التفاسير

< >
عرض

وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً
٢٣
وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً
٢٤
رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً
٢٥
وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً
٢٦
إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً
٢٧
وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً
٢٨
وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً
٢٩
إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
٣٠
-الإسراء

تأويلات أهل السنة

قوله عز وجلّ -: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}.
قال بعضهم: {وَقَضَىٰ}: حكم، وقال بعضهم: {وَقَضَىٰ} - هاهنا -: أمر، أي: أمر ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وقال بعضهم: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ}، أي: وصّى ربّك، وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبيّ - رضي الله عنهما - أنهما كانا يقرآن: (ووصى ربّك)، وقال بعضهم: (وعهد ربك).
وقال القتبي: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ}، أي: حتم ربّك، وهو من الفرض والإلزام، أي: فرض ربك وألزم ألا تعبدوا إلا إياه، وكذلك "حكم" ربك وهو أشبه؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى:
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [الأحزاب: 36]، ثم قال: { وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } [الأحزاب: 36]: دل قوله: { وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } [الأحزاب: 36] أن قوله: { إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ } [الأحزاب: 36] - معناه، أي: فرض الله ورسوله وحكماً أمراً.
ثم قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}: فرض وحتم وحكم وأمر ألا تعبدوا إلا إياه، إلا الإله المعبود الحق المستحق للعبادة والربوبية، لا تعبدوا دونه أحداً، وقد أبان لنا أنه هو الإله والربّ المستحق للعبادة والألوهية والربوبية، لا الذين تعبدون من دونه من الأوثان والأصنام بوجوه ثلاثة:
أحدها: عجز العقول وجهالتها عن درك كيفية العقول وما بينها؛ لأن العقول لا تعرف كيفية أنفسها ولا ماهيتها، وتعرف محاسن الأشياء ومقابحها؛ فقد عَرَفَتِ الألوهية لله، وحسن العبادة له، وقبحها لغيره.
والثاني: ما يوجد في جميع الخلائق من آثار ألوهيّته وربوبيته، وجعل العبادة له شكراً له؛ وعلى ذلك جعل في كل جارحة من جوارح الإنسان عبادة؛ شكراً له لما فيها من آثار ألوهيته.
والثالث: السمع، أنبأنا أن لا معبود إلا الله، ولا ألوهيّة لسواه دونه؛ فذلك معنى ما فرض على خلقه وأمرهم ألا يعبدوا إلا إياه، وتأويل حكم ربّك ألا تعبدوا إلا إياه؛ لما أنشأ في خلقه كل أحد آثار وحدانيته، وشهادة ربوبيته استحقاق العبادة له، فذلك تأويل من قال: قضى، أي: حكم. وأما تأويل من قال: قضى، أي: أمر ربك وكلف ألا تعبدوا إلا إياه - يكون فيه أمر بالعبادة له، والنهي عن عبادة غيره؛ كأنه قال: أمر ربك أن اعبدوه، ونهاكم أن تعبدوا غيره، ثم الفرق بين الطاعة والعبادة: يجوز أن يطاع غيره، ولا يجوز أن يعبد غيره؛ لأن الطاعة هي الائتمار؛ كقوله:
{ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } [النساء: 59]، أي: ائتمروا، وأما العبادة هي الاستسلام والخضوع له والشكر له، ولا يجوز ذلك لغيره سوى الله، أو أن يكون في العبادة معنى لا يدرك، كمعنى الرحمن؛ لا يدرك، حيث لم يجوّز تسمية غيره به؛ فعلى ذلك هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: وبالوالدين إحساناً.
كأنه قال: وفرض عليكم - أيضاً - وحكم إحسان الوالدين، [أو أمركم بإحسان الوالدين] ثم الإحسان في عرف الناس هو الفعل الذي ليس عليه، إنما هو فضل ومعروف يصنعه إلى غيره، هذا هو الإحسان في العرف واللغة، لكن المراد بالإحسان إلى الوالدين هو الشكر، لا ما ذكرنا من الإحسان المعروف عند الناس، وهو ما ذكر في آية أخرى:
{ أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [لقمان: 14]، لأن الشكر هو المكافأة والجزاء لما أنعم وصنع من المعروف؛ فهو، والله أعلم.
