التفاسير

< >
عرض

وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ
٢١
وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٢
وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ
٢٣
-إبراهيم

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً}.
قال مقاتل: خرجوا إلى الله من قبورهم جميعاً، وقال: {جَمِيعاً} لأنه لا يغادر أحد إلا بعث.
ويحتمل وجوهاً أخر سوى ذلك: وهو أن قوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ}: أي: لأمر الله؛ أو لوعده الذي وعد أنهم يبعثون. أو يريد الحكم، الله يحكم في بعثهم.
{وَبَرَزُواْ}: أي: ظهروا به ووجدوا؛ فيكونون [به] موجودين ظاهرين بعد أن كانوا فائتين ذاهبين غائبين؛ أي: عندهم في الدنيا أنهم [كانوا] فائتين غائبين عن الله؛ فيومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء من أفعالهم وأحوالهم؛ وهو ما ذكرنا في قوله:
{ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِٱلْغَيْبِ } [المائدة: 94] وقوله { حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ } [محمد: 31] وأمثاله، أي: يعلمهم مجاهدين صابرين كما علمهم غير مجاهدين وغير صابرين؛ وكقوله: { عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ } [الحشر: 22] يعلمهم شهوداً كما علمهم غيباً.
فعلى ذلك قوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي: يكونون له موجودين ظاهرين والله أعلم.
وإضافة البروز إليه في الآخرة وإن كان بروزهم له في الدارين جميعاً، [وكذلك المصير] إليه والمرجع إليه والمآب ونحوه؛ فهو - والله أعلم - لما لا ينازع أحد في البروز في ذلك اليوم؛ وقد ينازعونه في الدنيا.
أو خُصّ ذلك البروز بالإضافة [إليه]؛ لما هو المقصود من إنشائه إياهم وخلقهم؛ ليس المقصود في خلقهم وإنشائهم الأول؛ ولكن الآخر؛ فخص ذلك بالإضافة إليه. والله أعلم.
وقوله: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} أي: يومئذ يعلمون أنه كان لا يخفى عليه شيء؛ وكأنهم لم يكونوا يعلمون؛ قبل ذلك.
وقوله - عز وجل -: {فَقَالَ ٱلضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ}.
قال قائلون: قوله: {فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا}: أي: دافعون عنا من عذاب الله؛ إذ كنّا لكم أتباعاً وأنتم متبوعين؛ فادفعوا عنا ذلك. لكن هذا بعيد؛ أن يطلبوا منهم دفع العذاب عنهم وقد رأوهم في العذاب؛ فلو قدروا على دفع [ذلك] عنهم؛ لدفعوا أولا عن أنفسهم؛ إلا أن يكون فيهم حيرة وعمى؛ كما كان في الدنيا، فللحيرة ما قالوا؛ كقوله:
{ وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ... } [الإسراء: 72].
والأشبه أنهم يطلبون عنهم رفع بعض العذاب عنهم، وتحمل بعض لأن مؤنة الأتباع في العرف يتحملها المتبوع؛ فيطلبون منهم رفع شيء وتحمل بعض ما حل بهم؛ وهو ما ذكر في آية أخرى:
{ فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ ٱلنَّارِ } [غافر: 47] طلبوا منهم تحمل بعض ما حلَّ بهم.
وقوله - عز وجل -: {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}.
قال بعض أهل العلم: إن الكفرة جميعاً - أتباعهم ومتبوعهم - أعلم بهداية الله من المعتزلة؛ لأنهم قالوا: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} علموا أن الله - عز وجل - لو هداهم لاهتدوا؛ ويملك هدايتهم، والمعتزلة يقولون: قد هدى الله جميع الكفرة وجميع الخلائق؛ فلم يهتدوا، وأنه لو أراد أن يهدي أحدا لم يملك، والكفرة - حيث قالوا: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} رأوا وعلموا أن الله لو هداهم لاهتدوا؛ لأنهم لو لم يهتدوا بهدايته إذا هداهم لم يعتذروا إلى أتباعهم {لَهَدَيْنَاكُمْ}، [وكذلك] قال إبليس:
{ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي } [الحجر: 39] أضاف الإغواء إليه؛ وهم يقولون: لا يُغوي الله أحداً، فإبليس [أعلم بهذا] من المعتزلة.
وقولهم: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ} أي: لو رزقنا الله الهدى وأكرمنا به لهديناكم؛ ولكن لم يرزقنا ذلك ولم يكرمنا.
وقال أبو بكر الأصم: تأويل قولهم: {لَوْ هَدَانَا ٱللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ}: لو كان الذي كنا عليه هدى لهديناكم؛ فهذا صرف ظاهر الآية عن وجهها بلا دليل؛ فلو جاز له هذا جاز لغيره صرف جميع الآيات عن ظاهرها بلا دليل مع [أن] الأتباع؛ قد علموا أن الذي كانوا عليه لم يكن هدى؛ فلا معنى لهذا.
وقوله - عز وجل -: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ}.
قال أهل التأويل: إنهم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نجزع لعل الله يرحمنا؛ فجزعوا حيناً؛ فلم يرحموا، ثم قالوا: تعالوا نصبر لعل الله يرحمنا؛ فلم يرحموا؛ فعند ذلك قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} لكن لا يحتمل أن يقولوا ذلك بعد الامتحان والاختبار، لكن كأنهم قالوا ذلك بالذي سمعوا؛ وهو قوله:
{ فَٱصْبِرُوۤاْ أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الطور: 16] ولما سمعوا ذلك عند ذلك قالوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} أي: مَنْجىً ومَخْلَص، لا يحتمل أن يقولوا: {سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} في أول أحوالهم وأمورهم، ولكن يحتمل ما ذكر أهل التأويل أنهم يقولون ذلك عند الإياس.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ}.
قال بعضهم: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ}: أي: أُدخل أهل الجنةِ الجنةَ؛ وأهل النارِ النار؛ يقوم إبليس خطيباً في النار؛ فخطب كما ذكر.
وقال قائلون: {قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: مُيّز وبُيّن أهل الجنة من أهل النار؛ قبل أن يدخل أهل النار النار؛ وأهل الجنة الجنة - قام خطيباً فخطب لأتباعه كما ذكر.
ويحتمل قوله: {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لما فرغ من الحساب ومن أمرهم؛ عند ذلك يخطب؛ ما ذكر؛ وهو كقوله:
{ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } [الأحقاف: 29] أي: لما فرغ من السماع؛ فعلى ذلك هذا.
وقال بعضهم: {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} أي: لما نزل بهم العذاب.
ويشبه أن يكون قوله: {لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ} هو أن الله كان وعد أن يقوم إبليس خطيباً لهم؛ فقضى الأمر؛ أي: أنجز ما وعد؛ أنه يخطب أو أن يكون لأهل الكفر لجاجات ومنازعات فيما بينهم يوم القيامة؛ كقوله:
{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23]؛ وكقوله: { فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ... } الآية [المجادلة: 18] يكذبون في الآخرة، ويكون لهم لجاجة على ما كان منهم في الدنيا، أو يحتجون فيقولون: إن إبليس هو كان غلبنا وقهرنا؛ لأنه كان يرانا ونحن لم نكن نراه؛ فالمغلوب المقهور غير مأخوذ بما كان منه في حكمك، يحتجون بمثل هذه الخرافات واللجاجات، ويقولون: هو الذي أضلنا، فيقوم عند ذلك إبليس خطيباً بينهم وقال: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} حتى أقهركم وأغلبكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طائعين؛ غير مقهورين ولا مضطرين والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}.
يشبه أن يكون وعده ما وعد على ألسن الرسل: أن البعث، والجنة، والنار، والحساب، والعذاب - كائن لا محالة. أو جميع ما أوعد من مواعيده - فذلك كله حقّ أي: كائن لا محالة.
{وَوَعَدتُّكُمْ}.
يحتمل ما ذكر؛ حيث قال:
{ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ } [الأنفال: 48] وأمثاله من عِدَاته؛ كانت كلها أماني وغروراً وكذباً.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ} يحتمل السلطان وجهين:
أحدهما: أي ما كان لي عليكم من ملك وقهر وغلبة أقهركم وأغلب عليكم إلا الدعاء؛ فاستجبتم لي طوعاً. ويحتمل قوله: {مِّن سُلْطَانٍ}: من حجة وبرهان؛ أي: لم يكن لي حجة وبرهان على ما دعوتكم إليه؛ إنما كان لي دعاء ووساوس، وكان مع الرسل حجج وبراهين، فتركتم إجابتهم؛ واستجبتم لي بلا حجة وبرهان؛ أي: لم أقهركم، ولم أغلب عليكم؛ لكن هذا لا يصح؛ لأنه لو كان له عليهم سلطان القهر والغلبة لكانوا معذورين غير معذبين؛ لأن المقهور والمغلوب مضطر؛ فالمضطر معذور؛ ولكن السلطان هو الحجة.
وقوله - عز وجل -: {فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}.
ليس مراده - لعنه الله - أنه لا يلام؛ ولكن مراده: أن ارجعوا إلى لائمة أنفسكم واشتغلوا بها؛ فإن ذلك كان منكم لم يكن مني إلا الدعاء.
وقوله - عز وجل -: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}.
قيل: ما أنا بناصركم وما أنتم بناصري، وقيل: ما أنا بمغيثكم وما أنتم بمغيثين لي، وقيل: ما أنا بمانعكم وما أنتم بمانعي، ما نزل بي هذا كله واحد.
وقوله: {مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ} أي: ما أنا بمالك إغاثتكم وإنقاذكم، وما أنتم بمالكي إغاثتي، وإلا لو كان لهم ملك ذلك لفعلوا.
وقوله - عز وجل -: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ}.
أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته؛ أي: كنت بذلك كافراً.
ويحتمل: [{إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ} أي: كفرت بما أشركتموني في عبادة الله وطاعته، أي: كنت بذلك كافراً، ويحتمل {إِنِّي كَفَرْتُ}] أي: تبرّأت اليوم؛ مما أشركتموني مع الله في الطاعة والعبادة من قبل.
أحد التأويلين يرجع إلى أنه يتبرأ في ذلك اليوم؛ وقتما قام خطيباً.
والثاني: إني كنت تبرأت من ذلك في الدنيا، وقتما أشركوه {إِنَّ ٱلظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وقوله - عز وجل -: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي: أذن لهم بالدخول في الجنة.
قوله: {وَأُدْخِلَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}، وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}.
الإذن هاهنا كأنه الرحمة؛ أي: خالدين فيها برحمة ربهم.
{تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ}.
[يحتمل السلام الثناء] أي: يثنون على ربهم؛ كقوله:
{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ... } الآية [فاطر: 34].
وقوله - عز وجل -: {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ} قال بعضهم: يسلم بعضهم على بعض، ويحيي بعضهم بعضاً بالسلام.
وقال بعضهم: السلام هو اسم كل خير ويمن وبركة؛ كما قال:
{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً... } الآية [مريم: 62] والله أعلم.