التفاسير

< >
عرض

فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً
٧١
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
٧٢
قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً
٧٣
فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً
٧٤
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
٧٥
قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً
٧٦
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً
٧٧
قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً
٧٨
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
٧٩
وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً
٨٠
فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً
٨١
وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً
٨٢
-الكهف

تأويلات أهل السنة

قوله: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}.
هذا الكلام يخرج على وجهين:
يخرج على الإنكار عليه، أي: خرقتها؛ لتغرق أهلها، أو لتعيبها، أو لماذا هذا الخرق؟ استفهام لولا قوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}.
فإن كان على الأول على الإنكار عليه والردّ - فقوله: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً}: ظاهر، أي: جئت شيئاً عظيماً شديداً.
وإن كان على الاستفهام، فهو على الإضمار؛ كأنه قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟! فلئن خرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئاً إمرا عظيماً شديداً؛ وإن كان التأويل على الإنكار - فهو كما يقال لمن يبني بناء ثم يترك الإنفاق عليه في عمارته: بنيت لتخرب أو لتهدم، وكما يقال لمن زرع زرعاً، ثم ترك سقيه: زرعت لتفسده، ونحوه، وإن كان لم يبن لذلك، ولم يزرع لما ذكر، ولكن لما كذلك يصير في العاقبة إذا ترك سقيه أو عمارة ما بنى.
فإن قيل: كيف قال له موسى: {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}، وبعد لم يعلم أن ذلك الخرق مغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق؟!
قيل: إنما أخبر عما يئول الأمر في العاقبة، والظاهر من الخرق أن يغرق في الآخرة، وهو كما ذكرنا من أمر البناء والزرع: بنيت لتخرب، وزرعت لتفسد، وإن لم يكن بناؤه وزراعته لذلك، فعلى ذلك قول موسى لصاحبه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}.
هذه الآية [ترد] على المعتزلة؛ لأنه قال له: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}: دل أنه كان يحتاج إلى استطاعة تقارن الفعل لا تتقدم الفعل فيكون بها الفعل، وإلا قد كانت له أسباب لو لم يؤثر غيرها لاستطاع الصبر معه؛ دل أن استطاعة الفعل [لا تتقدم على الفعل] ولكن تقارنه.
وقال الحسن: إنما يقال هذا؛ للاستثقال كما يقول الرجل لآخر: لا أستطيع أن أنظر إليك بغضا، وهو ناظر إليه، لكن يقال ذلك على الاستثقال والبغض ليس على حقيقة نفي الاستطاعة؛ فعلى ذلك الأوّل، فيقال له هو كما يقال: لا أستطيع أن أنظر إليك نظر الرحمة، فهو وإن كان ناظراً إليه لما ذكر - فهو غير ناظر إليه نظر رحمة وشفقة؛ فهما سواء وهو ما يقوله، والله أعلم.
وقوله عز وجل: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}.
يحتمل هذا الكلام وجوهاً:
أحدها: على التعريض من الكلام، أي: لا تؤاخذني بما لو نسيت؛ كقول إبراهيم حيث قال:
{ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي... } [الصافات: 88-89]، ونحوه، أي: سأسقم.
والثاني: على حقيقة النسيان؛ نسي قوله: {فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ} بعدها؛ لما رأى من المناكير في الظاهر، وهكذا كانت عادة الأنبياء أنهم إذا رأوا منكرا لا يملكون أنفسهم حزناً وغضباً على ما رأوا فلا ينكر أن يكون نسي ما قال له.
وقال بعضهم: على التضييع والترك، فهو يخرج على الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً}.
قال بعضهم: لا تكلفني من أمري ما يعسر عليّ.
وقال بعضهم: الإرهاق: هو الشدة والتعب.
وقال بعضهم: {وَلاَ تُرْهِقْنِي}، أي: لا تغشني عسراً.
وقوله: {فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}.
