأصحابه قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في الفريقين جميعاً، فذلك قوله {يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ} ولا تعرضوا لهم {وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ} ولا تعرضوا لهم يرضونكم ويرضونهم.
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: التوحيد، الذين كانوا بهذه الصفة {كُلَّ مَا رُدُّوۤاْ إِلَى ٱلْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا} يعني إذا دَعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه ودعوا عليه.
ثم بيّن لرسوله صلى الله عليه وسلم أمرهم فقال {فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ} أي فإن لم يكفّوا عن قتالكم ويعتزلوكم حتى تسيروا [......] {وَيُلْقُوۤاْ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ} أي المقاد والصلح {وَيَكُفُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَـٰئِكُمْ} أي أهل هذه الهدنة {جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً} أي عهداً وحجة بيّنة في قتالهم.