التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
١١٢
وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ
١١٣
وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ
١١٤
وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ
١١٥
-هود

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ} وقال في موضع آخر: { فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ } [الشورى: 15] قال بعضهم قوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} الاستقامة هو التوحيد؛ أي: استقم عليه حتى تأتي به ربك؛ كقوله: { إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ } [فصلت: 30] على ذلك حتى أتوا على الله به.
وقال بعضهم:
{ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ } [فصلت: 30] بما تضمن قوله: {رَبُّنَا ٱللَّهُ} لأن قوله: {رَبُّنَا ٱللَّهُ} إقرار منه له بالربوبية، فيجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويجعل في نفسه العبودية له؛ هذه هي الاستقامة التي ذكر، والله أعلم، أن يجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويأتي ما يجب [أن يؤتى، وينتهي عما يجب أن ينتهي]، ويتبع جميع أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱسْتَقِمْ} لرسول الله، يحتمل على تبليغ الرسالة إليهم.
وقوله: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ} يخرج على وجهين:
أحدهما: استقم على ما أمرت ومن آمن معك - أيضاً - يستقيم على ما أمروا.
والثاني: يقول: امض إلى ما أمرت حرف {كَمَآ} يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما على ما أمرت، وإلى ما أمرت.
وقوله: {وَمَن تَابَ مَعَكَ} من الشرك، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا وأدّوا بلسانهم {وَلاَ تَطْغَوْاْ} قال بعضهم الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وقوله: {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} هذا وعيد.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} قال الحسن: هو صلة قوله: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار.
قال الحسن: بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة.
الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.
{وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} في دفع العذاب عنهم، أو إحداث نفع لهم.
{ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} لا ناصر لهم دونه، ولا مانع، والله أعلم.
وتأويل قوله: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} في ظلمهم {فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ...} الآية، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسّه النار، وكأنه إنما خاطب به الأتباع؛ يقول: لا تركنوا إلى الكبراء منهم والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار.
وقال بعض أهل التأويل نزل قوله: {وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه؛ يقول: ولا تميلوا إلى أهل الشرك، ولا تلحقوا بهم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: صلاة المغرب، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث: صلاة الفجر في الطرف الأوّل، وصلاة العصر في الطرف الأخير {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} [صلاة المغرب؛ لأنه ذكر زلفاً من الليل، والزلف هي القرب منه؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة إليه؛ فيكون قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}] أي: قريباً من طرفي النهار من الليل، وهو المغرب، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله:
{ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ } [الإسراء: 78] ذكر دلوك الشمس، وهو زوال الشمس، وغسق الليل: العشاء، أو في قوله: { فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [الروم: 17-18] {حِينَ تُمْسُونَ}: صلاة العصر، {وَحِينَ تُصْبِحُونَ}: صلاة الفجر {وَعَشِيّاً}: صلاة العشاء {وَحِينَ تُظْهِرُونَ}: صلاة الظهر، وليس لصلاة المغرب ذكر في الآية، لكنها ذكرت في قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}.
وقال بعضهم: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: هو ساعات الليل، إلا أن بعض أهل التأويل صرفوها إلى الصلوت الخمس، وقالوا: قوله: {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}: صلاة الصبح والظهر والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} المغرب والعشاء.
وقال الحسن: هما زلفتان من الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى ذلك جاءت الآثار في قوله {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} الحسنات هي الصلوات الخمس.
وروي
"أن رجلا أصاب من امرأة كل شيء إلا الجماع، فندم على ذلك، فأتى رسول الله، فسأله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أدري ما أرد عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله. قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت الصلاة، فلما فرغ من صلاته نزل عليه جبريل بتوبته فقال: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ} غدوة وعشية، صلاة الغداة والظهر والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ} صلاة المغرب والعشاء {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ} يعني: الصلوات الخمس {يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}. {ذٰلِكَ}: يعني: الصلوات الخمس {ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} قال: توبة للتائبين، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله، أخاص له أم عام؟ قال، لا، بل عام للناس كلهم" فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك.
وعن عثمان - في بعض الأخبار - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"الصلوات الخمس الحسنات يذهبن السيئات فقالوا: فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات كفارات الخطايا، واقرءوا إن شئتم: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ}" .
وعن ابن عباس: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال: الصلوات الخمس.
وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" .
والأخبار في هذا كثيرة.
وقال بعضهم: فيه ذكر أربع صلوات، يقول: {طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ}: الفجر والعصر {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: المغرب والعشاء.
وقد جاءت الآثار في أن الحسنات هن خمس صلوات.
وقوله: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} قال بعضهم: فعل الصلوات نفسها، وهو ما ذكرنا من الأخبار إن ثبت.
وقال بعضهم: نفس الصلاة لا تكفر، ولكن تذكر ما ارتكب من الذنوب فيندم عليها؛ فذلك يكفر، وهو كقوله:
{ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ... } [العنكبوت: 45] الآية، أخبر أن الصلاة تنهى، ولا تنهى إلا بعد أن تذكر ذلك.
وقال بعضهم قوله:
{ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ } [العنكبوت: 45]؛ أي: تمنع عن الفحشاء؛ أي: ما دام فيها.
ويحتمل قوله: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ} الصلوات وغيرها من الحسنات؛ فيه إخبار أن من الحسنات [ما يكفر] شيئاً من السيئات، والله أعلم.
وقوله: {ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} {ذٰلِكَ} الذي سبق ذكره {ذِكْرَىٰ} عظة للمتعظين.
وقوله - عز وجل -: {وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} ظاهر ما ذكر من الكلام أن يقول: فإن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ لأنه ذكر الصبر بقوله:
{ ٱصْبِر } [ص: 17] لكن يحتمل قوله: {وَٱصْبِرْ} عن الشرور كلها وأحسن، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم.
أو يقول: اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات، أو تبليغ ما كلفت التبليغ إليهم.
ويحتمل وجهاً آخر: اصبر على أذاهم ولا تكافئهم [فإذا لم تكافئهم] فقد أحسنت إليهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أو يقول هو له: {إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ} والله أعلم.
قال أبو عوسجة: قوله: {وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ}: ساعات من الليل. وقال: الزلفة: المرحلة، والزلفة: القربة؛ كقوله:
{ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ } [ص: 25] أي: لقربة.
وقال أبو عبيدة: الزلف: [جمع] زلفة، وهي الساعة، وهي المنزلة [على ما قلناه].