التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ
١٩
ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ
٢٠
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَٰتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٢١
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ
٢٢
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
٢٣
ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٢٤
وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِيۤ ءَاذَانِهِمْ وَقْراً وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ
٢٥
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ
٢٦
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
٢٧
بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
٢٨
-الأنعام

الكشف والبيان

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} الآية.
قال الكلبي: أتى أهل مكة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما وجد اللّه رسولاً غيرك وما نرى أحداً يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول اللّه كما تزعم، فأنزل اللّه {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً} فإن أجابوك وإلاّ فقل {قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ} على ما أقول {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ} وخوفكم يا أهل مكة {بِهِ وَمَن بَلَغَ} يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.
قال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و(ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب اللّه فإن من بلغته آية من كتاب اللّه فقد بلغه أمر اللّه أخذه أو تركه" .
وقال الحسن بن صالح: سألت ليثاً: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.
قال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.
فقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.
وقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمداً (عليه السلام) وسمع منه {أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ آلِهَةً أُخْرَىٰ} ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى
{ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ } [طه: 51]. {قُل} يا محمد إن أشهدوكم أنتم {لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} يعني التوراة والإنجيل {يَعْرِفُونَهُ} يعني محمد صلى الله عليه وسلم ونعته وصفته {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} أي من الصبيان.
قال الكلبي: لما قدم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم المدينة، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لعبيد اللّه بن سلام: إن اللّه قد أنزل على نبيّه {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ} فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد اللّه: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف إبني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد صلى الله عليه وسلم مني بإبني، قال: وكيف؟ قال: نعته اللّه عز وجل في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك اللّه يا ابن سلام {أَبْنَآءَهُمُ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ} غبنوا {أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل اللّه لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار {وَمَنْ أَظْلَمُ} أكفر.
قال الحسن: فلا أحد أظلم { مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ} اختلق {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فأشرك به غيره {أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ} يعني القرآن.
قال الحسن: كل ما في القرآن بآياتنا وآياته يعني به الدين بما فيه {لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّالِمُونَ} الكافرون {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} العابدين والمعبودين {جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} إنما يشفع لكم عند ربكم {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.
{إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة اللّه عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ويقولون {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فيقول اللّه تعالى لهم: {أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ} وتدعون أنهم شركائي ثم نختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله {ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ} زال وبطل {عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} من الأصنام {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} الآية، قال: إجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأُبي إبنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته يعني الكعبة قال: ما أدري ما يقول إلاّ إنه يحرك لسانه ويقول: {أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ}، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.
فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفياً، فقال أبو جهل: كلا فأنزل اللّه تعالى: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ} وإلى كلامك {وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً} غشاوة وغطاء {أَن يَفْقَهُوهُ} يعلموه {وَفِيۤ آذَانِهِمْ وَقْراً} ثقلاً وصماً {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّىٰ إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} يعني حكاياتهم إسطورة وإسطارة.
وقال بعض أهل اللغة: هي التُّرَّهّات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ}.
قال مقاتل: نزلت في أبي طالب وإسمه عبد مناف وذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو طالب:
واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذلك وقر منك عيونا
ودعوتني وزعمت إنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم سببا
وفرضت ديناً لا محالة إنه * من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجدتني سمحاً بذاك مبينا
فأنزل اللّه تعالى {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ} أي يمنعون الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ويناؤن عنه أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وهم ينهون الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.
قال مجاهد: وهم ينهون عنه قريشاً ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.
وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي صلى الله عليه وسلم ويتباعدون عنه {وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ} لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} إنما كذلك {وَلَوْ تَرَىٰ} يا محمد { إِذْ وُقِفُواْ} حبسوا {عَلَى ٱلنَّارِ} يعني في النار كقوله:
{ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ } [البقرة: 102] يعني في ملك سليمان.
وقرأ السميقع {إِذْ وُقِفُواْ} بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف. فقال: وقفت بنفسي وقوفاً ووقفتم وقفاً، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجباً {فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قرأه العامة ويكون بالرفع على معنى يا ليتنا نرد ونحوَ لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أردنا أم لم نرد.
وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: ولا نكذب وتكون نصباً على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.
وقرأ ابن عامر: نرد ولا نكذب: بالرفع، ونكون: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين واخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا {بَلْ بَدَا} ظهر {لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ} يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.
وقال السدي إنهم قالوا: {وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فذلك إخفاؤهم {مِن قَبْلُ} فأنطق اللّه عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل {بَلْ بَدَا لَهُمْ} وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلاّ أن تجعل الآية في المنافقين.
قال المبرد: بدا لهم (جزاء ما كانوا يخفون من قبل).
وقال النضر بن شميل: معناه بل بدا (لعنهم)، ثم قال {وَلَوْ رُدُّواْ} إلى الدنيا {لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} من الكفر {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.