التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ
٥٤
-البقرة

الدر المصون

قوله تعالى: {يَاقَوْمِ}.. اعلم أنَّ في المنادى المضافِ إلى ياء المتكلم ستَّ لغاتٍ أفصحُها: حَذْفُها مُجْتَزَأً منها بالكسرةِ وهي لغةُ القرآن، الثانية: ثبوتُ الياءِ ساكنةً، الثالثة: ثبوتُها مفتوحةً، الرابعةُ: قَلْبُهَا ألفاً، الخامسةُ: حَذْفُ هذهِ الألفِ والاجتزاءُ عنها بالفتحةِ كقولِه:

468ـ ولَسْتُ بِراجعٍ ما فاتَ مِنِّي بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَنِّي

أي: بقولي يا لَهْفا، السادسة: بناءُ المضاف إليها على الضمِّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءةِ مَنْ قَرَأ: {قَالَ رَبُّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ} [الأنبياء: 112]. قال بعضُهم: "لأنَّ "يا قوم" في تقدير: يا أيُّهَا القومُ" وهذا ليس بشيءٍ.
والقومُ: اسمُ جمعٍ، لأنَّه دالٌّ على أكثرَ مِن اثنين، وليس له واحدٌ من لفظِهِ ولا هو على صيغةٍ مختصَّةٍ بالتكسيرِ، ومفردُه رَجُل، واشتقاقُه من قام بالأمرِ يَقُوم به، قال تعالى:
{ ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ } [النساء: 34]، والأصلُ في إطلاقِه على الرجال، ولذلك قُوبل بالنساءِ في قولهِ: { لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ ... وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ } [الحجرات: 11] وفي قولِ زهير:

469ـ وما أَدْرِي وسوفُ إخالُ أَدْرِي أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ

وأما قوله تعالى: { كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ } [الشعراء: 105] و { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ } [الشعراء: 160]، والمكذِّبون رجالٌ ونساء فإنما ذلك من باب التغليب، ولا يجوزُ أن يُطْلَقَ على النساءِ وَحْدَهُنَّ البتةَ، وإن كانَتْ عبارةُ بعضِهم تُوهِمُ [ذلك].
قوله: {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} الباءُ للسببيةِ، متعلِّقَةٌ بـ "ظَلَلْتُم" وقد تقدَّم الخلافُ في هذه المادةِ: هل أصلُها أَخَذَ أو تَخِذَ. و"العجل" مفعولٌ أولُ والثاني محذوفٌ أي: إلهاً كما تقدَّم. والمصدرُ هنا مضافٌ للفاعِلِ وهو أحسنُ الوجهينِ، فإنَّ المصدَرَ إذا اجتمع فاعلُه ومفعولُه فالأَوْلَى إضافتُه إلى الفاعل لأنَّ رُتْبَته التقديمُ، وهذا من الصورِ التي يَجِبُ فيها تقديمُ الفاعل. فأمَّا:
{ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ } [الأنعام: 137] فسيأتي [القول فيها مُشْبعاً] إن شاء الله تعالى.
والعِجْلُ معروفٌ وهو وَلَدُ البقرة. قال الراغب: "العِجْلُ وَلَدُ البقرةِ لِتَصوُّرِ عَجَلَتِها التي تَعْدَمُ منه إذا صارَ ثَوْراً". وقيل: إنما سُمِيَّ عِجْلاً لأنهم تَعَجَّلُوا عبادتَه قبل مجيء موسى، ويُرْوى عن عليّ، وهذا لا يَصِحُّ عنه فإنَّ هذا الاسمَ معروفٌ قبلَ ذلك، والجمع عَجاجِيل وعُجُول.
قوله: "إلى بارِئِكم" متعلِّقٌ بـ "تُوبوا" والمشهورُ كَسْرُ الهمزة، لأنها حركةُ إعرابٍ، ورُوي عن أبي عمرو ثلاثةُ أوجهٍ أُخَرَ: الاختلاسُ، وهو الإِتيانُ بحركةٍ خفيَّة، والسكونُ المَحْضُ، وهذه قد طَعَنَ عليها جماعةٌ من النحويين، ونسبوا راويَها إلى الغَلَطِ على أبي عمرو، قال سيبويه: "إنما اختلسَ أبو عمرو فظنَّه الروايَ سَكَّن ولم يَضْبِط"، وقال المبردُ: "لا يجوزُ التسكينُ مع توالي الحركات في حرف الإِعراب في كلامٍ ولا شعر، وقراءةُ أبي عمروٍ لَحْنٌ" وهذه جرأةٌ من المبرِّد وجَهْلٌ بأشعارِ العرب، فإنَّ السكونَ في حركاتِ الإِعراب قد وَرَدَ في الشعرِ كثيراً، ومنه قولُ امرئِ القيس:

470ـ فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ إثْماً مِن اللهِ ولا واغِلِ

فسكَّن "أَشْرَبْ"، وقال جرير:

471ـ ................................ ونهرُ تِيرىٰ فما تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ

وقال أخر:

472ـ رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ ما فيهما وقد بَدَا هَنْكِ من المِئْزَرِ

يريد: هَنُك، وتَعْرِفُكم، فهذه حركاتُ إعرابٍ وقد سُكِّنَتْ، وقد أنشد ابنُ عطية وغيرُه رَدَّاً عليه:

473ـ قالت سُلَيْمى اشْتَرْ لنا سَويقا

وقول الآخر:

474ـ إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوِّمِ

وقول الآخر:

475ـ إنما شِعْريَ شَهْدٌ قد خُلْطَ بِجُلْجُلانْ

ولا يَحْسُن ذلك لأنها حركاتُ بناء، وإنما مَنَع هو ذلك في حركاتِ الإِعراب، وقراءةُ أبي عمرو صحيحةٌ، وذلك أنَّ الهمزةَ حرفٌ ثقيل، ولذلك اجْتُرِئَ عليها بجميع أنواعِ التخفيفِ، فاسْتُثْقِلَتْ عليها الحركةُ فقُدِّرَت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة -رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: {وَمَكْرَ ٱلسَّيىءِ وَلاَ} فإنه سَكَّن هَمزة "السيء" وَصْلاً، والكلامُ عليهما واحد، والذي حسَّنه هنا أنَّ قبلَ كسرةِ الهمزةِ راءً مكسورةً، والراءُ حرفُ تكريرٍ، فكأنه توالى ثلاثُ كَسَرات فَحَسُنَ التسكينُ، وليت المبردَ اقتدى بسيبويهِ في الاعتذار عن أبي عمرو وفي عَدَم الجرأة عليه:

476ـ وابنُ الَّلُبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْل القَنَاعِيْسِ

وجميعُ روايةِ أبي عمروٍ دائرةٌ على التخفيفِ، ولذلك يُدْغِمُ المِثْلَيْن والمتقارِبَيْن ويُسَهِّلُ الهمزة ويُسكِّنُ نحو: { يَنصُرْكُمُ } [آل عمران: 160]، و { يَأْمُرُكُمْ } [البقرة: 67]، و { بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ } [الأنعام: 53] على تفصيلٍ معروفٍ عند القرَّاء. ورُوِيَ [عنه] إبدالُ هذه الهمزةِ الساكنةِ ياءً كأنه لم يَعْتَدَّ بالحركةِ المقدَّرةِ، وبعضُهم يُنْكِرُ ذلك [عنه]، فهذه أربعُ قراءات لأبي عمروٍ. وروى ابنُ عطية عن الزهري "بارِيِِكم" بكسر الياء من غيرِ هَمْزٍ، قال: "ورُوِيَتْ عن نافع"، قلت: من حقَّ هذا القارئ أن يُسَكِّنَ الياءَ لأنَّ الكسرةَ ثقيلةٌ عليهَا، ولا يجوزُ ظهورُها إلا في ضرورةِ شعرٍ كقول أبي طالب:

477ـ كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ نُبْزِي مُحَمَّداً ولم تَخْتَصِبْ سُمْرُ العَوالِيِّ بالدَّمِ