وإن ذكر الإحسان في هذا وفي غيره من الآيات، وهو قوله:
{ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } [الأنعام: 151]، وقال في آية أخرى: { وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً } [النساء: 36]، وغيرها من الآيات - فالمراد منه، والله أعلم: الشكر لهما؛ لما ذكر في آية أخرى: { أَنِ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [لقمان: 14]، والشكر هو المكافأة: أمره أن يكافئ لهما ويجازي بعض ما كان منهما إليه من التربية، والبر، والعطف عليه، والوقاية من كل سوء ومكروه: في البطن، وبعد ما خرج من البطن حتى كان يؤثرانه على أنفسهما [في السرور، ويجعلان أنفسهما وقاية له من كل سوء ومحذور، فأمر الولد أن يشكر لوالديه؛ جزاء ومكافأة لما كان منهما مما ذكر.
وهذا ذكر في الحال التي عجزا هما عن القيام لأمر أنفسهما] والحوائج لهما، وذلك - والله أعلم - لأنهما إذا كانا قويين، قادرين لحوائج أنفسهما ومنافعهما يبران ولدهما، ويحسنان إليه؛ فيحمل برّهما وإحسانهما إليه على الطاعة لهما في البرّ، والإحسان إليهما على المجازاة، وهكذا المعروف عند الناس أنه إذا بر بعضهم بعضاً يبعث ذلك على المكافأة؛ ليدوم ذلك عليهم وألا ينقطع؛ لذلك ذكر - والله أعلم - الإحسان إلى الوالدين في الحال التي هي حال ضعف وعجز؛ حيث قال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا}.
ثم أمره أن يذكر الحال التي هو عليها، وهو حال طفوليته وصغره: أن كيف ربّياه، وبراه، وعطفا عليه، ولانا له - قولاً وفعلاً - حتى لم يستقذرا منه شيئاً مما يستقذر الناس بعضهم من بعض، ولم يبعدهما عنه ما يبعد الخلق بعضهم من بعض من أنواع الأذى والخبث؟! فأمره أن يعاملهما إذا بلغا الحال التي كان هو عليها: من الجهل والضعف، والعجز عن القيام بالحوائج على ما كان هو، وبلغا المبلغ الذي يستقذر منهما ويبعد عنهما، أي: لا يستقذر هو منهما، ولا يبعد عنهما؛ كما لم يستقذرا هما منه، ولا ينهرهما عند السّؤال والحاجة إليه؛ كما لم يفعلا هما [له]؛ بل يلين لهما ويذل كما لانا هما له وخضعا، وهو ما قال:
{ وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ... } الآية [النحل: 70]، وقال في آية أخرى: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } [الروم: 54] أخبر أنه يرد من بعد القوة والعلم إلى الحال التي كانوا عليها وهو حال الضعف والجهل؛ حيث قال: { وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ... } الآية [النحل: 78]، وقال: { خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ... } الآية [الروم: 54].
فقال: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}.
وقال بعضهم: قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}: هو كناية عن إظهار الكراهة لهما في الوجه، {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}، أي: لا تُعنِّفْهما في القول والكلام على ما لم يفعلا هما بك.
وقال بعضهم: (أف) المراد به: هو (أف) لا غير، {وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}، أي: لا تعنفهما، ولا تخشن، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها، أي: لا تقل لهما (أف) على ما يستثقل الناس شيئاً ويكرهون في أول حال يرون شيئاً مستثقلاً مكروهاً - يقولون: أف، أي: لا تقل أف؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله:
{ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ... } الآية [النور: 30]، قال بعضهم: يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج؛ ومنه يكون بدء الفجور.
وقال بعضهم قوله:
{ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } [النور: 30]: ذكر أوّل حال وآخرها؛ ليمتنعوا عن كل ذلك؛ فعلى ذلك قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}: ذكر أوّل الحال وآخرها.
والثاني: أي: لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ليحمل ذلك على العنف والانتهار. فإن كان تأويل قوله: {أُفٍّ} - (أف) لا غير، ففيه حجة لأبي حنيفة -رحمه الله - في قوله: إذا نفخ المصلي في موضع سجوده، فهو كلام يقطع صلاته؛ حيث قال: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}، أي: لا تتكلم به، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}.
حيث نهاه أن يقول لهما: أف، ونهاه أن ينهرهما؛ فإذا امتنع عن الأفّ والنهر كان بعد ذلك قولاً ليّناً لطيفاً.
قال أبو عوسجة: يقال: نهرته وانتهرته، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد.
