التفاسير

< >
عرض

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ
٩
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ
١٠
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١١
وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ
١٢
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ
١٣
وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ
١٤
وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
١٥
مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ
١٦
يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
١٧
-إبراهيم

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ...} الآية.
يشبه أن يكون الخطاب لأهل الإيمان منهم، والرسل خاطبهم - عز وجل - تصبيراً [منه لهم] وتنبيهاً على تكذيب الكفرة إياهم؛ وأذاهم واستهزائهم بهم؛ فقال: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: قد أتاكم نبأ الذين من قبلكم ما فيه مزجر لكم عن مثل معاملتهم الرسول، وهو ما ذكره:
{ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ ٱلأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } [القمر: 4] إنه نزل بهم بتكذيبهم الرسل والاستهزاء بأتباعهم، يذكر هذا لهم؛ ليهون ذلك عليهم وليخف؛ لأن من علم أن له شركاً فيما بُلي به وامتحن كان ذلك [عليه أهون] وأخف من أن يكون هو المخصوص به.
ويحتمل أن يكون الخطاب لأهل الكفر منهم؛ يقول: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي: قد أتاكم خبر الذين من قبلكم؛ [أنه ماذا أنزل بهم بتكذيبهم الرسل واستهزائهم بأتباعهم؛ فينزل بكم] ما نزل بهم؛ لأن الذي أنزل ذلك عليهم حي قادر على إنزال مثله؛ فيخرج ذلك مخرج [التوقيح و] التوبيخ والتعيير والوعيد؛ ليحذروا عن صنيع أولئك. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}.
فيه دلالة أن تكلف معرفة الأنساب وحفظها إلى آدم شغل وتكلف؛ لأنه أخبر أن فيهم من لا يعلمه إلا الله وروي في الخبر أنه كان ينسب إلى مُضَر، ولا ينسب إلى أكثر من ذلك.
قال أبو بكر الأصم: قوله: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ} [يكذب من ادعى معرفة الأنساب المتقدمة؛ لأنه قال: {لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ}] وقد أخبر أيضاً أنه لم يقصّ عليه خبر الكل بقوله:
{ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } [غافر: 78] فمن البعيد أن يتكلف تعرف ما لم يقصّ على رسوله والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ}.
قيل: البينات: بينات على وحدانية الله وألوهيته، ويحتمل الحجج التي أتوا بها الرسل على إثبات الرسالة والنبوة.
وقال بعضهم: البينات: ما يتّقون، وما يأتون، وما يحل عليهم وما يحرم.
وقوله - عز وجل -: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ}.
يحتمل أن يكون هذا على التمثيل والكناية عن التكذيب وترك الإجابة؛ لأن رد الأيدي في أفواههم يمنعهم عن التصديق؛ كقوله:
{ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ... } الآية [الرعد: 14] إذا ترك إجابته، وقوله: { يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 149] وأمثاله.
ويشبه أن يكون على تحقيق جعل الأيدي في أفواههم، ثم يخرج على وجهين:
أحدهما: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ}: في أفواه الرسل: فيقولون إنكم كذبة.
ويحتمل: ردّ الأيدي في أفواه أنفسهم يصوتون ويستهزئون بهم وبأتباعهم؛ كقوله:
{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ... } الآية [الأنفال: 35] وقد ذكرنا معناه في موضعه؛ فعلى ذلك [هذا يحتمل ذلك،] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالُوۤاْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ...} الآية.
[وقد ذكرنا معناه]؛ يحتمل قوله: {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} التوحيد؛ لأنهم أرسلوا بالدعاء إلى توحيد الله والعبادة له، يدل على ذلك قولهم: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} وقول الرسل {أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ...} الآية.
ويحتمل قوله: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} من إثبات الرسالة، وإقامة الحجة عليها، {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} من التصديق بالرسالة والنبوة.
