التفاسير

< >
عرض

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ
٩
-الأنفال

الدر المصون

قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ}: فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه منصوب باذكر مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً أي: إنه مقتطعٌ عما قبله. الثاني: أنه منصوب بيحقُّ أي: يحقُّ الحق وقت استغاثتكم. وهو قول ابن جرير. وهو غلط، لأنَّ "ليحقَّ" مستقبل لأنه منصوب بإضمار "أَنْ"، و "إذ" ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟ الثالث: أنه بدلٌ من "إذ" الأولى، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وكان قد قَدَّموا أن العامل في "إذا" الأولى "اذكر" مقدراً. الرابع: أنه منصوب بـ "يعدكم" قاله الحوفي وقَبْلَه الطبري. الخامس: أنه منصوب بقوله "تَوَدُّون" قاله أبو البقاء. وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصل.
و "استغاث" يتعدى بنفسه وبالباء. ولم يجئ في القرآن إلا متعدِّياً بنفسه حتى نقم ابن مالك على النحويين قولهم المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله. وقد أنشدوا على تَعَدِّيه بالحرف قول الشاعر:

2383ـ حتى استغاثَ بماءٍ لا رِشَاءَ له من الأباطحِ في حافَاتِه البُرَكُ

مُكَلَّلٌ بأصول النَّبْت تَنْسُجه ريحٌ خَرِيقٌ لضاحي مائِه حُبُكُ

كما استغاث بِسَيْءٍ فَزُّغَيْطَلَةٍ خافَ العيونَ ولم يُنْظَرْ به الحَشَكُ

فدلَّ هذا على أنه يتعدى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره.
قوله: {أَنِّي} العامة على فتح الهمزة بتقدير حذف حرف الجر أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر ـ ويُروى عن أبي عمرو أيضاً ـ "إني" بكسرها. وفيها مذهبان: مذهَب البصريين أنه على إضمار القول أي: فقال إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين أنها محكيَّةٌ باستجاب إجراءً له مُجْرى القولِ لأنه بمعناه.
قوله: {بِأَلْفٍ} العامَّة على التوحيد. وقرأ الجحدري: "بآلُفٍ" بزنة أفْلُس. وعنه أيضاً وعن السديّ بزنة أَحْمال. وفي الجمع بين هاتين القراءتين وقراءة الجمهور: أن تُحْمَلَ قراءةُ الجمهور على أن المراد بالأَلْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور ونصَّ عليهم في هاتين القراءتين. أو تُحْمل الألْف على مَنْ قاتَلَ من الملائكة دون مَنْ لم يقاتل فلا تنافِيَ حينئذٍ بين القراءات.
قوله: {مُرْدِفِينَ} قرأ نافع ـ ويُروى عن قنبل أيضاً ـ "مُرْدَفين" بفتح الدال والباقون بكسرها. وهما واضحتان لأنه يُروى في التفسير أنه كان وراء كل مَلِكٍ مَلَكٌ رديفاً له. فقراءة الفتح تُشْعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم، وقراءة الكسر تُشْعر بأن الراكبَ خلفَ صاحبهِ قد أَرْدَفَه، فصَحَّ التعبيرُ باسم الفاعل تارةً واسمِ المفعول أخرى. وجَعَلَ أبو البقاء مفعولَ "مُرْدِفين" ـ يعني بالكسر ـ محذوفاً أي: مُرْدِفين أمثالهم. وجَوَّز أن يكون معنى الإِرداف المجيءَ بعد الأوائل أي: جُعِلوا رِدْفاً للأوائل. ويُطلب جوابٌ عن كيفية الجمع/ بين هذه الآيةِ وآيةِ آل عمران، حيث قال هناك "بخمسة"، وقال هنا "بأَلْف" والقصة واحدة. والجواب: أن هذه الألف مُرْدِفَةً لتلك الخمسة فيكون المجموعُ ستةَ آلاف، ويظهر هذا ويَقُوى في قراءة "مُرْدِفين" بكسر الدال.
