التفاسير

< >
عرض

وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ
٢٢
فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
٢٣
-يونس

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا}: قال أهل التأويل: {أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ} يعني: أهل مكة إذا أصابهم سعة وفرح ونجاة مما يخافون عادوا إلى ما كانوا من التكذيب وعبادة الأصنام، ولكن أهل مكة وغيرهم أنهم إذا أيسوا عما يعبدون من الأصنام والأوثان، فزعوا إلى الله ويخلصون له الدين؛ كقوله: { فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } الآية [العنكبوت: 65]، وقوله: { وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً... } الآية [يونس: 12]، وقوله: { وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ... } الآية [الروم: 33]، وغير ذلك من الآيات مما يكثر عددها، كانت عادتهم الفزع إلى الله عند إصابتهم الشدائد والبلايا؛ لعلمهم أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لا يدفعون عنهم ذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا}: المكر في الآيات تكذيبها وردها، فيشبه أن تكون الآية هاهنا محمدا، كان هو من أول أمره إلى آخره آية، فمكروا به لما هموا بقتله غير مرة؛ كقوله:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... } الآية [الأنفال: 30]، ويحتمل سائر الآيات والحجج مكروا فيها، أي: كذبوها وردوها.
{قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً}: المكر الأخذ من غير أن يعلم هو به، يقول: الله أسرع أخذاً يأخذكم وأنتم لا تعلمون به، ولا تقدرون أن تأخذوا رسول الله وتمكروا به إلا وهو يعلم بذلك، فهو أسرع أخذا منكم.
{إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ}: فهم الحفظة.
ويحتمل قوله: {قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً} أي: أسرع لجزاء المكر منكم، أو أسرع أخذاً من حيث لا تعلمون أنتم.
وقال بعض أهل اللغة: المكر بالآيات هو الرد والجحود لها.
وقال بعضهم: استهزاء بها؛ فهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}: اختلف فيه:
قال بعضهم: قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ} أي: هو الذي سخر لكم ما به تسيرون في البر والبحر، وهو الدواب والسفن التي يقطع بها البراري والبحار، وهو كقوله:
{ لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } [الزخرف: 13].
وقيل: قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} أي: سخر لكم البر والبحر وهما مكانا الخوف والهلاك، أي: حفظكم فيهما حتى قضيتم فيهما حوائجكم، وليس في وسع الخلق حفظ البراري والبحار عما فيهما من الأهوال، فتولى الله بفضله حفظ السائرين فيهما، حتى قضوا فيهما حوائجهم؛ وهو كقوله:
{ وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا... } [النحل: 14] إلى آخر ما ذكر من أنواع المنافع، فلولا أن الله سخر لهم ذلك وحفظهم فيه، وإلا لم يكن في وسعهم القيام بذلك وحفظ أنفسهم فيه من الأهوال التي فيه، يذكرهم نعمه ومننه التي أنعمها عليهم ليوجهوا شكر نعمه إليه.
ثم قوله: {يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} يحتمل يخلق وينشئ سيركم في البر والبحر؛ وهو كقوله:
{ وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ... } الآية [سبأ: 18]، والتقدير هو التخليق والمقدر المخلوق، ففيه دلالة خلق أفعال الخلق؛ لأن السير هو فعل الخلق أضافه إلى نفسه؛ دل أنه منشئ فعلهم، والله أعلم.
ويشبه أن يكون قوله: {هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} لم [يرد] به البر والبحر نفسه، ولكنه أراد تذكير نعمه عليهم في كل حال وكل وقت ليشكروا له في كل حال؛ وهو كقوله:
{ ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } [الروم: 41] لم يرد به البر والبحر أنفسهما، ولكن أراد المكان الذي فيه المياه والمكان الذي لا مياه فيه، أي: ظهر الفساد في الأماكن كلها؛ فعلى ذلك الأول يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم في الأماكن كلها والأحوال جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ} أي: ركبتم الفلك، {وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} أي: تجري بهم السفن بريح طيبة.
يخبر أن السفن ليست تجري في البحار بجريان الماء؛ لأن ماءها [راكد] في الظاهر، ولكن الريح هي التي تجريها وتسيرها؛ وكذلك الأمواج التي تكون فيها ليست لشدة جريان الماء، ولكن الريح هي التي تهيج [الأمواج وتزعجها لا بنفس الماء {وَفَرِحُواْ بِهَا} قيل: فرحوا بها: سروا بها. ويحتمل فرحوا بها، أي: بطروا بها وأشروا.
وقوله: {جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ}]، أخبر أن من الريح ما هي طيبة تجرى بها السفن، ومنها ما هي عاصفة قاصفة تكسر وتفرق السفن وتهلك أهلها؛ ليعلم أن الأشياء تصلح تارة وتفسد تارة لا لأنفسها، ولكن لحفظ الحدود فيها، وكذلك النار تحرق مرة وتفسد ومرة تصلح وذلك لحفظ الحدود فيها، وكذلك الماء مرة يصلح ومرة يفسد، وذلك إذا حفظ فيه الحد أصلح، وإن لم يحفظ أفسده، وإلا لا يحتمل الشيء الواحد لنفسه يصلح مرة ويفسد تارة، ولكن لحفظ الحدود فيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ} قيل: أيقنوا أنهم مهلكون، ولكن الإيقان بالشيء الذي يصيب به في حادث الأوقات إنما يكون بالخبر لأنه لا يدري لعل الله يصرف ذلك عنهم، فلا يقع به الإيقان، ولكن جعل غالب الظن فيه في كثير من الأشياء كالإيقان به ألا ترى أن الله أباح الميتة في حال الضرورة لغالب الظن؛ إذ قد يجوز ألا يهلك بذلك، وكذلك ما أبيح للمكره بالقتل أن يجري كلمة الكفر على لسانه لغالب الظن، وإلا ليس يعلم بالإحاطة أنه يقتله لا محالة، لكن جعل لغالب الظن في بعض المواضع حكم اليقين والإحاطة فعلى ذلك قولهم أيقنوا أنهم أحيط بهم لغالب الظن.
وقوله - عز وجل -: {دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ}: أنهم لما أيسوا عن الأصنام التي عبدوها في دفع ما حل بهم عنهم، فزعوا إلى الله، وأخلصوا الدعاء له، وقالوا: لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن سفههم بعودهم إلى ما كانوا من قبل، {فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}، وهكذا كانت عادتهم كانوا يفزعون إلى الله عند خوف الهلاك والإياس عن آلهتهم التي عبدوها، ويخلصون الدعاء له، فإذا كشف ذلك الكرب عنهم ودفع، عادوا إلى ما كانوا من قبل.
والبغي في الأرض هو الفساد فيها.
وقوله: {إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} يحتمل قوله: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي: بعضكم على بعض.
ويحتمل: {عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} أي: حاصل بغيكم يرجع على أنفسكم.
والبغي هو الظلم؛ فإن كان التأويل: من أنفسكم بعضكم على بعض؛ فيكون الوعيد في قوله: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ} وقوله: {ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} ما قد ذكرنا، وهو حرف وعيد، والله أعلم.