التفاسير

< >
عرض

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ
٤٦
قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
٤٧
وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
٤٨
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
٤٩
قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ
٥٠
وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
٥١
وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ
٥٢
وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ
٥٣
وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٥٤
وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ
٥٥
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ
٥٦
قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ
٥٧
قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ
٥٨
-الأنعام

الكشف والبيان

{قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} فذهب بها { وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولاً ولا يبصروا حجة {مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} يعني بما أخذ منكم {ٱنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ} نبين لهم {ٱلآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} يعرضون عنها مكذبين بها {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً} فجأة { أَوْ جَهْرَةً} معاينة ورؤية [على ما أشركوا] {هَلْ يُهْلَكُ} بالعذاب {إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلظَّالِمُونَ} المشركون {وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ} العمل {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حين يخاف أهل النار {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} إذا حزنوا {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} بمحمد والقرآن {يَمَسُّهُمُ} يصيبهم {ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يرتكبون {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ} يعني رزق اللّه {وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ} ما يخفى عن الناس {وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} فتنكرون قولي وتجحدون أمري {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الكافر والمؤمن والضال والمهتدي {أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} لا يستويان {وَأَنذِرْ} خوّف {بِهِ} بالقرآن.
قال الضحّاك: به أي باللّه {ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوۤاْ} يبعثوا ويحيوا {إِلَىٰ رَبِّهِمْ} وقيل: يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم {لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ} من دون اللّه {وَلِيٌّ} يعني قريب ينفعهم {وَلاَ شَفِيعٌ} يشفع لهم {لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.
"جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول اللّه لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنا هؤلاء وأرواح جبابهم وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أنا بطارد المؤمنين قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتاباً، قال: فدعانا لصحيفة ودعا علياً ليكتب.
قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} إلاّ بشيء فألقى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54] فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم} الآية، قال: وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعمد وندنوا منه حتى كادت رِكبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي (معكم المحيا ومعكم) الممات.
وقال الكلبي: قالوا له: إجعل لنا يوماً ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحداً وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية"
.
وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد اللّه بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء أهؤلاء الذين قال: منّ اللّه عليهم من بيننا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم إتبعناك، فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمداً فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة:
"جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: ياأبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته" .
وقال جبير بن نفيل: إن قريشاً أتوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ} الآية.
قال ابن عباس: يدعون ربهم يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بالغداة والعشي يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلكإن ناساً من الفقراء كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ} الآية.
وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول اللّه تعالى {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ}، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.
وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.
فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول اللّه عز وجل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.
وقال أبو جعفر: يعني يقرأون القرآن {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} جواب لقوله {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} وقوله {فَتَكُونَ} جواب لقوله ولا تطرد لا أحد هو جواب نفي واللّه جواب النهي {مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه {وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية { لِّيَقُولوۤاْ} يعني الأشراف الأغنياء {أَهَـٰؤُلاۤءِ} يعني الفقراء والضعفاء {مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفاً أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم {أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ} يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله {أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ} وقيل: أليس اللّه أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.
العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال:
"كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضاً من العري وقارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام علينا فلما رأى القارىء سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول اللّه كان قارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد للّه الذي جعل في أمتي من أمرت أن أُصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منهم أحداً وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة" .
هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم يا معشر الفقراء إن اللّه رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن اللّه معنا فقال: {وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ} [الكهف: 28] فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين" .
معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: "أن سلماناً وصهيباً وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو اللّه مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه): تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر يغفر اللّه لك" .
{وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا} إختلفوا فيما نزلت هذه الآية. فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى اللّه عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم "وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام" .
وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية {وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه من مقالته واستغفر اللّه تعالى منها، وقال: يا رسول اللّه ما أردت بهذا إلاّ الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) {وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} الآية.
وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي اللّه عنهم أجمعين.
وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه:
"أتى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأنزل اللّه على الرجال الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوۤءًا بِجَهَالَةٍ}" قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته ركب الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة {ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ} فرجع عن دينه {وَأَصْلَحَ} عمله، وقيل: أخلص توبته {فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} واختلف القراء في قوله تعالى {أَنَّهُ} [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعاً. إبن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الإستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلاً من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبداً {وَكَذَلِكَ} أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.
وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك {نفَصِّلُ ٱلآيَاتِ} أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ} مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بأن الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} ودليل التأنيث قوله تعالى
{ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً } [آل عمران: 99] وقوله عز وجل { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ } [يوسف: 108] ولذلك قرأ ولتستبين بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة ولتستبين بالتاء، سبيل بالنصب على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم عناه ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته {قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ} في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان {قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ} يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.
وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء]: قد ضللت، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز {قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ} بيان وبرهان وبصيرة وحجة {مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ} أي بربي {مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث {إِنِ ٱلْحُكْمُ} ما القضاء {إِلاَّ للَّهِ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ} قرأ أهل الحجاز، وعاصم يقص الحق بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الحق فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله {وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَاصِلِينَ} والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للإستثقال ثم [...] كقوله
{ صَالِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 163] وقوله { يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ } [الرعد: 39] و { فَمَا تُغْنِ ٱلنُّذُرُ } [القمر: 5] { سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } [العلق: 18] ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.
{قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي} بيدي {مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} هو العذاب {لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} أي فرغ من العذاب وأهلكتم {وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّالِمِينَ}.