التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
٢٦٧
ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
٢٦٨
يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ
٢٦٩
وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ
٢٧٠
إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
٢٧١
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}.
فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: {مَا كَسَبْتُمْ}؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله تعالى بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع، وليس فيه سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية. وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب. وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب. وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: {إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.
وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضروات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض. وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضروات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.
قال الشيخ -رحمه الله تعالى -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض. وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - فإنهما قالا: يحتمل قوله: {أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ}، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله تعالى:
{ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً } [الأعراف: 26]، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: { خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ } [فاطر: 11]، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم - عليه السلام - فعلى ذلك الأول. والله أعلم.
والوجه فيه: أنه منَّ الله تعالى علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها. وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقاً للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعاً. ومن ثم جاز وجوب العشر على الفقير؛ ألا ترى إلى قوله تعالى:
{ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ } [الواقعة: 63-64] وقوله: { فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } [النمل: 60]، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟ وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا. والله أعلم.
وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}، دلالة على ألا يتصدق بالرديء عن الجيد. فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد -رحمه الله تعالى - بظاهر قوله: {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ}. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله تعالى عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله - تعالى - أطمع الناس قبول ذلك إذ تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمة ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة.
وقوله تعالى: {ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
قوله: {يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ} في الدنيا بالتصدق والإنفاق، {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} بترك الصدقة.
ويحتمل: {يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ}، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، {وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} بسوء الظن بربه.
{وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} بالصدقة، و{وَفَضْلاً} ذكراً في الدنيا.
ويحتمل قوله: {وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ} في الآخرة، و{وَفَضْلاً} في الدنيا، يعني خَلَفاً.
وقيل: {مَّغْفِرَةً} لفحشائكم، و{وَفَضْلاً} لفقركم.
وقوله: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتكم، {عَلِيمٌ} بجزاء صدقاتكم.
ويحتمل: {عَلِيمٌ} ما تنفقون من الصدقة والحسنة.
وفي قوله: {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، و{ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}، ونحوه [دلالة أن الله - تعالى -] إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقراً.
وقوله تعالى: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}.
قيل: {الْحِكْمَةَ} في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره. وهو قول ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - وكذا روي مرفوعا.
وقيل: {الْحِكْمَةَ} الفهم في القرآن.
وقيل: الفقه.
وقيل: {الْحِكْمَةَ} النبوة.
وقيل: {الْحِكْمَةَ} هي الإصابة. وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده.
قال الشيخ -رحمه الله تعالى - في قوله: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}: اختلف في تأويل {الْحِكْمَةَ} في هذا:
قال قوم: {الْحِكْمَةَ} هي القرآن، وهو على ما وصفه
{ نُوراً } [الأنعام: 91] و { وَهُدًى } [الأنعام: 91]، و { رُوحاً } [الشورى: 52]، و { وَشِفَآءٌ } [يونس: 57] والنور: هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقي كل تلف، وبالروح يحيي كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة. والذي هذا وصفه فهو الخير. وبالله التوفيق.
وقال قوم: {الْحِكْمَةَ} هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقي كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة.
وقال بعضهم: {الْحِكْمَةَ}، هي السنة، كأنه أكرم رسوله صلى الله عليه وسلم بالذي من سلكه نجا، ومن حاد عنه غوى.
وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه [ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه].
وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها. وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور. والله أعلم.
وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر. وذلك عمل الحكماء ورعاة الدين. ولا قوة إلا بالله.
وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل. ولا قوة إلا بالله.
وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير. وبالله المعونة.
وفي الآية دلالة أن الله تعالى لا يؤتي كلاًّ الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلاً للحكيم فبعطاء الله تعالى نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحداً ثم لا ينالها المعطي. وهذه الوجوه كلها تخالف رأي المعتزلة.
وقوله تعالى: {فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.
وقوله تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ} يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.
وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ}، ثم قال: {وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}، ولا كل أحد يؤتي الحكمة، إنما يؤتي بعضاً دون بعض. فلو كان على الله تعالى أن يعطي الأصلح في الدين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل. ومن قال: يؤتي غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.
وقوله: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
يحتمل: نفقة المحارم.
ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.
ويحتمل: المفروض من الصدقات.
ويحتمل غيرها.
ثم روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ} قال:
"من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به" .
فيه تنبيه وتذكير أن الله تعالى يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به.
وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ}.
قيل: يقبله.
وقيل: يأمر بوفائه.
ويحتمل قوله: {يَعْلَمُهُ} أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك.
ويحتمل: {يَعْلَمُهُ}: ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض.
وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}.
في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب.
وقيل: ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير.
وقوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
قال بعضهم: هي الفريضة.
وقال آخرون: هي التطوع. وهو أَوْجَه.
وقال غيرهم: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ}، هي الفريضة، {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ} هي التطوع.
قال الشيخ -رحمه الله تعالى -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيراً من الفريضة. ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها. ومنهم من يستحب الإخفاء أيضاً، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه:
أحدها: الصدقة.
والآخر: ترك المراءاة وسلامتها.
والثالث: الكف عن المن والأذى.
ومنهم من حمل قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ} على الفريضة، و{وَإِن تُخْفُوهَا} على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم. والله أعلم.
وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - في قوله: {إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...} الآية، جعل الله - تعالى - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.
وفي بعض الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد من العمر" .
وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّاً فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.
وقوله تعالى: {وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ}:
فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها لا يكفر.
وقيل: إن "من" هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله تعالى:
{ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ } [هود: 114].
وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الضغائر. فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخدلون صاحب الكبائر في النار، والله تعالى أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة. والله الموفق.
وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}:
فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة.
ويحتمل: {تَعْمَلُونَ}، من جزائكم للصدقة.