التفاسير

< >
عرض

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
٥
ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ
٦
صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ
٧
-الفاتحة

تأويلات أهل السنة

وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}.
فهو - والله أعلم - على إضمار الأَمر، أي: قل: ذا. ثم لم يجعل له أن يَسْتثنى في القول به، بل ألزمه القول بالقول فيه. ثم هو يتوجه وجهين:
أحدهما: يحال القول به على الخبر عن حاله؛ فيجب ألا يستثنى في التوحيد، وأن من يَسْتَثْني فيه عن شَكٍّ يُسْتَثْنَى.
والله - تعالى - وصف المؤمنين بقوله تعالى:
{ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ... } الآية [الحجرات: 15].
وكذلك
"سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: إيمان لا شكَّ فيه" .
والثاني: عن الأحوال التي ترد في ذلك. لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد المذهب لم يجز الشك فيه؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات، إنما تعتقد للأبد؛ لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد. وبالله التوفيق.
ثم قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يتوجه وجهين:
أحدهما: إلى التوحيد، وكذا رُوِيَ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال:
"كُلُّ عبادةٍ في القرآنِ فهو توحيدٌ" .
والوجه الآخر: أن يكون على كل طاعة أن يعبد الله بها، وأصلها يرجع إلى واحد؛ لما على العبد أن يوحد الله - تعالى - في كل عبادة لا يُشرك فيها أحداً، بل يخلصها فيكون موحِّداً لله تعالى بالعبادة والدين جميعاً.
وعلى ذلك قطعُ الطمع، والخوف، والحوائج كلها عن الخلقِ.
وتوجيهُ ذلك إلى الله تعالى بقوله:
{ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ } [فاطر: 15] وعلى ذلك المؤمن لا يطمعُ في الحقيقة بأحدٍ غير الله، ولا يرفع إليه الحوائج، ولاَ يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن الله جعله سبباً لوصول بلاءٍ من بلاياه إليه على يديه؛ فعلى ذلك يخافُه، أو يرجو أن يكون الله تعالى جعلَ سببَ ما دفعه إليه على يديه، فبذلك يرجو ويطمع، فيكون ذلك من الضَّالِّين، فيكون في ذلك التعوُّذُ من جميع أنواع الذنوب، والاستهداءُ إلى كل أنواع البر.
وقوله: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
فذلك طلب المعونة من الله تعالى على قضاء جميع حوائجه ديناً ودنيا.
ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على طلب التوفيقِ لما أَمر به، والعصمة عما حذَّره عنه، وكذلك الأَمر البيّن في الخلق من طلب التوفيق، والمعونة من الله، والعصمةِ عن المنهى عنه جرت به سنة الأَخيار. والله الموفق.
ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونةَ على أَداءِ ما كلف قد أَعطى؛ إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شىء - مما به أَداءُ ما كلف - عند الله، وطلبُ ما أُعْطِي كتمانُ العطيةِ، وكتمانُ العطيةِ كفرانٌ؛ فيصير كأَنَّ الله أَمر أَن يَكْفُر نعمَهُ ويكتمها ويطلبها منه تعنتاً. وظنُّ مثله بالله كفرٌ.
ثم لا يخلو من أَن يكون عند الله ما يُطْلب لم يُعطه التمام إذاً، أَوْ ليس عندهُ فيكون طلبه استهزاءً به، إذ مَنْ طَلَب إلى آخَرَ مَا يَعْلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يُطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أَن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطى، أَوْ ليس له أَلا يعطى فكأَنه قال: اللهم لا تَجُرْ.
وَمَنْ هذا عِلْمهُ بربه فالإسلام أَولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو الله أَحدٌ بالمعونة إلا ويطمئن قلبهُ أَنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثلهُ يملك الله عند المعتزلة. ولا قوة إلا بالله.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خبر القسمة:
"الله يقول: هذا بَيْني وبينَ عبْدي نِصْفين" .
وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعاً الفزعُ إلى الله بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار غناه - جل وعلا - عنه؛ فيتضمن ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه.
ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَول لله بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبد بما فيه طلبُ معونته وقضاءُ حاجته.
ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال الله - عز وجل -:
"هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" .
وقوله: {ٱهْدِنَا}.
قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: أرْشِدْنا.
والإرشاد، والهداية واحد، بل الهدايةُ في حق التوفيق أقربُ إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم.
ثم القول بالهداية يُخرَّج على وجوهٍ ثلاثة:
أحدها: البيانُ. ومعلومٌ أن البيانَ قد تقدم من الله لا أحد يريد به ذلك لمضى ما به البيان من كتابٍ وسنةٍ، وإلى هذا تذهب المعتزلة.
والثاني: التوفيقُ له، والعصمةُ عن زيغة. وذلك معنى قوله: "اللهمَّ اهْدِنَا فيمَنْ هَدَيْتَ"، وقوله: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ} وصَفَهم إلى آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم في ذلك سواء، فثبت أَنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه.
والثالث: أَن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق؛ كأَنه قال: اخلُق لنا هدايتنا، وهو الاهتداءُ منا. وبالله التوفيق.
ثم تأويل طلب الهداية، ممن قد هداه الله يتوجه وجهين:
أحدهما: طلب الثبات على ما هداه الله، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أَحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر.
ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرءِ ضد الهدى، فيهديه مكانه أبداً فيكون له حكم الاهتداءِ؛ إذْ في كل وقت إيمانٌ منه دفع به ضده.
وعلى ذلك قوله:
{ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ... } الآية [النساء: 136] ونحو ذلك من الآيات.
وقد يحتمل أيضاً معنى الزيادةِ هذا النوعُ. وبالله التوفيق.
وأما {ٱلصِّرَاطَ} فهو الطريق والسبيل في جميع التآويل وهو قوله:
{ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي... } الآية [الأنعام: 153]، وقوله: { قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ } [يوسف: 108].
ثم اختلفوا فيما يراد به:
فقال بعضهم: هو القرآن.
وقال بعضهم: هو الإيمان.
وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيِّم الذي لا اختلاف فيه، مَنْ لزِمهُ وصَلَ إلى ما ذكر. وبالله التوفيق.
وقوله: {ٱلْمُسْتَقِيمَ}.
قيل: هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأَدلة، لا يُزيله شيء، ولا ينقضُ حُجَجه كيدُ الكائدين، ولا حيلُ المريبين.
وقيل: {ٱلْمُسْتَقِيمَ} الذي يستقيم بمن تمسك به حتى يُنجيه، ويدخله الجنة.
وقيل: {ٱلْمُسْتَقِيمَ} بمعنَى: يُستقامُ به؛ كقوله:
{ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } [النمل:86]، أي: يُبْصَرُ به. يدل عليه قوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ... } الآية [فصلت: 30]، فالمستقيم هو المتبع له. وبالله التوفيق.
ثم ذكر من ذكر من المُنعَم عليهم؛ ولله على كل مؤمن نعَمٌ بالهداية.
وما ذكر دليل على أن "الصراط" هو الدين؛ لأَنه أنعم به على جميع المؤمنين.
لكن تأْويل من يردُّ إلى الخُصوص يتوجه وجهين:
أحدهما: أنه أَنعم عليهم بمعرفة الكتب والبراهين، فيكون على التأْويل الثاني من القرآن والأدلة.
والثاني: أن يكون لهم خصوص في الدين قُدِّموا به على جميع المؤمنين؛ كقول داود، وسليمان:
{ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [النمل: 15]، وعلى هذا الوجه يكون {ٱهْدِنَا}.
ووجه آخر: وهو المخصوص الذي خص به كثيراً من المؤمنين من بين غيرهم، لكن الثُّنْيَا يدل على صرف الإرادة إلى جملة المؤمنين؛ إذ انصرف إلى غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وقولَهُ: {صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}.
على قول المعتزلة: ليس لله على أحد من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمة من الله على أحد إلا الأَصلح في الدين والبيان للسبيل المرضي، وتلك قد كانت على جميع الكفرة فيبطل على قولهم الثُّنْيَا. والله الموفق.
ثم اختلف فى {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}.
منهم من قال: هو واحد؛ إذ كل ضال قد استحق الغضب عليه، وكل مغضوب عليه استحق الوصف بالضلال.
ومنهم من قال: {ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم} هم اليهود، وإنما خصوا بهذا: بما كان منهم من فضل تمرد وعُتُو لم يكن ذلك من النصارى نحو إنكارهم بعيسى، وقصدهم قتله مما لم يكن ذلك من النصارى.
ثم قولهم في الله:
{ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ... } الآية [المائدة: 64]. قولهم: { لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ... } الآية [آل عمران: 181]. وقول الله تعالى فيهم: { لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ... } الآية [المائدة: 82].
وكفرِهم برسول الله صلى الله عليهم وسلم بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهم، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال. وبالله التوفيق.
وفي هذا وجه آخر: أَن يُحْمل الذنوب على وجهين:
منها ما يوجب الغضب: وهو الكفر - ومنها ما يوجب اسم الضلال - وهو ما دونه - كقول موسى:
{ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ } [الشعراء: 20].
ورؤية الهداية لأَهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته وغضبه - وبالله النجاة والخلاص - مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذْ قال: "قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين" ثم صَيَّر آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أَنَّه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده.
فأَنَّى يحتمل ذلك بعد أمره العبدَ بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع لُؤمه وجفائه، والله بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟!
لا يكون هذا أَلبتة، وقد قال:
{ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60] وغير ذلك مما فيه الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد.
ثم قد جعلت - بما جاء من الحديث في تلاوتها - أن قدمها على التوراة، والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاءً من أَنواع الأدواء للدين، والنفس، والدنيا، وجعلها معاذاً من كل ضلال، وملجأً إلى كل نعمة. وبالله نستعين.
مع ما أَوضح - في الأَسماء التي لقب بها فاتحة القرآنَ - عظيمَ موقعه، وجليلَ قدره، وهو أن سمَّاه فاتحة القرآن بما به يفتح القرآن، وكذلك روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح القراءَة به وسمى فاتحة الكتاب بما به يفتتح كتابة المصاحف والقرآن.
وسمى أُم القرآن لما يؤم غيره في القراءَة.
وقيل: الأُم بمعنى الأَصل، وهو ألا يحتمل شيء مما فيه النسخَ ولا الرفعَ فصار أصلاً.
وسمى المثاني؛ لما يثنى في الركعات، ولا قوة إلا بالله.
وفي قوله: {ٱهْدِنَا} إلى آخره وجهان سوى ما ذكرنا؛ إذ قوله: {ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} دعاء كاف عما تضمن إلى آخر السورة؛ إذ ليس فيها غير تفسير هذه الجملة.
أحدهما: تذكير نعم الله على الذين يقبلون دينه في قلوبهم، والتوفيق لهم بذلك، وأفضاله عليهم بما ليس لهم عليه.
والثاني: تعوذهم عن زيغ ومقت، وضلال، وذنب، والتجاؤم إليه في ذلك بقوله: {غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ}.