التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ
٧
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨
ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ
٩
قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
١٠
-يوسف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ} الآية.
آية للسائل إذا كان السائل مسترشداَ، وكذلك القرآن كله، هو حجة وآية للمسترشد، وأما المتعنت فهو آية عليه.
ثم يحتمل قوله: {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ}: السائلين الذين سألوا؛ على ما ذكر في بعض القصة أن اليهود سألوا النبي عن أمر يوسف ونبئه، فأخبرهم بالحق في ذلك على ما كان، فهو آية لهم إن ثبت ذلك.
ويحتمل قوله: {آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ}: السائلين الذين يسألون من بعد إلى آخر الدهر عن نبأ يوسف، كل من سأل عن خبره ونبئه فهو آية لهم.
ثم وجه جعله آية يحتمل وجوهاً:
أحدها: أنه جعل قصة يوسف ونبأه [سورة، وتلك السورة هي آيات الكتاب؛ على ما ذكر: {تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ}؛ جعل قصة يوسف ونبأه] آيات من الكتاب.
ويحتمل - أيضاً - أنه جعل آية؛ أي: حجة لنبوة رسوله ورسالته؛ لأن قصته ونبأه كان في كتبهم بغير لسانه من غير ترجمة أحد منهم ولا تعليم، ثم أخبرهم على ما كان في كتبهم من غير زيادة ولا نقصان دل أنه أنما علمه بالله - تعالى - لا أنه أخذه من كتبهم، وهو ما ذكر في القصة
"أن اليهود سمعوا النبي يقرأ سورة يوسف، فقالوا: يا محمد، من علمكها؟ قال: الله علمنيها فعجبوا من قراءته إياها على ما كانت في كتبهم؛ دل أنه إنما عرفها بالله تعالى" .
ثم يحتمل أن يكون آية لمن سأل عن حجة رسالته، أو هو آية لمن سأل عنها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}.
في الآية دلالة أن لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالعطف عليه والميل إليه، إذا كان فيه معنى ليس ذلك في غيره؛ ولهذا قال أصحابنا: إنه لا بأس للرجل أن يخص بعض ولده بالهبة له أو الصدقة عليه إذا لم يقصد بها الجور على غيرهم من الأولاد.
ثم يحتمل تخصيص يعقوب يوسف وأخاه بالحب لهما وجوهاً:
أحدهما: لما رأى فيهما من الضعف في أنفسهما، والعجز في أبدانهما، فازدادت شفقته لهما وعطفه عليهما لذلك، وهذا مما يكون فيما بين الخلق.
أو كان ذلك منه لهما لصغرهما، وهذا - أيضاً - معروف في الناس أن الصغار من الأولاد يكونون عندهم أحب، وقلوبهم إليهم أميل، وعليهم أعطف، ولهم أرحم من الكبار منهم.
أو خصهما بذلك لفضل خصوصية كانت لهما إما من جهة الدين، أو العلم، أو غيره، أمره الله بذلك لذلك من دون غيرهما.
أو لما بشر يعقوب بنبوة يوسف، فكان يفضله على سائر أولاده، ويؤثره عليهم لذلك.
وإنما قالوا: {لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا} بآثار تظهر عندهم، وإلا حقيقة المحبة لا تعرف.
وقوله - عز وجل -: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}.
قيل: العصبة: الجماعة.
وقال بعضهم: العصبة من عشرة إلى أربعين، والعصبة: الجماعة، أي: نحن جماعة ولنا منعة؛ ولهذا قال أصحابنا: إن التسعة من الإمام تكون منعة يستوجبون ما تستوجب السرية إذا دخلت دار الحرب، فغنمت غنائم يخمس منها.
وقوله: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}.
لم يعنوا ضلال الدين؛ إنما قالوا ذلك - والله أعلم - إنا جماعة تقدر على دفع من يروم الضرر به، ويقصد قصد الشر بنفسه وماله، ونحن أولو قوة، بنا يقوم معاشه وأسبابه، فكيف يؤثر هؤلاء علينا؟! وكذلك قوله:
{ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ } [الضحى: 7]، لم يرد به ضلال الدين، ولكن وجهاً آخر، وقالوا ذلك؛ لما كانت له منافع من أنفسهم لم تكن تلك المنافع من يوسف وأخيه، وأبداً إنما يؤثر المرء حب من له منافع من قبله، لا حبّ من لا منفعة له منه، فهو فيه في ضلال مبين؛ حيث يؤثر حب من لا منفعة له منه على حب من كانت له منه منافع وأمثاله، والله أعلم.
وقولهم: {ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}.
لا يحتمل أن يكونوا عزموا على قتله، ولكن على المشاورة فيما بينهم: نفعل ذا أو ذا؛ كقوله:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ... } الآية [الأنفال: 30]، ليس على العزيمة على واحد، ولكن على المشورة فيما بينهم، يدل على ذلك قوله: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ} أنهم أرادوا أن يخلو وجه أبيهم لهم، لا قتله، إنما أرادوا غيبته عنه.
وقال بعضهم: {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}.
أي: يقبل عليكم أبوكم بوجهه.
وقال بعضهم: أي: يفرغ لكم من الشغل بيوسف.
وقوله - عز وجل -: {وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}.
يحتمل: {صَالِحِينَ}، أي: تائبين.
وقال بعضهم: تكونوا صالحين عند أبيكم من بعده.
وقال بعضهم: يصلح أمركم وحالكم عند أبيكم بعد ذهاب يوسف.
وجائز أن تكونوا قوماً صالحين في الآخرة، وقالوا: إنهم تابوا قبل أن يزلوا ويعصوا.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلْجُبِّ}.
قال أبو عوسجة: يعني: في قعر البئر، والغيابة: ما يغيبه ويواريه، والجب: البئر، والجباب جمع.
وقال أبو عبيدة: الغيابة: كل شيء غيب عنك شيئاً فهو غيابة.
وقوله - عز وجل -: {يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ ٱلسَّيَّارَةِ}.
أي: يرفعه بعض السيارة؛ ولذلك يقال للطائر: يلتقط الحبّ، ويلقط: أي: يرفع.
{إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ}: إن كنتم لا بد فاعلين أن تغيبوه عنه.
وأما قول أهل التأويل إن قوله: {لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ} قاله فلان أو فلان، فذلك مما لا نعرفه، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.
وقال أبو عوسجة: السيارة أصلها من السير، هو مثل المسافر، وهي القافلة؛ يعني: العير.
وقيل: الجب: الركية التي لم تطو بالحجارة، فإذا طويت فليس بجب.