وقال أبو بكر الكَيْساني: الكريم: هو الذي يُولِي على آخَرَ نعمه، ويهنيه بترك الأذى والمنّ؛ كقوله:
{ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ } [البقرة: 264]، وقال غيره: في وصف السخي، فقال: الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه، وقطع طمعه عما احتوى عليه غيره عند حاجته إليه. ويشبه أن يكون الكريم قريباً منه.
فإن قيل: إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البرّ لأولادهما، والشفقة عليهم، ولا كذلك الأولاد؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولاً به مطبوعاً عليه - برّ من لم يكن ذلك بطبعه.
قيل: لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين، وأمرهم بذلك؛ لأن ما يفعل الوالدان من البرّ والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع، والولد لا؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم. ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده؛ إذ [ليس] القصاص حياة بينهم، وشرع قتل الولد بوالديه؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد، وليس في الولد ذلك؛ فجعل في قتل الولد والديه القصاص، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان.
فإن قيل: ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن:
{ ٱشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ } [لقمان: 14].
قيل: لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر.
وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة؛ حيث قال في المكاتب: إذا اشترى والده أو أمّه صار مكاتباً، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتباً؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر؛ فعليه ذلك، وأمّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف؛ فملكه لا يحتمل ذلك.
والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره؛ لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب؛ دلّ أنه أراد بالخطاب غيره - كل محتملٍ [منه] ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما بالمعاملة التي ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}.
يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر، وجناح الطائر يداه؛ فكأنه قال: اخفض واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً}، أي: اخضع لهما قولاً وفعلاً.
ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس، أي: اخضع لهما بجميع النفس والجوارح، وقوله: {ٱلذُّلِّ}: يحتمل أن يكون المراد من الذل: الذل نفسه، أي: كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة، ولكن ذليلاً كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه. ويحتمل أن يكون الذلّ كناية عن الرحمة التي تكون في القلب، أي: اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعاً؛ ألا ترى أنه قال:
{ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ } [المائدة: 54]، أي: رحماء على المؤمنين أشداء على الكافرين؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: { أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]. وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا، ومقابل العزة - الشدة؟! فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله: جناح الذل كناية عن الرحمة؛ فيكون معناه: أن اخضع لهما بالظاهر والباطن جميعاً على ما ذكرنا في قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا}، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}.
قال بعضهم: {رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}، ويحتمل أن يكون على الإضمار؛ فيكون - والله أعلم - كأنه قال: رب ارحمهما كما رحماني وربياني صغيراً.
وقول أهل التأويل: إن هذا منسوخ نسخه قوله:
{ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ... } الآية [التوبة: 113] - بعيد؛ وأمكن أن تكون الآية في المؤمنين والكافرين؛ فالرحمة التي ذكر: تكون في الكافرين سؤال الهداية لهم وجعلهم أهلاً للرحمة والمغفرة؛ وذلك جائز كقول نوح لقومه: { ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } [نوح: 10]، أي: استهدوا ربكم؛ فيهديكم فيغفر لكم ما كان منكم؛ إنه كان لم يزل غفاراً؛ إذ لا يحتمل أن يأمرهم بالاستغفار ويعدهم بالمغفرة على الحال التي هم عليها، وكذلك استغفار إبراهيم لأبيه.
أو أن تكون من الرحمة التي يتراحم بعضهم [بعضاً، والشفقة] التي تكون بين الناس كما يتراحم الصغار والضعفاء، ثم مثل هذه المعاملة التي أمر الولد أن يعامل أبويه يلزم المؤمنين من جهة الدين ومكارم الأخلاق أن يعاملهم الناس بعضهم بعضاً، غير أن هذا فيما بين الناس ليس بفرض لازم، وذلك [فرض] لازم؛ لأنها بحق الشكر والجزاء لهما بما كان منهما إليه من البرّ والإحسان، وحق التربية والتعظيم حقهما وجليل قدرهما وخصوصيتهما، وهو كما يقال لرسوله:
{ وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 215]، وإلا فقد وصف المؤمنين بتراحم بعضهم على بعض؛ على ما ذكر: { رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ } [الفتح: 29]، وأمرهم بذلك.
وقوله - عزّ وجلّ -: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}.
