التفاسير

< >
عرض

حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ
٤٠
وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
٤١
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ
٤٢
قَالَ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ
٤٣
-هود

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}.
قوله: {جَآءَ أَمْرُنَا} أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم:
{ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ } [الأعراف: 70]؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله؛ لما بأمره يصلي.
وقوله - عز وجل -: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ}: قال أبو عوسجة: {وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ} يقال: فار الماء أي خرج يفور فوراً، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله:
{ وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ... } [الملك: 7-8] قالوا: فار أي: خرج وظهر.
والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب.
وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله:
{ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً } [القمر: 11-12]، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها.
وقوله - عز وجل -: {قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}: يحتمل هذا وجهين:
يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل وقوله - عز وجل -: {مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ}: الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم الشفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفاً وزوجاً والذكور صنفاً وزوجاً، فيكون الذكر والأنثى زوجين، والله أعلم.
وقوله: {زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ} أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم.
ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ}: قال بعضهم: قوله: {وَأَهْلَكَ} أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضاً إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك.
وقال بعضهم: قوله: {وَأَهْلَكَ} أراد أهله خاصّة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: {وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ} أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين.
أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالماً كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ}: يذكر هذا - والله أعلم - تذكيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحاً مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن [المواعظ إنما تنفع] الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحاً - عليه السلام - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.
وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا}: يحتمل قوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا} أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا}، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال: ويذكر [اسم الله] في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.
ويحتمل قوله: {بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا} أي: بالله مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}: هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك.
وقوله - عز وجل -: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ}: هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم.
وقوله: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ}: هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [آية لهم].
وقوله - عز وجل -: {وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ}.
يحتمل قوله: {وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ} أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان.
وقوله - عز وجل -: {يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} يحتمل لا تكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله.
وقوله - عز وجل -: {سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ} أي: سأنضم إلى جبل، {يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ}: ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر عليه السلام أنه {لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [لقوله:
{ { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ... } الآية [النحل: 40]، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج] على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب.
وقوله - عز وجل -: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ} بهدايته أياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة.
وقوله: {وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ}: يحتمل قوله: {بَيْنَهُمَا} بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة.
{فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} وقوله: {فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}: يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس:
{ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ } [البقرة: 34] أنه يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل.