التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٥٤
-المائدة

التفسير الكبير

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ}؛ قرأ أهلُ المدينةِ والشام (يَرْتَدِدْ) بدالين، وفي الآيةِ تهديدٌ لِمَن لا ثباتَ له على الإيمانِ. قال ابنُ عبَّاس: (هُمْ أسَدُ وَغَطَفَانَ وَأَنَاسٌ مِنْ كِنْدَةَ، ارْتَدُّواْ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي عَهْدِ أبي بَكْرٍ رضي الله عنه).
وَكَانَ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ فِرْقَةٌ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو حَنِيْفَةَ بالْيَمَامَةِ، وَرَئِيسُهُمْ مُسَيْلَمَةُ الْكَذابُ وَكَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي آخِرِ سَنَةِ عَشْرٍ، وَزَعَمَ أنَّهُ أشْرِكَ مَعَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فِي النُّبُوَّةِ، وَكَتَبَ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
"مِنْ مُسَيْلَمَةَ رَسُولِ اللهِ إلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ؛ أمَّا بَعْدُ: فَإنَّ الأَرْضَ نَصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لَكَ! وَبَعَثَ بذَلِكَ رَجُلَيْنِ مِنْ أصْحَابهِ نَهْشَلاً وَالْحَكَمَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَكَانَا مِنْ سَادَاتِ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: أتَشْهَدَانِ أنَّ مُسَيْلَمَةَ رَسُولُ اللهِ؟ قَالاَ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَوْلاَ أنَّ الرُّسُلَ لاَ تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أعْنَاقَكُمَا، ثُمَّ أجَابَ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ إلَى مُسَيْلَمَةَ الْكَذاب؛ أمَّا بَعْدُ: فَإنَّ الأَرْضَ للهِ يُورثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" .
ومَرِضَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتوفِّيَ، وجعلَ مسيلمةُ يغلو أمرهُ باليمامةِ يوماً بعدَ يومٍ، فبعثَ أبو بكرٍ رضي الله عنه خالدَ بن الوليدِ في جيشٍ عظيم حتى أهلكَهُ الله على يدي وحشيٍّ قاتِلِ حمزةَ بن عبدِ المطلب بعد حربٍ شديدة، فكان وحشيُّ يقول: (قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَتَلْتُ شَرَّ النَّاسِ فِي الإسْلاَمِ).
ومن المرتدِّين أيضاً طلحةُ بن خُوَيلِد رئيسُ بني أسدٍ، وكان قد ادَّعى النبوةَ أيضاً في حياةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتلَهُ أبو بكرٍ رضي الله عنه بعد وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثَ إليه خالدَ ابن الوليدِ، فقاتلَهُ قتالاً شديداً، وهربَ طلحةُ على وجههِ نحوَ الشامِ، فلجأَ إلى بني حنيفةَ فأجاروهُ، ثم أسلَمَ بعد ذلك وحسُنَ إسلامهُ.
وارتدَّ أيضاً بعد وفاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرٌ من العرب منهم: فَزَارَةُ ورئيسهم عُيينة بن حصين، وبنو سُليم وبنو يربوعَ، وطائفةٌ من بني تَميم، ورأسُوا عليهم امرأةً يقال لها سَجَاحُ بنت المنذر، وادَّعتِ النبوةَ ثم زوَّجت نفسَها من مسيلمةَ الكذاب.
وارتدَّت كندةُ ورئيسهم الأشعثُ بن قيسٍ، وارتدَّت بنو بكرِ بن وائل بأرضِ البحرين، وكَفى اللهُ المسلمين أمرَ هؤلاء المرتدِّين، ونصرَ دينَهُ على يدِ أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وأخبارُ أهلِ الردَّة طويلةٌ مشهورة فلا نطوِّلُ بذكرِها الكتابَ.
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}؛ قال عليُّ والحسن وقتادة: (هُمْ أبُو بَكْرٍ وَأصْحَابُهُ)، وقال مجاهدُ: (هُمْ أهْلُ الْيَمَنِ). وقال عياضُ بن غُنَيم:
"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أوْمَأَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ وَقَالَ: هُمْ قَوْمُ هَذا. وَقال صلى الله عليه وسلم: أتَاكُمْ أهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ ألْيَنُ قُلُوباً وَأَرَقُّ أفْئِدَةً؛ الإيْمَانُ يَمَانٌ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ" .
وقال الكلبيُّ: (هُمْ أحْيَاءٌ مِنَ الْيَمَنِ: ألْفَانِ مِنَ النَّجْعِ، وَخَمْسَةُ آلاَفٍ مِنْ كَمْدَةَ وَبُحِيلَةَ، وَثَلاَثَةُ آلاَفٍ مِنْ أحْيَاءِ النَّاسِ، فَقَاتَلُواْ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَنِ الإسْلاَمِ وهم الذين أثنَى اللهُ عليهم بقولهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}؛ يُلِينُونَ لهم جانبَهم ليس هذا من الهوانِ، إنما هو من اللِّين والرِّفقِ، كما في قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: { وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ } [الإسراء: 24].
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}؛ أي أشدَّاءَ أقوياءَ غُلَظَاءَ على الكافرِين، يُغَازُونَ الكفارَ ويغالبونَهم، ونظيرُ هذه الآية قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29] قال عطاءُ: (أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: كَانُوا كَالْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَكَالْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، أعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ: كَالسَّبُعِ عَلَى فَرِيسَتِهِ). وقال السديُّ: (مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} يَعْنِي الأَنْصَارَ). "ورُوي أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَضَرَبَ بيَدِهِ عَلَى عَاتِقِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ فَقَالَ: هَذا وَذْوُوهُ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ مُعَلَّقاً بالثُّرَيَّا لَنَالَهُ رجَالٌ مِنْ أبْنَاءِ فَارسَ" .
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}؛ أي يُقاتلون العدوَّ في طاعةِ الله، ولا يخافون ملامةَ اللائمين، {ذٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}؛ أي ذلك التمكينُ والتوفيق فضلٌ من اللهِ يُكرِمُ به من يشاءُ مَن كان أهلاً لذلك، {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ}؛ الفضلِ والرحمة، {عَلِيمٌ}؛ مَن يصلُح للهدَى.