قال بعضهم: قوله: {أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} من أسرار المحبة لهما والبر والكرامة. وقال [بعضهم]: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}، أي: أعلم ما تفعله نفوسكم، وهو كما قال عيسى - عليه السلام -:
{ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } [المائدة: 116]، أي: تعلم ما تفعله نفسي، ولا أعلم ما في نفسك من التدبير والتقدير؛ فعلى ذلك هذا.
وجائز أن يكون قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ} - صلةَ قوله: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ...} الآية، أي: ربكم أعلم بما في ضميركم: من الاستقذار إياهما، والاستثقال، والكراهة إذا بلغا المبلغ الذي ذكر، ولكن لا تظهر ذلك لهما ولا يوافق ظاهرك باطنك.
أو أن يقول: ربكم أعلم بما في نفوسكم [ولا يعلم غيره ما في نفوسكم؛ فلا تراءون الناس بما في قلوبكم]؛ ولا تصرفوا ما في ضميركم إلى من لا يعلم ذلك؛ يخاطب الكل على الابتداء ألا يجعل ما في قلبه لغيره؛ بل يخلص له، أو أن يكون قوله: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ}، أي: ما تفعله أنفسكم وتدبّرها.
وقوله - عزّ وجلّ -: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ}.
أي: تصيروا صالحين؛ لأن قوله: {تَكُونُواْ} إنما هو في حادث الوقت.
وقوله - عزّ وجلّ -: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}.
يشبه أن يكون قوله: {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ} صلة قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}، و {إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً} أي: لم يزل غفوراً للأوابين ولمن يشاء. ثم اختلف في الأواب:
قال بعضهم: الأوّاب: الرجّاع التواب، وهو قول أبي عوسجة.
قال القتبي: الأوّاب: التائب مرة بعد مرة، وهو من: آب يئوب، أي: رجع، وهما واحد.
وقال بعضهم: الأواب: المطيع، وقيل: المسبح ونحوه.
وقال أبو عوسجة في قوله: {وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ}، أي: لِنْ لهما وارفق بهما؛ ذكر برّ اللسان للوالدين ولطفه إياهما قولاً وفعلاً، وليس في ظاهر الآية ذكر البر بالمال والإنفاق عليهما؛ فيشبه أن يكون ذلك داخلاً في قوله: {وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، أو لم يذكر ذلك؛ لما أن المال للولد مال لهما؛ ألا ترى إلى ما روي عن جابر بن عبد الله قال:
"جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبوه فقال: يا رسول الله، إن لي مالاً، وإن لي أباً وله مال، وإن إبي يريد أن يأخذ مالي؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" أو لاَ ترى - أيضاً - أنه أضاف بيوت الولد إليهما؛ حيث قال: { أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ } [النور: 61]؛ قوله: { مِن بُيُوتِكُمْ } [النور: 61] - معناه: بيوت أبنائكم.
وقال بعضهم في قوله: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً}: إنه صلاة الضحى، ويروى في ذلك خبر: روى زيد بن أرقم قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم على قوم وهم يصلون الضحى؛ فقال:
"صَلاَةُ الأَوَّابِينَ، إِذَا رَمَضَتِ الفِصَالُ" ، وفي خبر آخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: "أمرني أن أصوم ثلاثاً في كل شهر، وألا أنام إلا على وتر، وأن أصلي ركعتي الضحى، فإنها صلاة الأوابين" ، وقد يروى أحاديث كثيرة في الحث على صلاة الضحى وفعلها، وأنه صلى هو: ركعتين، وأربعاً، وستّاً، وثمانياً - ما يكثر ذكرها ويطول، ومن صلاها فإنما صلاها على سبيل التطوع، ليس على سبيل اللزوم الواجب والسّنة المؤكدة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرة وتركها مرة؛ فكان كصلاة الليل يدرك فاعلها الفضل.
وقوله - عز وجل -: {وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ}.
كأن الآية هي صلة قوله: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}، أي: وقضى - أيضاً - أن تؤتي ذا القربى حقه ومن ذكر، أي: فرض، وحتم، وحكم؛ على اختلاف ما قالوا، وهو كقوله:
{ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَاناً... } الآية [النساء: 36] أمر - عزّ وجلّ - ببر الوالدين، والشكر لهما، وصلة ذي القربى، فريضة، ومن ذكر.
