التفاسير

< >
عرض

يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ
٤٠
وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ
٤١
وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٤٢
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ
٤٣
أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
٤٤
وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ
٤٥
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ
٤٦
-البقرة

تأويلات أهل السنة

قوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}.
يحتمل وجوهاً:
يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله:
{ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ } [المائدة: 20].
ويحتملُ {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله تعالى:
{ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ... } الآية [الأعراف: 141].
ويحتمل: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.
وقيل: نعمتُه محمدٌ صلى الله عليه وسلم بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.
كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.
فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.
وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.
وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ}.
قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين:
عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.
وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله تعالى:
{ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي... } الآية [المائدة: 12].
وكقوله:
{ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ... } الآية [المائدة: 12].
وكقوله:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ... } الآية [آل عمران: 187].
وقوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}.
الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله:
{ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ... } الآية [المائدة: 12].
ويقال: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.
ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله:
{ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ... } الآية [آل عمران: 81]، { وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } [آل عمران: 187] فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد صلى الله عليه وسلم والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ}.
أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.
وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.
وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ}.
قوله: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} على نبيِّي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن.
{مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ}.
أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.
وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.
أو يحتمل قوله: {مُصَدِّقاً} أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد. فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.
فقال عز وجل: {مُصَدِّقاً} أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.
ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.
وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله:
{ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً } [النساء: 82].
وقوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}.
قيل فيه بوجهين:
قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.
وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.
وقيل: هم أول من التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.
فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.
وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً}.
قيل: بحجتي:
قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله:
{ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } [البقرة: 16، 175].
وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.
وقوله: {وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ}.
أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي. وقد ذكرناه.
وقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ}.
يحتمل وجوهاً:
يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.
ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تثبتوا غيره. وكله يرجع إلى واحد.
ثم {ٱلْحَقَّ} يحتمل وجوها:
يحتمل: محمداً صلى الله عليه وسلم ونعته.
ويحتمل الحق: القرآن.
ويحتمل الحق: الإيمان.
والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.
وقوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.
وقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ}.
يحتمل وجوهاً:
يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله:
{ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } [التوبة: 5]، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.
قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.
ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.
ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.
وقوله عز وجل: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.
وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأَصحابه بالجماعة.
وفيه أمر بحضور الجماعة.
وقيل: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ} أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.
وقوله عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ} يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ولا تأمرونها باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!
وقوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ}.
أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.
وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}.
أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.
وقيل: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ} يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.
ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.
{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره. والله أعلم.
وقوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}.
يحتمل وجوهاً:
يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ} إلى قوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ} والله أعلم.
ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد صلى الله عليه وسلم، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.
ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ:
"حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" .
ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.
لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ}.
وإنما يصلح هذا التأويل في قوله:
{ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ... } الآية [البقرة: 153].
وقوله عز وجل: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}.
يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.
ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد صلى الله عليه وسلم والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.
ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.
وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.
وقوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ}.
قيل فيه بوجوه:
قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.
وقيل: الخاشع؛ المتواضع.
وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.
وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.
وقوله عز وجل: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ}.
يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.
وقوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ}.
أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.
قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن. والهمّةُ بين هذين.