وقد أنكر أبو عبيد أن يكون الملائكة أَرْدَفَت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكة. وقال الفارسي: "مَنْ كسر الدال احتمل وجهين، أحدهما: أن يكونوا مُرْدِفين مثلَهم كما تقول: "أَرْدَفْتُ زيداً دابَّتي" فيكون المفعولُ الثاني محذوفاً، وحَذْفُ المفعولِ كثيرٌ. والوجه الآخر: أن يكونوا جاؤوا بعد المسلمين. وقال الأخفش: "بنو فلان يَرْدِفوننا أي: يجيئون بعدنا"، وقال أبو عبيدة: "مُرْدِفين: جاؤوا بعدُ، ورَدِفني وأَرْدَفني واحد". قال الفارسي: "هذا الوجه كأنه أَبْيَنُ لقوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}، قولُه "مُرْدِفين" أي جائين بعدُ لاستغاثتِكم. ومَنْ فتح الدال فهم مُرْدَفون على: أُرْدِفوا الناسَ أي: أُنْزِلوا بعدهم".
وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليل "مُرَدِّفين" بفتحِ الراء وكسرِ الدالِ مشدَّدة، والأصل: مُرْتَدِفين فأدغم. وقال أبو البقاء: "إن هذه القراءةَ مأخوذةٌ مِنْ رَدَّفَ بالتشديد الدال على التكثير، وإن التضعيف بدلٌ من الهمزة كأَفْرَحْتُه وفرَّحته" وجَوَّز الخليلُ بن أحمد ضمَّ الراءِ إتباعاً لضمِّ الميم كقولهم: مُخُضِم بضم الخاء، وقد قُرِئ بها شذوذاً.
وقُرئ "مُرِدِّفين" بكسرِ الراء وتشديدِ الدالِ مكسورةً. وكسرُ الراء يَحْتمل وجهين: إمَّا لالتقاء الساكنين وإمَّا للإِتباع. قال ابن عطية: "ويجوز على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للراء، ولا أحفظه قراءة"، قلت: وكذلك الفتحة في "مُرَدِّفين" في القراءةِ التي حكاها الخليل تحتمل وجهين. أحدهما: ـ وهو الظاهر ـ أنها حركةُ نَقْلٍ من التاء ـ حين قصد إدغامَها ـ إلى الراء. والثاني: أنها فُتِحَتْ تخفيفاً، وإن كان الأصلُ الكسرَ على أصل التقاء الساكنين كما قد قُرئ به. وقُرِئ "مِرْدِفين" بكسر الميم إتباعاً لكسرة الراء.
والوَجَل: الفَزَعُ. وقيل: استشعار الخوف يُقال منه: وَجِل يَوْجَل وياجَل ويَيْجَل ويَيْجِل وَجَلاً، فهو وَجِل. والشَّوْكَة: السلاح كسِنان الرُّمْح والنَّصْل والسيف، وأصلها من النبتِ الحديدِ الطَرْفِ كشَوْك السَّعْدان، يُقال منه: رجلٌ شائكٌ، فالهمزةُ من واو كقائم، ويجوز قلبُه بتأخيرِ عينه بعد لامه، فيقال: "شاكٍ"، فيصير كغازٍ، ووزنُه حينئذ فالٍ ـ قال زهير:

2384ـ لدى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ له لِبَدٌ أظفارُه لم تُقَلَّمِ

ويُوصَفُ السِّلاحُ بالشاكي كما يُوصف به الرجل فيُقال: رجلٌ شاكٌ وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ وشاكٍ. فأمَّا شاكٌ فصحيحٌ غيرُ معتلٍّ، وألفُه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنُه في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قُلِبَتْ ألفاً كما قالوا كَبْشٌ صافٌ أي صَوِف، وكذلك شاكٌ أي شَوِكٌ. ويُحتمل أن يكونَ محذوفَ العينِ وأصلُه شائك فحُذِفَت العينُ فبقي شاكاً فألفُه زائدةٌ ووزنُه على هذا فال. وأمَّا شاكٍ فمنقوصٌ وطريقتُه بالقلب كما تقدم. ومِنْ وصف السلاح بالشاك قوله:

2385ـ وأُلْبِسُ مَنْ رضاه في طريقي سلاحاً يَذْعَر الأبطال شاكا

فهذا يُحْتمل أن يكونَ محذوفَ العين، وأن يكون أصله شَوِكاً كصَوِف. ويُقال أيضاً: هو شاكٌّ في السلاح بتشديد الكاف مِنَ الشِكَّة وهي السلاح أجمع، نقله الهروي والراغب.
والاستغاثة: طلبُ الغَوْث وهو النصرُ والعَوْن وقيل: الاستغاثةُ سَدُّ الخَلَّة وقت الحاجة. وقيل: هي الاستجارةُ. ويقال: غَوْثٌ وغُواث وغَواث، والغيث من المطر والغَوْث من النصرة، فعلى هذا يكونُ "استغاث" مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل فيقال: استَغَثْتُه فأغاثني من الغَوْث، وغاثَني مِن الغَيْث. والإِردافُ: الإِتباع والإِركاب وراءك. قال الزجاج: "أَرْدَفْتُ الرجل إذا جئت بعده". ومنه
{ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } [النازعات: 7]، ويقال: رَدِف وأَرْدَف. واختلف اللغويون فقيل: هما بمعنى واحد، وهو قولُ ابنِ الأعرابي نقله عنه ثعلب، وقولُ أبي زيد نقله عنه أبو عبيد قال: "يُقال: رَدِفْتُ الرجلَ وأَرْدَفْته إذا ركبْتَ خلفَه"، وأنشد:

2386ـ إذا الجوزاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظنَنْتُ بآل فاطمةَ الظُّنونا

أي جَاءَتْ على رِدْفِها. وقيل: بل بينهما فرقٌ، فقال الزجاج: "يقال: رَدِفْتُ الرجلَ: رَكِبْتُ خلفَه وأَرْدَفْتُه: أركبتُه خلفي" وهذا يناسِبُ قولَ مَنْ يُقَدِّر مفعولاً في "مُرْدِفين" بكسرِ الدال، وأَرْدَفْتُه" إذا جِئْتَ بعده أيضاً، فصار أَرْدَفَ على هذا مشتركاً بين معنيين. وقال شمر: "رَدِفْتُ وأَرْدَفْتُ إذا فَعَلْتَ ذلك بنفسك، فأمَّا إذا فَعَلْتَهما/ بغيرك فَأَرْدَفْتُ لا غير". وقوله: {مُرْدَفِينَ} بفتح الدالِ فيه وجهان، أظهرهما: أنه صفةٌ لأَلْف أي أَرْدَف بعضُهم لبعض. والثاني: أنه حالٌ من ضمير المخاطبين في "يمدُّكم" قال ابن عطية: "ويُحتمل أن يُراد بالمُرْدَفين المؤمنون أي: أُرْدِفوا بالملائكة" وهذا نصٌّ فيما ذكرته من الوجه الثاني. وقال الزمخشري: "وقرئ "مُرْدَِفين" بكسر الدال وفتحها مِنْ قولك: رَدِفه إذا تبعه، ومنه قوله تعالى: { رَدِفَ لَكُم } [النمل: 72]، أي: رَدِفَكم، وأَرْدَفْتُه إياه إذا تَبِعْتَه، ويقال: أَرْدَفته كقولك: اتَّبَعْته إذا جئت بعده، فلا يخلُو المكسورُ الدالِ مِنْ أن يكون بمعنى مُتْبِعين أو مُتَّبِعين. فإن كان بمعنى مُتْبِعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى مُتْبِعِيْن بعضَهم بعضاً، أو مُتْبِعين بعضهم لبعض، أو بمعنى مُتْبعين إياهم المؤمنين، بمعنى يتقدَّمونهم فيُتْبعونهم أنفسهم أو مُتْبِعين لهم يُشَيِّعونهم ويُقَدِّمونهم بين أيديهم وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحِفْظهم، أو بمعنى مُتْبِعين أنفسهم ملائكةً آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة. ويعضد هذا الوجهَ قولُه تعالى في سورة آل عمران { { بثلاثة آلافٍ من الملائكة منزلين } } [آل عمران: 124] { بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ } [آل عمران: 125]، ومن قرأ "مُرْدَفين" بالفتح فهو بمعنى مُتْبَعين أو مُتَّبَعين".
قلت: وهذا الكلامُ على طوله شرحُه أنَّ "أَتْبع" بالتخفيف يتعدَّى إلى مفعولين، و "اتَّبع" بالتشديد يتعدى لواحدٍ، وأَرْدَف قد جاء بمعناهما، ومفعولُه ـ أو مفعولاه ـ محذوفٌ لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به. إلا أنَّ الشيخ عابَ عليه قوله "مُتْبِعين إياهم المؤمنين وقال: "هذا ليس من مواضعِ فَصْلِ الضمير بل مما يتصل وتُحْذف له النون، لا يقال: هم كاسون إياك ثوباً، بل كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين أو مُتْبعين أنفسَهم المؤمنين".