يحتمل هذا الكلام - أيضاً - وجهين:
على الإنكار، والردّ عليه.
والثاني: على الاستفهام والسؤال على ما ذكرنا في الأول: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس؟ أو بحق؟ أو لماذا؟
أو على الإنكار والردّ على ما رأى في الظاهر قتل نفس ولم يعرف الوجه الذي به يجب القتل.
وقوله - عز وجل -: {لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً}.
هو على ما ذكرنا على الإنكار ظاهر، وعلى الاستفهام والسؤال على الإضمار: أقتلت نفساً زاكية بغير نفس فلئن فعلت لقد جئت شيئاً نكراً، أي: منكراً:
ثم اختلف في قوله: {نُّكْراً}.
قال بعضهم: {نُّكْراً}: أكبر من قوله: {إِمْراً} لأن فيه مباشرة القتل وإهلاك النفس بغير نفس؛ فهو أكبر وليس في نفس الخرق إهلاك، وإنما هو سبب الإهلاك، وقد يجوز ألا يهلك.
وقال بعضهم: قوله: {إِمْراً} أكبر من قوله: {نُّكْراً}؛ لأن فيه إهلاك جماعة، وهاهنا إهلاك واحد، فهو دون الأول، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}.
ما ذكرنا في الأوّل.
وقوله: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً}.
في ترك المصاحبة عذر؛ لما قلت لي: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، ولم أصبر.
وقوله: {فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ}.
سمّى: قرية، وهي كانت مدينة؛ ألا ترى أنه قال في آخره: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ}؛ دل أنها كانت مدينة، والعرب قد تسمي المدينة: قرية.
وقوله: {ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ}.
قال الحسن: كان ذلك الجدار بهيئة عند الناظر أنه يسقط.
وقال أبو بكر الأصم: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ} الإرادة: صفة كل فاعل له حقيقة الفعل، أو ليس له حقيقة الفعل، بعد أن يضاف إليه الفعل، ألا ترى أنه يقال للجدار: سقط، وإن كان في الحقيقة يسقط.
وعندنا أنه: إنما يقال ذلك لقرب الحال، وعند الإشراف على الهلاك والسقوط؛ ألا ترى أنّ الرجل يقول: إن أردت أن أموت، وأردت أن أهلك، وأردت أن أسقط، وهو لا يريد الموت ولا السقوط؛ ولكنه يذكر ذلك لإشرافه على الهلاك وقرب الحال إليه، ليس على حقيقة الإرادة؛ فعلى ذلك قوله: {يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ}، أي: شرف وقرب على حال السقوط، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}.
هذا القول من موسى يحتمل وجهين:
أحدهما: قال: {لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}؛ لشدة حاجته إلى الطعام؛ لئلا يقع لهما حاجة إلى أهل تلك البلدة؛ إذ قد وقع لهما إليهم حاجة؛ حيث قال: استطعما من أهلها مرة فلم يطعموهما؛ فأراد أن يأخذ على ذلك أجراً؛ لئلا يقع لهما حاجة إليهم ثانياً.
والثاني: قال له ذلك، لما لم ير أهل تلك البلدة أهلا ليصنع إليهم المعروف؛ لما رأى فيهم من البخل والضنة في الطعام؛ حيث استطعماهم فلم يطعموهما؛ بخلا منهم وضنة، والله أعلم.
وذكر في بعض القصّة أن الجدار الذي أقامه صاحب موسى كان طوله خمسمائة ذراع، وقامته مائتي ذراع، وعرضه أربعين ذراعاً، أو نحوه تحته طريق القوم، لكن لا حاجة لنا إلى معرفة ذلك؛ إنما الحاجة إلى ما فيه من أنواع الحكمة والفوائد.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً}.
أي: سأنبئك بيان ما قلت لك: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، ثم بين وفسره له؛ فقال: {أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}.
أي: أجعلها معيبة.
[و]قوله: {وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ}:
ذكر في بعض الحروف: (وكان أمامهم ملك).
{يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً}.
