التفاسير

< >
عرض

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ
٦
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ
٧
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ
٨
-هود

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}: قال بعضهم: عنى بالدابة الممتحن به وهو [البشر، وأما غيره من الدواب فقد سخرها للمتحن به.
وقال قائلون: أراد كل دابة تدب على وجه الأرض من الممتحن به وغيره وتمامه: ما من دابة في الأرض] جعل قوامها وحياتها بالرزق إلا على الله إنشاء ذلك الرزق لها، ثم من الرزق ما جعله بسبب، ومنه ما جعله بغير سبب.
وقوله - عز وجل -: {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}: اختلف فيه أيضاً:
قال بعضهم: قوله: {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها الذي به قوامها وحياتها؛ وهو كقوله:
{ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ } [الذاريات: 22] أي: ينشئ ويخلق رزقنا بسبب من السماء من المطر وغيره؛ فعلى ذلك قوله: {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها.
وقيل: {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي: على الله أن يبلغ إليها رزقها وما قدر لها وما به معاشها كقوله:
{ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا... } الآية [فصلت: 10]: عليه تبليغ رزقها وما به معاشها. ثم قوله: {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا}: قال بعضهم: ما جاءها من الرزق إنما جاءها من الله لم يأتها من غيره وعلى الله بمعنى من الله وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: { إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ } [المطففين: 2] أي: من الناس؛ وهو قول مجاهد. ويحتمل قوله: {عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} أي: على الله وفاء ما وعد، وقد كان وعد أن يرزقها، فعليه وفاء وعده وإنجازه.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنه علم لما خلقها علم أنه يبقيها إلى وقت عليه تبليغ ما به تعيش إلى ذلك الوقت والأجل الذي خلقها ليبقيها إلى ذلك؛ وبعضه قريب من بعض.
وقوله - عز وجل -: {وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا}: اختلف فيه:
قال بعضهم: مستقرها بالليل، ومستودعها بالنهار في معاشها.
وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب.
وقال بعضهم: المستقر: الصلب، والمستودع: الرحم.
وقال بعضهم: المستقر: المتقلب في الدنيا، والمستودع: مثواها في الآخرة؛ كقوله:
{ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } [محمد: 19] في الدنيا وتحرككم في معاشكم { وَمَثْوَاكُمْ } [محمد: 19] أي: قراركم ومقامكم في الآخرة.
وقال بعضهم: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر.
ويشبه أن يكون هذا إخباراً عن العلم بها في كل حال في حال سكونها وفي حال حركتها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون ساكنة أو متحركة، أي: يعلم عنها كل حالها ويشبه أن يكون صلة ما تقدم وهو قوله:
{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ... } الآية [هود: 5]، يخبر أنه إذا لم يخف عليه كون كل دابة في بطن الأرض، وما تغيض به الأرحام وما استودع في الأصلاب، كيف يخفى عليه أعمالهم التي عليها العقاب ولكم بها الثواب وفيها الأمر والنهي؟! والله أعلم.
و {كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي: مبين في كتابه. قيل: في اللوح المحفوظ، ويحتمل القرآن وغيره.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}.
وقال في موضع آخر:
{ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [السجدة: 4]، وقال في موضع آخر: { قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ } [فصلت: 9]، وقال: { فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ } [فصلت: 12]، وقال: { وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } [فصلت: 10].
يجوز أن يكون جعل للأرض يومين: يوماً لوجودها ويوماً لعدمها، وكذلك السماء جعل يوماً لوجودها ويوماً لعدمها؛ كقوله:
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ... } الآية [إبراهيم: 48]؛ وكقوله: { يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ } [الأنبياء: 104] { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ } [الفرقان: 25]. وكذلك ما بينهما جعل يوماً لوجوده ويوماً لعدمه، فيكون يوم السابع يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان: يوم لوجوده، ويوم لعدمه، وقد ذكرنا شيئاً في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف.
وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا تحت الأوقات بقوله:
{ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } [الأعراف: 54] إذ الأيام عند الناس إنما هي مضي الأوقات، فإذا دخلتا تحت الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتانِ - كانا كذلك، والله أعلم، [وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن فيه، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء، أعني من البشر، وقوله:].
{وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ} إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض أهل التأويل، فتأويله - والله أعلم - كان أظهر ملكه عن الماء "على" بمعنى "عن"، وذلك جائز في اللغة؛ لأن بالماء ظهور كل شيء وبدأه؛ كقوله:
{ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } [الأنبياء: 30]، وإن كان العرش اسم السرير والكرسي على ما قاله بعض الناس، فهو عرش الملك وسريره خلقه ليكرم به أولياءه؛ ليمتحن ملائكته بحمله والخدمة له على ما يكون لملوك الأرض سرير يستخدمون خدمهم في ذلك، وهو خلق من خلائقه أضافه إليه كما تضاف الأشياء إلى الله، لكنه يضاف الأشياء إليه مرة بالإجمال مرة جملة ومرة بالإشارة والإفراد، لكن ما أضاف إليه بالإشارة فهو على تعظيم ذلك الشيء، وما أضيف إليه [من] الأشياء بالإجمال والإرسال فهو على ذكر عظمته وكبريائه، كقوله: { لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [البقرة: 107]، { خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ } [الأنعام: 1] ونحوه [فيه ذكر سلطانه وعظمته، وقوله: بيت الله { وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ } [الجن: 18] ونحوه]، وهو يخرج على ذكر تعظيم البيت والمساجد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما للممتحن لم يخلق هذه الأشياء لأنفسها إنما خلقها للممتحن فيهما؛ كقوله:
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } [الجاثية: 13]؛ لأن خلقها لأنفسها [عبث؛ لأنها مخلوقة للفناء خاصة، فكل مخلوق للفناء خاصة فهو عبث؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم. وقوله تعالى: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}.
وقوله: {وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ}: هذا القول نفسه: {إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ} ليس يقولون هذا سحر، ولكن إذا أخبرهم أنهم مبعوثون من بعد الموت، وأقام الحجج والبراهين على البعث فحينئذ قالوا لحجج البعث وبراهينه: ما هذا إلا سحر.
ويحتمل وجها: وهو أن يذكر سفههم أنهم اعتادوا نسبة كل شيء إلى السحر، حتى الأشياء التي لا تحتمل السحر وهو الإخبار؛ لأن السحر إنما يكون في تقليب الأشياء، وأما فيما يخبر عن شيء يكون فلا.
وقوله - عز وجل -: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} قيل: إلى وقت معلوم وهو البعث، ذكر {أُمَّةٍ} - والله أعلم - لأنه وقت [به ينقضي] آجال الأمم جميعاً.
{لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ} أي: كانوا يقولون: ما يحبس عنا العذاب الذي يعدنا لم تزل عادتهم استعجال العذاب استهزاء بهم.
وقوله - عز وجل -: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ}: ذلك العذاب؛ إذا جاء لا يملك أحد صرفه عنهم؛ كقوله:
{ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } [الشورى: 8]، وقوله: { وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ } [الرعد: 34] ونحوه.
وقوله: {وَحَاقَ بِهِم}: قيل: نزل بهم، وقيل: لحق بهم ما كانوا به يستهزئون جزاء استهزائهم بالرسول والكتاب.
وقوله: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} أي: لا يصرف عنهم بشفاعة من طمعوا بشفاعته؛ كقوله:
{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً * كَلاَّ } [مريم: 81-82] أي: لا يكون ردّاً على ما طمعوا ورجوا لعبادتهم.
وقوله:
{ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } [يس: 74] ونحو ذلك؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم.