التفاسير

< >
عرض

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ
٣٥
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٣٦
رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
٣٧
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ
٣٨
ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ
٣٩
رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ
٤٠
رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ
٤١
-إبراهيم

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً}.
أي: مأمناً، سمي آمنا، لما يأمن الخلق فيه؛ كما سمي النهار مبصراً، والنهار لا يبصر ولكن يبصر فيه، ومثله كثير.
ثم يحتمل قوله: {ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِناً} قال بعض أهل التأويل: إنما طلب إبراهيم أن يجعله آمناً على أهله وولده خاصة، لا على الناس كافة؛ إذ قد سفك فيه الدماء، وهتك فيه الحرم؛ دل أنه جعله آمنا على أهله وولده خاصة، ولكن لو كان ما ذكروا محتملا - ما يصنع بقوله:
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً... } الآية [العنكبوت: 67] وقوله: { وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً } [البقرة: 125] وغيره من الآيات.
أخبر أنه جعل تلك البقعة مأمناً للخلق يأمنون فيها.
ثم يحتمل وجهين:
أحدهما: جعله آمناً بحق الابتلاء والامتحان، ألزم الخلق حفظ تلك البقعة عن سفك الدماء فيها، وهتك الحرم، وغير ذلك من المعاصي، وإن كانوا ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يصلح؛ كالمساجد التي بنيت للعبادة وإقامة الخيرات - ألزم أهلها وعلى جميع الخلائق حفظها عن إدخال ما لا يصلح ولا يحل، ثم إن الناس قد ضيعوا ذلك، وعملوا فيها ما لا يليق بها ولا يصلح، فعلى ذلك الحرم الذي أخبر أنه جعله مأمناً.
والثاني: جعله مأمناً بالخلقة من ذا الوجه، يجوز أن يقال: كيف سفك فيه الدماء وهتك فيه الحرم؛ وهو بالخلقة جعله مأمناً؟
قيل: يجوز هذا بحق العقوبة؛ وإن كان [بالخلقة] آمناً؛ ألا ترى أنه قال:
{ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ... } الآية [النساء: 160] الطيبات بالخلقة حلال؛ لكنه حرم عليهم ذلك بالظلم الذي كان منهم؛ بحق العقوبة والانتقام، فعلى ذلك الحرم؛ جعله مأمناً بالخلقة، ثم قتل فيه عقوبة؛ لما كان منهم من المعاصي. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَام} الآية.
فإن قيل: كيف دعا وطلب منه العصمة؛ وقد عصمه بالنبوة والرسالة؛ واختارهما له من ذلك كله؟
قال بعض أهل التأويل: إنما سأل عصمة ولده وذريته؛ لما علم أن ذريته قد يختلفون في دين الله وتوحيده، وما ذكر نَفْسَهُ؛ لما المعروف أنّ من دعا لآخر بدأ بنفسه.
قالت المعتزلة: دعاء إبراهيم وطلبه العصمة؛ مما ذكر؛ يدل أنه [قد] يجوز أن يدعي بدعوات عبادة؛ وإن كان قد أعطاه ذلك، أو يعلم أنه مغفور.
قيل: دعاء إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام؛ يجوز أن يكون عصمتهم كانت مقرونة [بما طلبوه] منه، وسألوه وتضرعوا إليه؛ إذ معلوم أنهم لم يستفيدوا تلك العصمة؛ بإهمالهم [أنفسهم] وتركهم إياها سُدىً؛ بل إنما أوجب لهم ذلك بما أجهدوا أنفسهم في طاعة الله.
ثم الآية على المعتزلة من وجهين:
أحدهما: أن إبراهيم طلب منه العصمة عن عبادة الأصنام، وهو علم أنه يعتصم إذا عصمه عن ذلك، واهتدى إذا هداه، وهم يقولون: الله يعصم ولا يعتصم العبد، ويهدي ولا يهتدي العبد. ويقولون: إذا أعطى أحداً ذلك، خرج ذلك من يده، ولا يملك إعطاء ذلك، فعلى قولهم تخرج دعوات الرسل على الاستهزاء أو على الكتمان؛ لأن من سأل من آخر شيئاً يعلم أنه ليس ذلك عنده؛ فهو هزء، أو سأل وهو يعلم أنه قد أعطاه ذلك؛ فهو كتمان، وكان خوف الأنبياء والرسل والكبراء من الخلق أشد وأكثر على دينهم، والزيغ عما هم عليه؛ لما خافوا أن يكونوا عند الله على غير ما هو عند أنفسهم، كانوا أبداً وجلين خائفين على سلب ما هم عليه، وهكذا الواجب أن يكون الخوف على من نعمه عليه أكثر؛ فخوفه أشد.
وقال أبو عوسجة: {وَٱجْنُبْنِي} أي: باعدني، وجنبني أيضاً. وقال القتبي: أي: جنبني وإياهم.
