التفاسير

< >
عرض

أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ
١٠٨
-البقرة

الدر المصون

منقطعةٌ هذا هو الصحيحُ في الآيةِ. قال ابنُ عطية "ظاهرُه الاستفهامُ المحضُ، فالمعادِلُ هنا على قولِ جماعةٍ: أَمْ تريدون، وقال قومٌ: أَمْ منقطعةٌ، فالمعادِلُ محذوفٌ تقديرُه: أَمْ عَلِمْتُم، هذا إذا أُريدَ بالخِطابِ أمتُه عليه السلام، أمَّا إذا أُرِيدَ هو به فالمعادِلُ محذوفٌ لا غيرُ، وكِلا القَوْلَين مَرْوِيُّ" انتهى. وهذا غيرُ مَرْضِيٍّ لِما مَرَّ أَنَّ المرادَ بِه التقريرُ، فهو كقولِه: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزمر: 36] { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } [الانشراح: 1]والاستفهامُ بمعنى التقريرِ كثيرٌ جداً لا سيما إذا دَخَلَ على نفيٍ كما مَثَّلْتُه لك.
وفي قولِه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} التفاتان، أحدُهما: خروجٌ من خطاب جماعةٍ وهو {خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، والثاني: خروجٌ من ضميرِ المتكلِّم المعظِّمِ نفسَه إلى الغَيْبَةِ بالاسمِ الظاهر، فلم يقل: ألم تعلموا أننا، وذلكَ لِما يَخْفَى من التعظيمِ والتفخيم. {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}: أَنَّ وما في حَيِّزِها: إمَّا سادةٌ مسدَّ مفعولَيْنِ كما هو مذهبُ الجمهورِ، أو واحدٍ والثاني محذوفٌ كما هو مذهبُ الأخفشِ حَسْبَ ما تقدَّم من الخلافِ.
قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} .. قد تَقَدَّم أنَّ "أَمْ" هذه يجوزُ أن تكونَ متصلةً معادِلَةً لقولِه: "ألم تَعْلَمْ"، وأَنْ تكونَ منقطعة وهو الظاهرُ، فَتُقَدَّر ببل والهمزِ، ويكون إضرابَ انتقالٍ من قصةٍ إلى قصة قال أبو البقاء: أَمْ هنا منقطعةٌ، إذ ليسَ في الكلام همزةٌ تقعُ موقعَها ومع أم: أيُّهما، والهمزةُ من قولِه: "ألم تعلمْ" ليسَتْ مِنْ أم في شيء والمعنى: بل أتريدون" فَخَرَجَ مِن كلام إلى كلام. وأصلُ تُريدون: تُرْودُون، لأنه مِنْ رَادَ يَرُودُ، وقد تقدَّم، فَنُقِلَتْ حركةُ الواوِ على الراءِ فَسَكَنَت الواوُ بعد كسرةٍ فقُبِلَتْ ياءً. وقيل "أم" للاستفهامِ، وهذه الجملةُ منقطعةٌ عما قبلها وقيل: هي بمعنى بل وحدَها، وهذان قولان ضعيفان.
قوله: {أَن تَسْأَلُواْ} ناصبٌ ومنصوبٌ في محلِّ نصبٍ مفعولاً به بقوله "تُريدون"، أي: أتريدون سؤالَ رسولِكم.
قولُه: "كما سُئِلَ" متعلِّقٌ بتَسْأَلوا، والكافُ في محلِّ نصبٍ، وفيها التقديران المشهوران: فتقديرُ سيبويه أنَّها حالٌ من ضمير المصدرِ المحذوف أي: أَنْ تَسْأَلوه أي: السؤالَ حالَ كونِه مُشَبَّهاً بسؤالِ قومِ موسى له، وتقديرُ غيرِه - وهم جمهور النحويين - أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إن تسألوا رسولكم سؤالاً مشبهاً كذا. و "ما" مصدرية، أي: كسؤال موسى، وأجاز الحوفي كونها بمعنى الذي فلا بدَّ من تقدير عائد، أي كالسؤال الذي سُئِله موسى. و "موسى" مفعول لم يُسمَّ فاعله، حُذِف الفاعل للعلم به، أي كما سأل قوم موسى.
والمشهور: "سُئِل" بضم السين وكسر الهمزة، وقرأ الحسن: "سِيل" بكسر السين وياء بعدها، مِنْ: سالَ يسال نحو خِفْتُ أخاف، وهل هذه الألفُ في "سال" أصلُها الهمزُ أولا؟ تقدَّم خلافٌ في ذلك وسيأتي تحقيقُه في "سَأَلَ"، وقُرىء بتسهيلِ الهمزةِ بينَ بينَ.
و "من قبلُ" متعلق بسُئل، و "قبلُ" مبنيةٌ على الضَمِّ لأن المضافَ إليه معرفةٌ أي: من قبلِ سؤالِكم. وهذا توكيدٌ، وإلاَّ فمعلومٌ أنَّ سؤال موسى كان متقدَّماً على سؤالهم.
قوله: {بِٱلإِيمَانِ} فيه وجهان، أحدُهما: أنها باء العِوَضيَّة، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك. والثاني: أنها للسببية، قال أبو البقاء: "يجوز أن يكونَ مفعولاً بيتبدَّل، وتكون الباءُ للسبب كقولك: اشتريْتُ الثوبَ بدرهمٍ" وفي مثالِه هذا نظرٌ.
{فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} قُرِىَء بإدغام الدال في الضاد وإظهارها، و "سواءَ" قال أبو البقاء: "سواء السبيلِ ظرفٌ بمعنى وَسَطِ السبيلِ وأعدله" وهذا صحيحٌ فإنَّ "سَواء" جاء بمعنى وَسَط، قال تعالى:
{ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ } [الصافات: 55] وقال عيسى بن عمر: "ما زلت أكتب حتى انقطع سَوائي" وقال حسان

674 ـ يا ويحَ أصحابِ النبيِّ ورَهْطِه بعدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ

ومن مجيئه بمعنى العَدْلِ قولُ زهير:

675 ـ أَرُونا خُطَّةً لا عيبَ فيها يُسَوِّي بيننا فياه السَّواءُ

والسبيلُ يُذَكَّر ويؤنَّث: { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ } [يوسف: 108]. والجملةُ من قولِه: "فَقَدْ ضَلَّ" في محلِّ جزمٍ لأنَّها جزاءُ الشرطِ، والفاءُ واجبةٌ هنا لعَدَمِ صلاحيَتِه شَرْطَاً.