{مُرِيبٍ}: هذا يدل أنهم كانوا على شكّ مما يعبدون من الأوثان والأصنام؛ لأنهم لو كان لهم بيان في ذلك وحجة ودعاء إليه؛ لكانوا لا يقولون: {وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ} ولكن كانوا يقطعون فيه القول؛ فدل أنهم كانوا [على شك وريب]؛ في عبادتهم الأصنام والأوثان التي عبدوها.
ثم الشك والريب؛ قال بعضهم: هما سواء، وقال بعضهم: الشك: هو الشك المعروف، والريب: هو النهاية في الشك.
وقال بعض أهل التأويل في قوله - تعالى -: {فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ}: أي: عضوا على أصابعهم غيظاً على ما دعوا.
وقال بعضهم: ردوا عليهم قولهم أو كذبوهم، وهو ما ذكرنا بدءاً؛ وقال: ردوا عليهم بأفواههم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي ٱللَّهِ}.
أي: أفي ألوهية الله شك؛ أو في عبادة الله شك؟ أي: ليس في ألوهيته ولا في عبادته شك [إذ تقرون أنتم أنه إله وأنه معبود، وكذلك أقر آباؤكم أنه إله وأنه معبود، فليس في ألوهيته ولا في عبادته شك]؛ إنما كان الشك في عبادة من تعبدون دونه، من الأوثان والأصنام وألوهيتها؛ لأن آباءكم أقروا بألوهية الله وأنه معبود، حيث قالوا:
{ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ } [الزمر: 3] وقالوا: { هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } [يونس: 18] وأقروا أنه خالق السماوات الأرض، وفاطر جميع ما فيهما بقولهم: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } [لقمان: 25] وإن الأصنام التي عبدوها لم تخلق شيئاً؛ فليس في الله شك عندكم إنما الشك فيما تعبدون دونه؛ أو في وحدانية الله.
أو يقول: أفي الله شك أنه معبود؛ أي: ليس في الله شك أنه لم يزل معبوداً إنما الشك في الأصنام التي قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأما في الله فلا شك أنه لم يزل معبوداً فاطر السماوات والأرض.
يشبه أن يكون على الإضمار؛ أي: أفي الله شك وقد تقرون أنه فاطر السماوات والأرض؛ وتعلمون أنه خالقهما.
ويحتمل أن يكون على الاحتجاج؛ أي: أفي الله شك وهو فاطر السماوات والأرض؟! أي: تعلمون أنه فاطر السماوات والأرض وتقرون أنه خالقهما.
وقوله - عز وجل -: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}.
هذا يحتمل [وجهين: يحتمل]: ليغفر لكم ذنوبكم التي كانت لكم في حال الفترة إذا أسلمتم.
وفيه دلالة - والله أعلم -: أن المآثم التي كانت لهم في وقت الفترة - مأخوذة عليهم؛ ثم وعد لهم المغفرة إذا أسلموا.
والثاني: وعد المغفرة والتجاوز؛ لما كان منهم من الافتراء على الله؛ والقول فيه بما لا يليق به؛ إذا أسلموا وتابوا عن ذلك؛ أي: إنكم، وإن افتريتم على الله وقلتم فيه ما قلتم؛ وكذبتم رسله، فإذا أسلمتم وتبتم وصدقتم رسله - غفر لكم ذلك كله وفيه ذكر لطفه وحسن معاملته خلقه.
ويحتمل أيضاً قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىۤ أَجَلٍ مُّسَـمًّـى} جواب ما قالوا:
{ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ } [القصص: 57].
[ويحتمل أيضاً قوله: {يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ}] يقول إذا أسلمتم وتبتم لا تتخطفون؛ ولكن تبلغون إلى آجالكم المسماة ويؤخركم إلى أجل مسمّى.
يتعلق المعتزلة بظاهر هذه الآية أن لكل إنسان أجلين: أجل في حال إذا كان فعل فعل كذا، وأجل في حال إذا فعل كذا؛ لكن جعل الأجلين إنما يكون بجهل في العواقب ممن يجهل العواقب، فأمّا الله سبحانه وتعالى فهو عالم بما كان ويكون؛ فلا يحتمل أن يجعل له أجلين؛ وهو عالم بما يكون؛ فإنما جعله أجله بالذي علم أنه يكون منه؛ في الوقت الذي جعله، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: {قَالُوۤاْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا}.
في قولهم تناقض من وجهين:
أحدهما: أنهم تركوا طاعة رسلهم واتباعهم؛ لأنهم بشر مثلهم؛ [ثم أطاعوا آباءهم واتبعوهم في عبادة الأصنام، وهم بشر مثلهم] حيث قالوا: {تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا} فذلك تناقض في القول.
والثاني: أنهم لم يروا الرسل متبوعين؛ [لأنهم] بشر ثم لا يخلو هم بأنفسهم من أن يكونوا متبوعين استتبعوا غيرهم دونهم، أو كانوا أتباعاً لغيرهم؛ حيث قالوا:
{ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ } [الزخرف: 23] فذلك تناقض في القول.
{فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}.
سألوا الحجة على ما دعوا إليه من ألوهية الله تعالى وربوبيته، أو على ما ادعوا من الرسالة من الله، وفي كل شيء وقع عليه بصرهم دلالة وحدانية الله وألوهيته، لكنهم سألوا ذلك سؤال تعنت وعناد، وكذلك قد أقاموا الحجج على ما ادعوا من الرسالة؛ لكنهم تعاندوا وكابروا في ردّ ذلك فسألوا سؤال آية وحجة؛ تضطرهم وتقهرهم على ذلك، أو يكون عند إتيانها هلاكهم؛ فأجابهم الرسل فقالوا: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: ما كان لنا أن نأتيكم بآية تكون بهم هلاككم؛ إنما ذلك إلى الله: إن شاء فعل؛ وإن شاء لم يفعل.
وقوله: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}.
أي: ما نحن إلا بشر مثلكم؛ [ولكن الله يمن على من يشاء، في دلالة] رد قول الباطنية؛ لأنهم ينكرون كون الرسالة في جوهر البشرية؛ ويقولون: إنما تكون الرسالة في جوهر الروحانية؛ فهم - صلوات الله عليهم وسلامه - إنما أجابوا قومهم؛ حيث قالوا لهم: ما أنتم إلا بشر مثلنا؛ وقولهم: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} لم يذكروا شيئاً سوى البشرية؛ فدل أن قول الباطنية باطل؛ حيث قالوا: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}.
{وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}.
فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يختص أحداً بالرسالة؛ إلا من كان منه ما يستحق به الرسالة؛ وهم صلوات الله عليهم؛ لم يذكروا سوى منة الله عليهم، دل أنه يمن عليهم ويختصهم؛ لا بشيء [من الاستحقاق و] يكون منهم من الأعمال؛ ولكن بالمنة والفضل منه عليهم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}.
هو ما ذكرنا: الإذن موضوعه الإباحة، هو مقابل الحجر؛ لكن الإذن المذكور في القرآن ليس كله على وجه واحد؛ ولكن يتجه في كل موضع ويحتمل على ما يليق به، قال الله تعالى:
{ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } [البقرة: 251] أي: بنصر الله؛ لأن الهزيمة هي موضع النصر؛ تحمل عليه، وقال: { وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 49] أي: بإنشاء الله؛ [فعلى ذلك الإذن هاهنا؛ حيث قال: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} أي: بإنشاء الله] السلطان وإجرائه على أيدينا.
ويحمل الإذن المذكور في القرآن على ما يصلح ويليق بما تقدم ذكره.
ويحتمل الإذن هاهنا الأمر؛ أي: بأمر الله نأتي أي: إن أمرنا الله بذلك نأتي به.
وقوله - عز وجل -: {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}.
يشبه أن يكون ذكر هذا على إثر وعيد وأذى كان منهم إليهم؛ فقالوا: على الله يتكل ويعتمد المؤمنون في دفع وعيدكم وأذاكم.
وقوله: {وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} هذا يخرج على وجهين:
أحدهما: على الأمر؛ أي: على الله توكلوا أيّها المؤمنون؛ في جميع ما يتوعدكم أهل الكفر؛ وفي جميع أموركم.
ويحتمل على الإخبار عن صنيع المؤمنين أنهم إنما يتوكلون على الله، [وبه يعتمدون] في جميع أمورهم؛ ومنه يرون كل خير وبرّ، لا بالأسباب التي لهم ولا يرون منها. وأما أهل الكفر فإنما يتوكلون ويعتمدون بالأسباب؛ ومنها يرون كل سعة وخير. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ}.
كأن هذا يخرج على إثر جواب منهم؛ لما قال الرسل: {وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ} فأجابوهم بحرف؛ فعند ذلك قال الرسل: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} لكنه لم يذكر ما كان منهم؛ ولكن ذكر جواب الرسل لهم: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} قال بعضهم: وقد بين لنا سلوك سبلنا.
وعندنا قوله: {وَقَدْ هَدَانَا} أي: وفق لنا السلوك في السبل التي علينا أن نسلكها؛ وأكرم لنا ذلك؛ أي: ما لنا ألا نتوكل عليه في النصر والظفر عليكم؛ وقد وفقنا وأكرمنا السلوك في السبل التي علينا سلوكها، وذلك أعسر من القيام للأعداء والنصر بهم؛ وقد أكرمنا ما هو أعسر وأعظم؛ فإن ينصرنا أولى. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا}.
يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمروا بالقيام لهم والاستنصار منهم؛ أمروا بالصبر على أذاهم؛ فقالوا: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ آذَيْتُمُونَا}.
ويشبه أن يكون قوله: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} أنهم قالوا ذلك؛ لما كان أهل الكفر في كثرة؛ وكان أهل الإسلام وأتباع الرسل في قلة؛ يستقلون أهل الإسلام ويعاتبون على ذلك؛ فقالوا عند ذلك: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} بالنصر على أعدائنا؛ والغلبة عليهم، وقد أكرمنا بما ذكر.
وقوله - عز وجل -: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ} كأنه يخرج على الأمر؛ أي: على الله فتوكلوا؛ لا تتوكلوا [على] غيره.
ويشبه أن يكون على الخبر؛ أي: لا يتوكل المؤمن إلا على الله؛ لا يتوكل على غيره؛ كقول الرسول حيث قال:
{ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ... } الآية [هود: 56] وهو قول هود، وقول المؤمنين: { عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا... } الآية [الأعراف: 89] ونحوه.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ}.
الإخراج يحتمل وجوهاً ثلاثة:
أحدها: على حقيقة الإخراج من البلد إلى غيره من البلدان والأرضين.
ويحتمل الإخراج: الحبس {لَنُخْرِجَنَّـكُمْ}؛ أي: لنحبسنكم عن [الانتفاع بالبلد] وبأهله وبما فيه، ويحتمل الإخراج: القتل؛ أي: نقتلنكم؛ وقد كان أهل الكفر يوعدون ويخوفون الرسل وأتباعهم بهذه الثلاثة؛ كقوله:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ... } الآية [الأنفال: 30] ونحوه.
ثم في وعيدهم الذي أوعدوا الرسل وجوهاً ثلاثة حيث تجاسروا إقبال الرسل بمثل هذا الوعيد ومع الرسل آيات وحجج:
أحدها: أنهم رأوا أنفسهم مسلّطين على أولئك؛ قاهرين عليهم؛ وكانوا أهل كبر وتجبر؛ ألا ترى أنه قال: {وَٱسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15] دل هذا أنهم كانوا رأوا أنفسهم - كما ذكرنا - أهل تسليط وتجبر.
والثاني: قالوا ذلك لهم؛ لما لم يكن عندهم ما يدفعون حجج الرسل وبراهينهم؛ فهمُّوا قتلهم وإخراجهم؛ لعجزهم عن دفع ما ألزمهم الرسل، وهكذا الأمر المتعارف بين الخلق: أن الخصم لا يقصد إهلاك خصمه؛ ما دام له الوصول إلى الحجاج؛ فإذا عجز عن ذلك فعند ذلك يهمّ بقتله ويقصد إهلاكه.
والثالث: جواب الرسل إياهم عند القول إليه بالقول الذي ليس فوقه أحسن منه.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا}.
الملة: الدين؛ كقوله [صلى الله عليه وسلم]:
"لا يتوارث أهل الملتين" وقوله [تعالى]: { مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً } [النحل: 123] أي: دين إبراهيم.
وقوله: {لَتَعُودُنَّ} ليس أنهم كانوا فيها وتركوها؛ ولكن على ابتداء الدخول فيها على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّالِمِينَ}.
وعد لهم النصر؛ والظفر عليهم؛ والتمكين في أرضهم مع قلة [عدد] أتباع الرسل وضعف أبدانهم؛ ومع كثرة الأعداء وقوة أبدانهم؛ ليعلموا أنهم قالوا ذلك بوحي من الله؛ ووعده إياهم؛ لا من حيث أنفسهم، والله أعلم. فكان على ما أخبروا؛ فكان ذلك من آيات رسالتهم، وما ينبغي لهم أن يطلبوا [لهم] من الرسل الآيات والحجج على ما ادعوا؛ لأنهم لم يدعوهم إلى طاعة أنفسهم أو عبادتها؛ إنما دعوهم إلى وحدانية الله تعالى وألوهيته، وجعل الطاعة والعبادة له دون ما عبدوها من الأصنام، وذلك في شهادة خلقتهم؛ وشهادة كل خلقة؛ وإن لطف وصغر؛ فلم يحتاجوا إلى أن يقيموا البراهين والحجج على ما ادعوا ودعوهم إليه؛ لكنهم كانوا قوماً معاندين مكابرين لا يقبلون قولهم ولا يصدقونهم؛ تعنتاً منهم وتكبُّراً، لم ينظروا في خلق الله ليدركوا آثار وحدانيته وألوهيته؛ فكلفوا إقامة الحجج والآيات؛ لئلا يكون لهم مقال واحتجاج، وإن لم يكن لهم الاحتجاج. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي...} الآية.
قوله - تعالى - ذلك يحتمل وجوهاً؛ لأنه قد سبق خصال ثلاث؛ ما يحتمل رجوع هذا الحرف إلى كل واحد من ذلك.
أحدها: قوله: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} فيحتمل قوله ذلك: المن والفضل لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضاً قوله: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ} أي: ذلك الهدى والسبل التي هدانا إليها؛ أي: ذلك الهدى والهداية لمن خاف مقامي وخاف وعيد. وسبق أيضاً: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ...} الآية أي: ذلك النصر والظفر بهم والتمكين في الأرض لمن خاف [مقامي وخاف] وعيد.
ثم قوله: {ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} قال بعضهم: خاف مقامي في الدنيا والآخرة، وتأويله - والله أعلم - أي: خاف سلطاني ونقمتي وعذابي في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا لما نزل بمكذبي رسله وأنبيائه، وخاف وعيده وعذابه في الآخرة حيث وعد أنه يحل بهم بالتكذيب وترك الإجابة.
وقال بعضهم: خاف مقامي في الآخرة؛ وهو كقوله:
{ يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [المطففين: 6] يخاف ذلك المقام، وخاف ما وعد من العذاب في النار.
ثم قوله: {مَقَامِي} حيث أضاف إليه، ليس في الاشتباه بأقل من قوله:
{ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [الأعراف: 54]؛ وأقل من قوله: { وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ } [الفجر: 22] وقوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ... } الآية [البقرة: 210] وأمثاله؛ فكيف اشتبه هذا على [أهل] التشبيه؛ ولم يشتبه قوله: {مَقَامِي}؛ حيث سألوا في ذلك؛ ولم يسألوا في هذا؛ وهذا إن لم يكن أكثر في الاشتباه؛ فليس بأقل، والأصل في هذا وأمثاله؛ من قوله: { إِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ } [غافر: 3] { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } [الأنعام: 60] { وَإِلَيْهِ مَآبِ } [الرعد: 36] و { مَتَابِ } [الرعد: 30] ذكر هذا؛ وإن كان الخلائق جميعاً في الدارين جميعاً - يكون مصيرهم ومرجعهم إليه؛ لأنه - جل وعلا - لم يخلقهم للمقام في الدنيا والدوام فيها؛ إنما خلقهم للزوال عنها والفناء، والمقام في الآخرة والدوام فيها؛ لكن خلقهم في هذه الدنيا - ليمتحنهم ويبتلون فيها؛ ثم يصيرون إلى دار المقام، فالآخرة هي المقصودة في خلقهم في الدنيا؛ لا الدنيا؛ فإذا كان كذلك أضاف المصير إلى نفسه، لما هو المقصود في خلقهم؛ وإن كانوا في الدنيا والآخرة صائرين إليه، غير غائبين عنه طرفة عين؛ ولا فائتين، وبالله النجاة.
ذكر الله - عز وجل - أنباء الرسل الماضية وأتباعهم؛ وأنباء أعدائهم؛ وما عامل بعضهم بعضاً، وما نزل بالأعداء - بما عاملوا رسلهم - من العذاب والاستئصال وأنواع البلايا، وما أكرم رسله وأتباعهم وأولياءهم من النصر على أعدائهم؛ والظفر بهم، والتمكين في الأرض، وجعل ذلك كله كتاباً بالحكمة؛ يتلى ليعلم؛ [أن كيف] يعامل الأعداء والأولياء؛ وليرغب فيما استوجب الأولياء من الكرامات وليحذروا عن مثل صنيع الأعداء؛ وليعلموا أن كيف عامل الله رسله وأولياءه، وكيف عامل الرسل ربَّهم، أضاف الرسل جميع ما نالوا من الخيرات والكرامات إلى الله؛ كأن لا صنع لهم في ذلك؛ حيث قالوا: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ}، ذكر قوله: {إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ} ليعلم أن الخير ليس يكون بالجوهر؛ ولكن بفضل من الله تعالى وبرحمته، وقوله - عز وجل -: {وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} وأمثاله، أضافوا ذلك إليه؛ كأنهم لا صنع لهم في ذلك.
وذكر الله - عز وجل - ما أكرم أولياءه ورسله؛ من النصر والتمكين والإنزال في الديار، كأنهم استوجبوا ذلك بفعلٍ كان منهم؛ وهو قوله: {ذٰلِكَ} أي: ذلك النصر والتمكين، وما ذكرنا من الوجوه {لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} ذكر أنهم استوجبوا ذلك، لا أن كان، {ذٰلِكَ} من الله بحق إفضاله وامتنانه؛ ليعلموا معاملة الله رسله وأولياءه، ومعاملة الرسل والأولياء لسيدهم ومولاهم. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱسْتَفْتَحُواْ}.
يحتمل وجهين:
أحدهما: الاستنصار؛ استنصروا الله على أعدائهم؛ كقوله:
{ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } [البقرة: 89] أي: يستنصرون.
والثاني: {وَٱسْتَفْتَحُواْ} أي: تحاكموا إلى الله في النصر للأحق منهم؛ والأقرب إلى الحق؛ كقوله:
{ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا... } الآية [الأعراف: 89] وهو التحاكم إليه.
وقوله - عز وجل -: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ}.
هو ما ذكرنا: تحاكموا إلى الله؛ فنصر أولياءه، وأهلك أعداءه، على ما ذكر أن أبا جهل قال: اللهم دينك القويم وأياديك الحسنة، أيّنا كان أحبّ إليك وأقرب إلى الحق - فانصره؛ فنصر المؤمنين وأهلك الأعداء.
وقوله: {وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} أي: تجبر على رسله وأوليائه، والعنيد: قيل: المعرض المجانب عن الحق والطاعة.