وقرأ قتادة: "فاقْتالوا" وقال: هي من الاستقالةِ، قال ابن جني: "اقتال: افْتَعَل، ويُحَتمل أنْ تكونَ عينُها واواً [كاقتادوا] أو ياءً كاقتاس، والتصريفُ يُضْعِفُ أن تكونَ من الاستقالة"، ولكن قتادةَ ينبغِي أن يُحْسَنَ الظَّنُّ به في أنه لم يُوْرِدْ إلا بحُجَّةٍ عنده.
والبارئ هو الخالقُ، بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ أي خَلَقَهم، وقد فَرَّق بعضُهم بين الخالق والبارئ بأنَّ البارئَ هو المُبْدِعُ المُحْدِثُ، والخالِقُ هو المُقَدِّرُ الناقلُ من حالٍ إلى حال. وأصَلُ هذه المادةِ يَدُلُ على الانفصالِ والتميُّزِ، ومنه: بَرَأَ المريضُ بُرْءاً وبَرْءاً وبَرِئْتُ وَبَرَأْتُ أيضاً من الدَّيْن بَراءةً، والبَرِيَّةُ الخَلْق، لأنهم انفصلوا من العَدَمِ إلى الوجودِ، إلا أنَّه لا يُهْمَزُ، وقيل: أصلُه من البَرَى وهو التراب، وسيأتي تحقيقُ القَوْلَيْنِ في موضعِه إن شاء الله تعالى.
قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} قال بعضُهم: "ذلكم" مفردٌ واقعٌ موقعَ "ذانكم" المثنَّى، لأنه قد تقدَّم اثنان: التوبة والقتلُ. قال أبو البقاء: "وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ قولَه: {فَٱقْتُلُوۤاْ} تفسيرُ التوبةِ فهو واحدٌ" و "خَيْر" أفعلُ تفضيلٍ وأصلُه: أًَخْيَرُ، وإنما حُذِفَتْ همزتُه تخفيفاً ولا تَرْجِعُ هذه الهمزةُ إلا في ضرورةٍ، قال:

478ـ بلالُ خيرُ الناسِ وابنُ الأَخْيَرِ

ومثلُه شَرّ، لا يجوز أَشَرّ، إلا في ندور، وقد قُرىء: {مَن الكّذَّابُ الأَشَرُّ} [القمر: 26] وإذا بُني من هذه المادةِ فعلُ تعجُّبٍ على أَفْعَل فلا تُحْذَفُ همزتُه إلا في ندورٍ كقولِهم: "ما خَيْرَ اللبنِ للصحيحِ، وما شَرَّه للمبطونِ" فخيرٌ وشَرٌّ قد خَرَجَا عن نظائرهما في بابِ التفضيل والتعجُّب، و "خَيْر" أيضاً مخفَّفَةٌ من خَيَّر على فَيْعِل ولا يكونُ من هذا البابِ، ومنه: "فيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ" قال بعضهم: "مُخَفَّف من خَيِّرات". والمفضَّلُ عليه محذوفٌ للعلمِ به، أي: خيرٌ لكم من عدم التوبة. ولأَفْعَلِ التفضيلِ أحكامٌ كثيرةٌ وشروطٌ منتشرةٌ لاَ يَحْتملها [هذا] الكتابُ، وإنما نأتي منها بما نضطرُّ إليه.
قولُه تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} في الكلامِ حَذْفٌ، وهو "فَفَعَلْتُم ما أُمِرْتُمْ به من القتلِ فتابَ عليكم. والفاءُ الأولى في قوله: "فتوبوا" للسببية، لأن الظلمَ سَببُ التوبةِ، والثانيةُ للتعقيبِ، لأنَّ المعنى: فاعْزِموا على التوبة، فاقتلوا أنفسَكم، والثالثةُ متعلقةٌ بمحذوفٍِ، ولا يخلو: إمَّا أن ينتظمَ في قول موسى لهم فيتعلَّقَ بشرطٍ محذوفٍ كأنه: وإنْ فَعَلْتُم فقد تابَ عليكم، وإمَّا أَنْ يكونَ خطاباً من الله لهم على طريقةِ الالتفاتِ، فيكونُ التقديرُ: فَفَعَلْتُم ما أَمركم به موسى فتابَ عليكُم، قاله الزمخشري.