ثم اختلفوا في قوله: {حَقَّهُ}:
قال بعضهم: ذلك الحق فريضة، وهو الزكاة؛ حيث جعل تلك صلة ما هو فرض، وهو الشكر لله، وجعل العبادة له وشكر الوالدين؛ جزاء لما كان منهما إليه، وقد ذكرنا أن ذلك فرض لازم؛ فعلى ذلك صلة هؤلاء؛ إذ صلتهم فريضة؛ لما جاء من المواعيد الشديدة في قطع الرحم، والترغيب في صلتهم.
ومنهم من قال: ذلك الحق نفل؛ ألا ترى أنه قال: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}، {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} [الإسراء: 29]، وقال: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا} [الإسراء: 28]، فلا يحتمل ما ذكر من الإعراض عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها في الفرض، دل أنّه في النفل، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً}.
قال بعضهم: التبذير والإسراف: واحد، وهو المجاوزة عن الحدّ الذي جعل في الإنفاق والحقوق، والمجاوزة: عن المحق، إلى غير المحق.
روي عن ابن مسعود
"أنه سئل عن التبذير؛ فقال: إنفاق المال في غير حقه" . وكذلك قول ابن عباس، رضي الله عنه.
وقال بعضهم: التبذير هو الإنفاق فيما لا ينتفع به. ويحتمل ما ذكرنا أنه يترك الإنفاق على المحق وهم ذوو القربى؛ وينفق على الأجنبيين.
وقوْله - عزّ وجلّ -: {إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ}.
أي: كانوا أولياء الشياطين.
{وَكَانَ ٱلشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}.
أي: كفوراً لنعم ربه.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}.
عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل فيقول:
"ماَ لاَلِ مُحمدٍ - وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ - إِلا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ" فأنزل الله تعالى: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}، أي: عِدْهم أن سوف يأتي بالرزق.
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ}: إذا سألوك، وليس عندك شيء انتظرت من الله رزقاً يأتيك، {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}: يكون - إن شاء الله - شبه العِدَة. وأمثال هذا قالوه.
ويحتمل قوله: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ}: إعراض الوجه، ويحتمل إعراض الإجابة؛ فذلك يكون بالاستثقال والاستخفاف، ولما ليس عنده شيء يعطيهم ثانياً، لكن لا نعرف أن الإعراض كان للاستثقال والاستخفاف، أو لما ليس عنده ما يعطيهم؛ فأمر أن يبين لهم أن الإعراض [عنهم] ليس للاستثقال والاستخفاف، وكذلك ترك الإجابة لهم، ولكن لما ليس عنده شيء؛ ليعلموا أنّ الأعراض عنهم ليس للاستخفاف ولا للاستثقال؛ ولكن لما ليس عنده ما يعطيهم، أو يطلب ما يعطيهم، وهو ما قال: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً}.
أجمع أهل التأويل أن هذا الإعراض هو السؤال؛ لأنه كان يعرض عنهم لابتغاء ما يعطيهم، فذلك الإعراض يرجع منفعته إلى السؤال.
ثم اختلفوا في قوله: {مَّيْسُوراً}:
قال بعضهم: عِدْهم عِدَةً حسنة: إذا كان ذلك أعطيناك.
وقال بعضهم: أي: عدهم خيراً.
وقال بعضهم: قل لهم قولاً ليناً وسهلاً.
وقال أبو عوسجة: {مَّيْسُوراً}، أي: حسناً، وهو من التيسير، ونحو ذلك قالوا، أي: اردد عليهم ردّاً حسناً؛ ليقع عندهم أن الإعراض لما ليس عنده شيء لا لوجه آخر والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ}.
في الإنفاق إذا كان عندك.
{وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}.
فيلومك من رجاك؛ ولكن كما قال:
{ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ... } الآية [الفرقان: 67] أمر الله أن ينفقوا نفقة ليس فيها سرف ولا إقتار، وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره.
وقال بعضهم: لا تمسك عن النفقة فيما أمرك ربك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهاك عنه؛ فتقعد كذا.
وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسّرف، فلئن كان هذا نهياً عن البخل كان قوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} نهياً عن الجود، ولا يحتمل أن ينهى أحد عن البخل والجود؛ لأنهما غريزتان طبعيّتان، ولا ينهى أحد عما كان سبيله الطبع والغريزة، ولكن ما ذكرنا - والله أعلم - من كف اليد وقبضها عن الإنفاق في الحق و [ذي] الحق، وبسطها في غير الحق وذي الحق.