فعلى ذلك التأويل فيه {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}، أي: أجعلها معيبة، لئلا يأخذها ذلك الملك غصبا؛ إذ كان لا يأخذ إلا سفينة صالحة صحيحة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ}.
اختلف في سن ذلك الغلام:
قال بعضهم: كان ذلك الغلام كبيراً بالغاً، والعرب قد تسمّي الرجل البالغ الذي لم يلتح بعد - أولم تستو لحيته - غلاماً؛ لقربه بوقت البلوغ، ولذلك قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}، والصغير مما لا يقتل إذا قتل نفسا بغير حق؛ فلو كان صغيراً لم يكن لقول موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ} [معنى]، وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
"إِنَّ أَيْمَانَكُم تحقنُ دِماءكم إذا ظهر منهم الدَّم وكقوله: لولا الأَيْمَانُ لَكَان لِي وَلَهَا شَأْنٌ" إذا ظهر منها الزنا، فعلى ذلك قوله: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ}: لو كانت محتملة القتل بالنفس، والله أعلم.
ثم اختلف في سبب قتل ذلك الغلام:
قال بعضهم: قتله؛ لكفره، كان كافرا، وكذلك في حرف أبيّ بن كعب: (وأمّا الغلام فكان كافراً)؛ ألا ترى أنه قال: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}: دل هذا أنّه كان بالغاً كافراً؛ إذ لو لم يكن كافراً لم يلحق والديه منه الطغيان والكفر.
وقال بعضهم: إنما قتله؛ لأنه كان لصّاً قاطع طريق؛ يقطع الطريق على الناس ويأخذ أموالهم.
وعلى قول من يقول: إنه كان صغيراً، قتله؛ لأنه علم أنه لو بلغ كان كافراً، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك السبب الذي قتله - حاجة، ولا أنه كان صغيرا أو كبيرا؛ لأنه أخبر أنه إنما قتله بأمر الله لا من تلقاء نفسه؛ حيث قال: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}، ولكن إنما فعلته بأمر الله، ولله أن يأمر عبداً من عباده بقتل الصغير على ما له أن يميته وعلى ما يأمر ملك الموت بقبض أرواح الخلق؛ فعلى ذلك له أن يميته على يدي آخر، وأن يقبض روحه؛ إذ له الخلق والأمر.
وقوله - عز وجل -: {فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً}.
ليس هو الخوف، ولكن العلم، أي: علمنا أنه يرهقهما طغياناً وكفرا، وكذلك ذكر في حرف أبيّ.
فإن قيل: كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان والكفر، وقد ترك، إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر، على علم منه أنهم يحملون الناس على الطغيان والكفر، ويرهقونهم أنواع المعاصي والفواحش؟! وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس ثم تركهم على علم منه بما يكون منهم؟! فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من إرهاق الطغيان والكفر بالوالدين؟!
قيل: لهذا جوابان:
أحدهما: أن الله - تعالى - قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء، تحملهم تلك المعاني والأشياء على الرغبة والحث فيما امتحنهم، وإن كان له الامتحان لا على تلك المعاني والعلل، نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا، وإن كان له الامتحان بذلك على غير ثواب ولا جزاء، وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن؛ فعلى ذلك الأول.
والثاني: ذكر هذا لتطيب به أنفسهم؛ إحساناً منه إليهم، وإنعاماً عليهم؛ إذ له أن يميتهم صغاراً وكباراً، وعلى ذلك يخرج قوله:
{ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ... } الآية [الشورى: 27]، وقد وسع على كثير من الخلق، وكذلك قوله: { وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً... } الآية [الزخرف: 33]، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك، لكن هذا لما له أن يفعل ذلك للكل، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحساناً منه وإفضالا؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحساناً منه وإفضالا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً}.
قال بعضهم {خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً}، أي: صلاحاً، {وَأَقْرَبَ رُحْماً}: أي: أوصل رحما وأبرّ لوالديه.
