التفاسير

< >
عرض

وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ
٥٨
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ
٥٩
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ
٦٠
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
٦١
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٦٢
-يوسف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ}.
لما أراد الله أن يبلغ أمر يوسف؛ فيما أراد أن يبلغ جعلهم بحيث لا يعرفونه؛ لذلك قال: {فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ} أي: لا يعرفونه؛ كقوله:
{ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } [الحجر: 62] أي: غير معروفين عند إبراهيم، والمنكر: هو الذي لا يعرف في الشرع ولا في العقل.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ}.
أي: أعطى لهم الطعام الذي طلبوا منه.
قال أبو عوسجة: الجهاز: المتاع. والجهاز - أيضاً -: متاع المرأة التي تجهز به، ولا يقال: جِهاز بخفض الجيم.
وقال أهل التأويل: إن يوسف - عليه السلام - قال لهم حين دخلوا عليه أنتم عيون؛ بعثكم ملككم تنظرون إلى أهل مصر ثم تأتونه بالخبر وتأتونه بكذا.
ذلك مما لا نعلمه أنه قد كان قال لهم ذلك أم لا، وغير ذلك من الكلمات التي قالوا: إنه قال لهم كذا وقالوا هم له كذا، نحن كذا كذا رجلا؛ فهلك منا كذا، ولنا أب كذا: مثل هذا لا يكون كلام الأنبياء إنما هو كلام بعض العوام الغوغاء. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ}.
مثل هذا لا يحتمل أن يقوله يوسف ابتداء؛ على غير سبب أو كلام كان هنالك، لكنه لم يذكر الذي كان؛ ونحن لا نعرف ما الذي كان جرى هنالك فيما بينهم.
وكذلك قوله: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}.
أمَّا أهل التأويل فإنهم قالوا: قال لهم ائتوني بأخ لكم من أبيكم إلى آخر ما ذكر؛ لأنه لما قال لهم: إنكم جئتم عيوناً لملككم؛ فأمر بحبسهم، فقالوا: نحن بنو يعقوب النبي، وكنا اثنى عشر رجلا؛ فهلك منا رجل في الغنم، ووجدنا على قميصه دماً؛ فأتينا أبانا فقلنا: كذا، وقد خلفنا عند أبينا أخاً له؛ من أم الذي هلك؛ فعند ذلك قال [لهم]: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ} لكن هذا الذي ذكروا لا يكون سبباً ولا جواباً له، وقد ذكرنا أنه لا يصح هذا الكلام مبتدأ، لكنا نعلم بالعقل أنه كان هنالك سبب، ومعنى أمر يوسف أن يقول لهم ذلك، وإلا لا يحتمل أن يقول لهم يوسف: {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} وهو كان يعلم أن أباه يعقوب يحتاج إلى طعام، ويعرف حاجتهم في ذلك - هذا لا يسع إلا بسبب كان؛ فأمر يوسف بذلك.
وقوله: {فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ} فيما يستقبل؛ أي: لا تأتوني. والله أعلم.
ويحتمل قوله: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} وجهين:
أحدهما: قال ذلك لهم؛ إنه يوفي لهم الكيل؛ لأن أهل ذلك المكان كانوا ينقصون ويخسرون الكيل في الضيق؛ فقال هو: ألا ترون أني أوفي الكيل ولا أبخس.
والثاني: ألا ترى أني أوفي الكيل على غير الحاجة؛ وكان يجعل لغيرهم الطعام على الحاجة؛ لضيق الطعام.
إني أوفي الكيل على قدر الحاجة وأنا خير المنزلين في الإحسان إليكم والتوسيع عليكم؛ لأن أهل ذلك المكان لا يحسنون إلى النازلين بهم، ولا يوسعون [عليهم]؛ لضيق الطعام. وكأن قوله: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} مؤخر عن قوله: {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}؛ كأن قال: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} {فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ}؛ فعند ذلك قال: {أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ} والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}.
هذا الكلام في الظاهر ليس هو جواب قول يوسف؛ حيث قال: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} وجوابه أن يقولوا له: نأتي به أو لا نأتي، فأما أن يجعل قولهم: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} جواباً له؛ فلا يحتمل مع ما أن في قلوبهم سنراود عنه اضطراب؛ يملكون أو لا يملكون.
قولهم: {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ}.
على القطع؛ لكن يشبه أن يخرج على وجهين:
أحدهما: على الإضمار؛ سنراود عنه أباه فإن أذن له وإنا لفاعلون ذلك.
أو على التقديم والتأخير يكون جواب قوله: {ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ} في قولهم: {وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} كأنه لما قال لهم يوسف: ائتوني بأخ لكم من أبيكم قالوا إنا لفاعلون، ثم قالوا فيما بينهم: سنراود عنه أباه.
على هذين الوجهين يشبه أن يخرج والله أعلم.
وقوله: {سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ}.
قال أبو عوسجة: المراودة: الممارسة، وهي شبه المخادعة، وهي المعالجة. وقيل: سنراود: أي سنجهد وسنطلب.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ} لفتيته.
الفتية: الخدم؛ والفتيان: المماليك.
{ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ}.
قيل: اجعلوا دراهمهم في أوعيتهم، فيه دلالة أن الهبة قد تصح - وإن لم يصرح بها - إذا وقع في يدي الموهوب له وقبضه - وإن لم يعلم هو بذلك - وقتما جعل له؛ لأن يوسف جعل بضاعتهم في رحالهم؛ هبة لهم منه؛ وهم لم يعلموا بذلك، وهو وقتما جعل [ذلك لهم] مِلك ليوسف؛ ولهذا قال أصحابنا: إن من وضع ماله في طريق من طرق المسلمين؛ ليكون ذلك ملكاً لمن رفعه كان ما فعل. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: يرجعون؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة لما عسى يقع عندهم أن واحداً منا جعل هذا في متاعنا وأوعيتنا سرّاً منهم ففعل يوسف هذا؛ ليرجعوا؛ مخافة أن يعرفوا بالسرقة.
والثاني: ما قاله أهل التأويل: لما تخوف يوسف ألا يكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرة أخرى فجعل دراهمهم في أوعيتهم؛ لكي يرجعوا إلينا؛ فلا يحبسهم عنا عدم الدراهم؛ لأنهم كانوا أهل ماشية.