وقال بعضهم: الجبار: القاتل على الغضب والضارب على الغضب؛ وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ} أي: من وراء عذاب الدنيا لهم عذاب جهنم.
[و] قوله: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ}: الوراء: قد يستعمل في أمام وخلف؛ أي: من أمام ما حلّ بهم جهنم، ويحتمل: وراء ما أصابهم؛ ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ}.
أى: يسقى في جهنم صديداً مكان ما يسقون في الدنيا؛ وهو الذي يسيل من القروح [والجروح]، جعل الله للكافرين في الآخرة مكاناً بما كان لهم في الدنيا؛ لباساً وشراباً وطعاماً؛ ما كانت تكرهه أنفسهم، جعل مكان ما يسقون في الدنيا من الماء - في النار: الصديد والغسلين والحميم، ومكان الطعام في الدنيا - في النار: الزقوم والضريع، ومكان اللباس: القطران ونحوه، ومكان القرين والصديق في الدنيا: يجعل قرينه الشيطان، كقوله:
{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف: 36] إذ ذلك كله يمنعهم عن دين الله؛ ويصدهم عن ذكره، ليكون جزاؤهم من نوع ما كان يمنعهم في الدنيا عن طاعته.
ثم قال بعضهم: إن الصديد الذي يسقون: هو أن النار تجرحهم وتقرحهم؛ فيسيل - من ذلك - الصديدُ؛ فيسقون من ذلك.
وقال بعضهم: لا؛ ولكن يجعل شرابهم فيها صديداً؛ كشراب أهل الجنة وطعامهم من غير أصل.
وقوله: {وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} ويحتمل: يسقى من ماء في ظنهم ماء؛ وهو في الحقيقة صديد. ويحتمل أن يكون في الحقيقة والظاهر صديداً؛ لكن يشربون؛ رجاء أن يدفع عطشهم.
وقوله - عز وجل -: {يَتَجَرَّعُهُ}.
قال أبو عوسجة: التجرع: ما يشربه مكرهاً عليه.
{وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ}.
يقال: أسغته: أي: أدخلته في الحلْق؛ يقال: أسغته [فساغ، أي: دخل سهلاً من غير أن يؤذيه، وكذلك قيل في قوله:
{ سَآئِغٌ شَرَابُهُ } [فاطر: 12] أي: سهل في الحلق] وساغ في حلقه؛ إذا دخل دخولا سهلا لا يؤذيه.
وقوله - عز وجل -: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ}.
قال قائلون: يأتيهم الغمّ والهم من كل مكان، وكذلك المتعارف في الخلق: إذا اشتد بهم الغم والهم والشدة، يقال: كأنك ميت؛ أو تموت غمّاً.
وقال بعضهم: {وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ} أي: أسباب الموت؛ ما لو كان من قضائه الموت فيها - لماتوا؛ لشدة ما يحل بهم، ولكنْ قضاؤه؛ ألا يموتون فيها.
{وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} موت حقيقة يستريح من العذاب.
وقوله: {مِن كُلِّ مَكَانٍ} قال بعضهم: من كل ناحية من فوق؛ ومن تحت؛ [ومن خلف] ومن قدام؛ كقوله:
{ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } [الزمر: 16] وقال: { لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } [الأعراف: 41] أخبر أن النار تأتيهم وتأخذهم من كل جانب ومن كل جهة.
ويحتمل {مِن كُلِّ مَكَانٍ}: أي: ومن كل سبب من تلك الأسباب التي تأتيهم؛ ما لو كان قضاؤه الموت - لماتوا بكل سبب من تلك الأسباب.
وقال بعضهم: أي: ليس من موضع من جسده ومن سائر جوارحه - إلا الموت يأتيه منها؛ من شدة ما يحل بهم؛ حتى يجدوا طعم الموت وكربه.
وقوله - عز وجل -:{وَمِن وَرَآئِهِ} أي: ومن وراء ذلك العذاب - عذاب غليظ لا ينقطع ولا يفتر، وصفه بالغلظ والشدة؛ لدوامه والإياس عن انقطاعه. والله أعلم.