وقوله - عز وجل -: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ}.
نسب الإضلال إلى الأصنام - وإن لم يكن لها صنع في الإضلال لأنهم بها ضلوا، وكانت الأصنام سبب إضلالهم، وقد تنسب الأشياء إلى الأسباب، وإن لم يكن للأسباب صنع فيها نحو ما ذكرنا من قوله:
{ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ... } [التوبة: 125] والسورة لا تزيدهم رجساً، لكن نسب الرجس إليها لما كانت هي سبب زيادة رجسهم، وهو أنها لما نزلت يزداد لهم بها تكذيباً وكفرا بها، فنسب ذلك إليها، فعلى ذلك الأول.
والثاني: ينسب إلى الأحوال التي كانت بها؛ ما لو كانت تلك بذوات الأرواح، لكانت تضل وتغوي [كذي الروح] ممن يكون منه الإضلال، لأنها تزين وتحلى بالأشياء؛ نحو ما نسب الغرور إلى الدنيا؛ وإن كانت الدنيا لا تغر؛ لأنها تكون بحال لو كانت تلك الأحوال من ذي الروح لكان ذلك تغريراً، فعلى ذلك نسبة الإضلال إلى الأصنام. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}.
يشبه أن يكون {مِنِّي}: أي: موافقي في الدين، أو في الولاية، وحاصله - والله أعلم -: معي في الدين وفي أمر الدين، وكذلك [معنى ما روي:]
"من غش فليس منا" أي: ليس بموافق لنا، أو ليس معنا، أو ليس من ملتنا، وكذلك قوله: {فَإِنَّهُ مِنِّي} أي: من ملتي.
وحاصله: فمن تبعني وأجابني فيما دعوته إليه وأمرته به فإنه مني؛ أي: مما أنا عليه، وكذلك قوله:
"من غش فليس منا" أي: ليس مما نحن عليه.
وقوله - عز وجل -: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ},
يشبه قوله: {وَمَنْ عَصَانِي} ليس عصيان شرك، ولكن عصيان ما دون الشرك؛ فإنه غفور رحيم. أو من عصاني فإنك غفور؛ أي: ساتر عليه الكفر إلى وقت معلوم؛ إذ الغفران: هو الستر؛ فستر عليه إلى أجل؛ كقوله: {إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ} أو يقول: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}: أي: تمكن له من التوبة والإسلام؛ فيسلم ويتوب؛ فتغفر له ما كان منه من العصيان؛ وترحم عليه.
وقوله: {وَمَنْ عَصَانِي} فيما دعوته إليه وأمرته به {فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تمكن له من التوبة، والرجوع عما كان؛ فتغفر له وترحمه.
وقوله - عز وجل -: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}.
لا يحتمل أن يكون قال هذا أول ما قدم تلك البقعة؛ لأنه قال: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} ولا بيت هنالك، دل أنه إنما دعا بهذه الدعوات: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} وما ذكر
{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ... } [البقرة: 128] إلى آخر ما ذكر؛ بعد ما رفع البيت.
وقوله - عز وجل -: {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي} دل أنه إنما أسكن بعض ذريته؛ لم يسكن ذريته كلها؛ حيث قال: {مِن ذُرِّيَّتِي}.
قد امتحنه الله بمحن ثلاثة؛ لم يمتحن بمثلها أحداً من الأنبياء:
أحدها: امتحنه بإسكان ولده بواد غير ذي زرع؛ وغير ذي ماء، مما لا يحتمل قلب بشر تركه في مثل ذلك المكان مثله، دل أنه إنما فعل بأمر من الله تعالى.
والثاني: امتحنه بذبح ولده حتى إذا أشرف على الهلاك - فداه الله تعالى بكبش.
[والثالث]: امتحنه بإلقائه في النار؛ فألقي حتى إذا أشرف على الهلاك - جعلها الله تعالى عليه برداً وسلاماً.
ففي ذلك كله دلالة رسالته.
وكانت له هجرتان: إحداهما إلى مكة؛ حيث أسكن فيها ولده، والهجرة الثانية إلى بيت المقدس؛ وهو ما ذكر:
{ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا... } الآية [الأنبياء: 71].
ثم قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} هو دعاء بتعريض لا بتصريح، والدعاء بالتعريض؛ والسؤال بالكناية أبلغ وأكثر من السؤال بالتصريح، وهو كدعاء آدم وحواء:
{ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا... } الآية [الأعراف: 23] فهذا أبلغ في السؤال من قوله: اغفر لنا وارحمنا؛ لأن مثل هذا قد سئل من دونه؛ ولا يكون فيه ما ذكر فيه من الخسران.
وقوله: {مِن ذُرِّيَّتِي} يحتمل أن يكون كلمة (من) صلة؛ أي: أسكنت ذريتي، ويحتمل على التبعيض؛ أي: أسكنت بعض ذريتي، على ما ذكر في بعض التأويلات: إسماعيل وإسحاق.
وقوله - عز وجل -: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}.
يحتمل قوله: {ٱلْمُحَرَّمِ} وجهين:
أحدهما: حرمه أن يستحل فيه ما لا يحل ولا يصلح؛ لكنه خص تلك البقعة بالذكر؛ وإن كان ذلك لا يحل في غيرها من البقاع؛ لفضل الحرمة التي جعلها الله لها، كما خص المساجد بأشياء؛ لفضلها على غيرها من الأمكنة والبقاع.
والثاني: قوله: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ}: أي: الممنوع؛ يقال: حرم: أي: منع؛ كقوله:
{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ } [القصص: 12] ليس ذلك على التحريم ألا يحل له المراضع؛ ولكن على المنع؛ أي: منعنا عنه؛ لنرده إلى أمه، فعلى ذلك قوله: {عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ} أي: الممنوع عن الخلق لله؛ حتى لم يقدر واحد من الفراعنة والملوك الغلبة عليها وإدخالها في منافع أنفسهم، بل هي ممنوعة عنهم؛ على ما كان، وفيه آية الوحدانية له والألوهية. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}.
قال بعض أهل التأويل: فيه تقديم يقول: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ} ليقيموا الصلاة لك عند بيتك.
ويحتمل أيضاً غير هذا؛ وهو أن يقال: {أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} أي: ليس فيه ما يشغلهم عن الصلاة؛ لأن الزرع وغيره من النعيم يمنع الناس عن إقامة الصلاة، [والعبادة لهم، أي: أسكنت من ذريتي بواد ليس فيه زرع يشغلهم عن إقامة الصلاة] ثم يحتمل الصلاة: الصلاة المعروفة، ويحتمل الصلاة: الدعاء والأذكار؛ وغيرها من الدعوات، ويحتمل قوله: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}: [الصلاة] نفسها؛ وغيرها من الطاعات، وكذلك قوله: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي}.
وقوله - عز وجل -: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ}.
يحتمل سؤاله ربه - أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم - وجهين:
أحدهما: لما أسكن ذريته في مكان لا ماء فيه ولا نبات ولا زرع؛ ففي مثل هذا المكان يستوحش المقام فيه؛ فسأل ربه أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ليأتوا ذلك المكان؛ فتذهب عنهم تلك الوحشة؛ فيستأنس بهم، أو سأله أن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم، ليتعيشوا بما ينقل إليهم من الزاد والأطمعة إذ أسكنهم في مكان لا زرع فيه، ولا ماء يعيشون فيه به، وقد جعل الله بنية هذا البشر؛ أن لا قوام لهم إلا بالأغذية والأطعمة، فسأل ربه؛ ليتعيشوا بما يحمل إليهم.
وقال أهل التأويل: {فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ} للحج، وقالوا: لو قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم؛ ولم يقل (من) لحجه الخلق جميعاً: الكافر والمؤمن، لكن لا يحتمل عندنا أن يكون سؤاله للخلق جميعاً أو يكون قوله:
{ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ } [الحج: 27] للخلائق جميعاً: للكافر والمؤمن، بل يرجع ذلك إلى خصوص. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.
يحتمل: {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} تلك الثمرات، ويحتمل: لعلهم يشكرون بما جعل لهم من التعيش بما يحمل إليهم من الأغذية والأطعمة.
وقوله: {وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ} ليس على تخصيص الثمرات، ولكن سأل الثمرات وما به غذاؤهم وقوامهم.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}.
لا يحتمل أن يكون مثل هذا الدعاء [منه] مبتدأ، بل كأنه - والله أعلم - عن نازلة دعاه؛ إذ يعلم صلوات الله عليه أنه كان يعلم ما يخفون وما يعلنون، لكن لم يبين: ما تلك النازلة؟ وأهل التأويل يقولون: قال هذا؛ أي: {تَعْلَمُ مَا نُخْفِي} من الحزن والوجد على إسماعيل وأمه حين تركهما بوادٍ لا ماء فيه ولا زرع، ويقولون: {وَمَا نُعْلِنُ} وهو قوله: {رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي}، لكن لا نعلم ذلك. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ}.
كان هذا جواباً عن الله وإخباراً منه إياه؛ أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؛ أي: لا يخفى عليه ما لا أمر فيه ولا نهي ولا جزاء؛ فكيف يخفى عليه الأعمال التي عليها الجزاء والأمر؟
وقوله - عز وجل -: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}.
قال أهل التأويل: إنه وهب له الولد؛ وهو ابن كذا وامرأته ابنة كذا؛ لكن لا نعلم ذلك سوى ما ذكر أنه وهب له الولد على الكبر في وقت الإياس عن الولد؛ حث بشر بالولد؛ فقال:
{ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ ٱلْكِبَرُ } [الحجر: 54] حيث قالت امرأته لما بشرت بالولد { ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً } [هود: 72] يعلم أنه وهب له الولد؛ وهما كانا كبيرين في وقت الإياس عن الولد.
وقوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} يكون حمده على الأمرين جميعاً: على الهبة؛ وعلى الولادة في حال الكبر؛ وهو حال الإياس؛ إذ كل واحد مما يوجب الحمد عليه والثناء.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ} قيل: لمجيب الدعاء.
وقوله - عز وجل -: {رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي}.
قد سبق من الله الأمر بإقامة الصلاة؛ وهو المقيم لها؛ فدل الدعاء منه والسؤال؛ على أن يجعله مقيم الصلاة - أن عند الله لطفا سوى الأمر لم يعطه؛ فسأله ذلك؛ هو التوفيق.
وعلى قول المعتزلة؛ لقولهم: إنه قد أعطى كل شيء حتى لم يبق عنده ما يعطيه.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ}.
قال بعضهم: تقبل دعائي في إقامة الصلاة لنفسه وذريته؛ لكن لا يجب أن يخص دعاء من الدعوات التي سأل ربه؛ وقد دعا ربه بدعوات كثيرة؛ نحو ما قال: {وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ}، وقوله: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىۤ إِلَيْهِمْ}، وقال:
{ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } [البقرة: 128]، وغير ذلك من الدعوات.
وقوله - عز وجل -: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ}.
طلب من ربه المغفرة لوالديه.
قال الحسن: إن أمّه كانت مسلمة، وأما أبوه: فكان كافراً؛ لأنه قال:
{ وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ } [الشعراء: 86] فخص والده بالضلال؛ دل أن أمه كانت مسلمة؛ لكنا لا نعلم ما حال الأم: أمه كانت مسلمة أو كافرة، وأما أبوه فهو لا شك أنه كان كافراً.
ثم [لا] يحتمل دعاؤه لوالديه؛ وهما كافران؛ إن كانت أمّه كافرة؛ إلا على إضمار الإسلام؛ أي: اغفر لهما إن أسلما، أو أن يكون سؤاله المغفرة لهما سؤال الإسلام نفسه، أو أن يكون طلب منه الستر عليهما في الدنيا، وألاَّ يفضحهما ولا يخزيهما، لكنه سأل المغفرة يوم يقوم الحساب. ولا يحتمل طلب الستر إلا أن يفصل بين قوله: {رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} وبين قوله: {وَلِلْمُؤْمِنِينَ} يبتدئ بالمؤمنين يوم يقوم الحساب، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ودعاء إبراهيم وسؤاله المغفرة لوالديه يكون سؤال السبب؛ الذي يستحقان به المغفرة من ربها، ويكونان أهلا لها؛ وهو التوحيد ومعرفة المولى؛ وهو ما ذكرنا في أمر نوح قومه الاستغفار له، وكذلك قول هود؛ حيث قال:
{ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ... } الآية [هود: 52] وقوله - عز وجل -: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}.
يحتمل قوله: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}: بالعدل؛ يقول الرجل لآخر: أقم حسابي أي: اعْدل فيه. وإقامة الحساب: العدل فيه؛ على ما توجبه الحكمة، لا يزاد ولا ينقص؛ كقوله:
{ وَنَضَعُ ٱلْمَوَازِينَ ٱلْقِسْطَ } [الأنبياء: 47] قال بعضهم: {يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ}: يوم يحاسبون، قيام الحساب: هو المحاسبة نفسها والله أعلم.
ويحتمل قوله: {إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ} كانت له حاجات أخفاها، طلب قضاءها؛ فقال: تعلم حاجاتي؛ أخفيتها، أو أعلنتها فاقضها لي، أو أن يكون قومه طعنوا في شيء؛ فقال ذلك على التبري من ذلك؛ إنه يعلم ما نخفي وما نعلن، ولم يعلم ذلك الذين يطعنون في {مِنِّي} والله أعلم؛ كقول عيسى:
{ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي } [المائدة: 116] أو أن يكون قال ذلك؛ لأن أهل الأديان جميعاً كانوا يوالون إبراهيم ويدعون أنه على دينهم؛ ولذلك قال: { مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً... } [آل عمران: 67] الآية.
برأه الله مما ادعى كل فريق.
ثم منهم؛ من كان من هذه الفرق؛ يدعون الأسرار عن الله والإخفاء عنه؛ فقال هذا ليعلم الناس توحيده؛ أنه لا يخفى عليه شيء؛ أُخفي أو أعلن؛ ليعرفوا توحيده أنه ليس شيء يخفى عليه. والله أعلم.