وقال أبو بكر الأصم: دل قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} أن قول اليهود:
{ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ } [المائدة: 64]: أنهم لم يريدوا حقيقة اليد، ولكن التضييق والتقتير، وكذلك لم يرد بقوله: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } [المائدة: 64] - حقيقة بسط اليد، ولكن أراد التوسيع في الرزق والتكثير؛ ألا ترى أنه قال: { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ } [المائدة: 64].
ثم يحتمل الخطاب في هذه الآيات الوجوه الثلاثة التي ذكرنا فيما تقدم في غير موضع:
أحدها: أنه خاطب رسوله بذلك كله، وشارك فيه قومه، وفي القرآن كثير أنه خاطب رسوله بأشياء فيشرك قومه في ذلك.
والثاني: خاطب كلاًّ في نفسه نحو ما ذكرنا في قوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ } [الانفطار 6، الانشقاق: 6]، و { يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } [البقرة: 21]، وقوله: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1]، و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلْفَلَقِ } [الفلق: 1] و { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ } [الناس: 1] ونحوه من الخطابات، خاطب كل أحد في نفسه؛ إذ لا يحتمل أن يخاطب في: { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1] رسول الله خاصة، ولا يخاطب غيره؛ بل الخطاب به كل الناس وكل إنسان.
والثالث: خاطب رسوله على إرادة غيره على سبيل الخصوصية له، نحو ما يخاطب ملوك الأرض خواصهم وأعقلهم من رعيتهم؛ على إرادة ذلك الخطاب غير المخاطبين؛ فعلى ذلك يحتمل هذا، أو أن يكون خاطب بقوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ} غيره ممّن يمسك، ويخاطب بقوله: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ} رسول الله؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتمل أن يكون ما ذكر، وقد يحتمل البسط؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عزّ وجلّ -: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً}.
يحتمل قوله: {مَلُوماً}: عند نفسك وعند الناس، تلوم نفسك بأنك: لم أنفقت؟! وعند الناس: لمَّا لَمْ تجد ما تنفق عليهم؛ وعند الله - أيضاً - إذا أنفقت في غير حق.
{مَّحْسُوراً}: قال القتبي: أي: تحسرك العطية وتقطعك، كما يحسر السفرُ البعيرَ فيبقى منقطعاً:
وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة، يقال: حسر الرجل فهو محسور، وقال: التبذير: الفساد، و {مَلُوماً}، أي: ملوماً محزوناً.
وقوله - عزّ وجلّ -: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}.
أي: هو يوسع الرزق على من يوسع، وهو يقتّر ويضيّق على من يضيق ويقتر، أي: ذلك إلى الله لا إلى الخلق؛ ليقطعوا الرجاء من الخلق، ويروا ذلك من الله لا يرون من غيره.
والثاني: ذكر هذا؛ ليدوم الفضل لمن ذكر الفضل، ويتبين لهم حيث قال:
{ ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } [الإسراء: 21].
ومن الناس من قال بأن قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} صلة قوله: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ}، يقول - والله أعلم - إنك إن منعته وحرمته، وكان في تقدير الله التوسيع عليه والبسط - لم يضره منعك ولا حرمانك، ولو وسعت عليه وبسطت، وكان في تقديره التضييق والتقتير لم ينفعه بسطك ولا توسيعك؛ ليعلموا أن التوسيع والبسط، والتضييق والمنع من الله، أو ذكر ليقطعوا الرجاء من الخلق ويطمعوا في رحمته وفضله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً}.
أي: عالماً بأعمالهم، بصيراً بمصالحهم وما لهم وما عليهم، أو أن يكون الخبير والبصير واحداً، أو ذكر هذا؛ ليعلم أنه على علم بما يكون - منهم أنشأهم -: من الخلاف لأمره والردّ والتكذيب لرسله، ولم يخرج فعله وإنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم عن الحكمة؛ لأنه لا منفعة له في طاعتهم إياه وائتمارهم، ولا مضرة ولا منفعة في خلافهم إياه؛ بل المضرة والمنفعة في ذلك راجعة إليهم؛ لذلك كان إنشاؤه إياهم على علم بما يكون منهم حكمة، ومن ملوك الأرض سفهاء وجهلاء؛ لأن ما يرسلون من الرسل، ويعملون من الأعمال، ويسعون لمنافع أنفسهم، ولدفع مضارّهم؛ فإذا فعلوا شيئاً يضرهم - على علم منهم بالضرر - كان ذلك سفها، والله أعلم.