وقال بعضهم: {خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً}، أي: عملا، {وَأَقْرَبَ رُحْماً}، أي: أحسن منه برّاً لوالديه.
قال أبو عوسجة: {رُحْماً}، من الرحم والقرابة.
وقال القتبي: {رُحْماً}، أي: رحمة وعطفا.
وذكر أنهما قد أعطيا خيراً منه، أي: خيراً من القتيل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَمَّا ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا}.
اختلف في ذلك الكنز:
قال بعضهم: كان ذلك الكنز مالا كنزه أبوهما.
قال ابن عباس: حفظ؛ لصلاح أبيهما، ما ذكر منهما صلاح.
وقال بعضهم: كان ذلك الكنز مصحفاً فيها علم.
قال أبو بكر الأصم: لا يحتمل على أن يكون علماً؛ لأن العلم ممّا يعلمه العلماء ويشترك الناس فيه؛ فلا يحتمل أن يحفظ ذلك لهما دون الناس؛ فإن ثبت وحفظ ما روي في الخبر فهو مال وعلم.
وروي عن ابن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"كَانَ تَحْتَ الجِدَارِ الَّذِي قال الله فِي كِتَابِه {وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا} لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مَكْتُوبٌ: بِسْمِ الله الرحمن الرحيم، عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالمَوتِ كيفَ يفرح وَعَجِبْتُ لمن أَيْقَنَ بالقدر كيفَ يحزَنُ؟! [و]عَجِبتُ لمن أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا؟! لا إله إلا الله، محمد رسول الله" فإن حفظ هذا عن رسول الله ففيه مال وعلم؛ لأن اللوح من الذهب مما يكثر ويعظم قدره، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة، والله أعلم.
وقوله: {فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}.
أي: نعمة من ربك وإحساناً عليهما؛ إذ كان [له] ألا يحفظ ذلك لهما، ولا يوصله إليهما على ما لم يعط لكثير من اليتامى والمساكين شيئاً من ذلك، لكن ذلك منه إليهما فضل وإنعام ورحمة عليهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}.
هو ما ذكرنا أنه أخبر عن أمر الله فعل ما فعل، لا عن أمر نفسه.
وقوله - عز وجل -: {ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً}.
أي: تأويل ما قلت لك في بدء الأمر: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، ثم لا يحتمل أن يكون موسى حيث أمر بالذهاب إلى ذلك الرجل والاتباع له والصحبة معه؛ ليتعلم منه العلم، فلم يستفد منه إلا علم ما أنكر عليه، وسبب حل ذلك له؛ إذ كان ذلك بإنكار ما أنكر عليه من الأفعال التي هي في الظاهر منكرة، لكن جائز أن يكون استفاد منه علوماً كثيرة سوى ذلك، لكنه لم يذكر لنا ذلك، والله أعلم.
وقول أهل التأويل: اسم الغلام الذي قتله صاحب موسى "خشنوذ"، أو لا أدري ماذا؟ ووالداه: اسمهما كذا، لا نعلم ذلك، وليس لنا إلى معرفة أساميهم حاجة، وكذا اسم الغلامين اليتيمين صاحبي الجدار: أصرم وصريم، ولا أدري ماذا؟ [و] لا حاجة بنا إلى ذلك.
وقولهم: كان صاحب موسى خضرا، وأنه إنما سمى: خضراً؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاخضرت؛ فذلك - أيضاً - مما لا يعلم إلا بالخبر عن الوحي - وحي السماء - فلا نقول فيه إلا قدر ما ذكره الكتاب؛ فإنه يخرج ذكره مخرج الشهادة على الله من غير حصول النفع لنا في ذلك عمل أو غيره، وليس في الكتاب إلا ذكر عبد من عبادنا، وذكر الغلام، وذكر الفتى، وذكر غلامين يتيمين في المدينة، وأمثاله يقال ما فيه ولا يزاد على ذلك؛ مخافة الشهادة على الله بالكذب، والله أعلم.