التفاسير

< >
عرض

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ
٩
إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى
١٠
فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ
١١
إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى
١٢
وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ
١٣
إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ
١٤
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ
١٥
فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ
١٦
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ
١٧
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ
١٨
قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ
١٩
فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ
٢٠
قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ
٢١
وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ
٢٢
لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ
٢٣
-طه

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: و {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً}، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب:
قال الحسن وأبو بكر: قوله {وَهَلْ أَتَاكَ}، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبئه.
وقال بعضهم: {هَلْ أَتَاكَ}، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.
وقوله - عز وجل -: {فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً}:
قيل: رأيت ناراً، وقيل: علمت ناراً؛ {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟ وفي أيّ وقت؟ لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال:
{ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً } [القصص: 29]، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: { لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } [القصص: 29] فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: { لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } [القصص: 29].
قال أبو عوسجة: {لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ} القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبساً، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست ناراً، واقتبست - أيضاً -: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.
وقال القتبي: {آنَسْتُ نَاراً}: أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله:
{ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً } [النساء: 6] أي: علمتم منهم رشداً.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى}:
هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: {أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى}، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.
أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ} نداء وحي {يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ}:
قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.
وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.
وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعاً، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسّر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟ إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}:
المقدّس: المطهر، ولعلّه سماه مطهراً؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهراً؛ لمعنى خصّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصّ بقاعاً بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.
وقوله - عز وجل -: {طُوًى}:
قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادي المبارك حافياً.
وقال بعضهم: {طُوًى}: قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: {طُوًى} يقول: يطوي مسيره.
نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسّر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ} إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله:
{ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي... } الآية [طه: 41]، وقال في آية أخرى: { إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } [مريم: 51] أخلصه الله لنفسه بأشياء.
وقوله: {فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ}:
هذا يدل أن النداء الّذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: {فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ}.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي} وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أوّل ما أمروا بذلك.
وقوله - عز وجل -: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}:
قال بعضهم: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} لتكون ذاكراً لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به إنّما يذكر في الصّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الربّ، أو أن يكون قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ}، أي: لتذكرني بها يا موسى.
وقال قائلون: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ} إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.
وجائز أن يكون قوله: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} أي: أقم الصّلاة لتستوجب بها ذكرى. وقال القتبي: {وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ} أي: لتذكرني فيها.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا}:
قال الحسن: {أَكَادُ} صلة، كأنّه قال: إن السّاعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبيّ بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين:
أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: {رُّوحِي} و {رُوحَنَا}، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله أعلم.
والثاني أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم، فكيف من دونهم؟ فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله:
{ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } [محمد: 7] والله لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: { يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ } [البقرة: 9] والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم.
هذا على إسقاط قوله: {أَكَادُ} وجعله صلة، وأما على إثبات {أَكَادُ} فهو على وجهين.
أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.
والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.
وقال ابن عباس قريباً من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟! أي: لا أظهر عليها أبداً غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله:
{ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } [يونس: 54] أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملاً في الأمرين جميعاً، وكذلك قال أبو عوسجة: {أُخْفِيهَا}، أي: أظهرها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ}، أي: لهذا ما أخفيها {لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ}؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعاً؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا}، أي: عن الإيمان بها {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} يعني: السّاعة، والله أعلم.
لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا {فَتَرْدَىٰ} أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا...} الآية كأن موسى - صلوات الله عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ}: أنه يسأله عن اسمها [أو] عما له فيها؟ فأجاب الأمرين جميعاً عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}.
ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنّه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.
أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصاً، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، والله أعلم.
{قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ} ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاماً لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحراً ولا كهانة، والله أعلم.
ثم قوله: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ} على ما كانت في الحالة الأولى عصاً، كأنه موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى:
{ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً } [النمل: 10] فعند ذلك قال له: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ}، وأخبره أنه يعيدها عصاً على ما كانت، والله أعلم.
وفي قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.
قال أبو عوسجة: {فَتَرْدَىٰ}، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل: إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.
وقوله: {أَتَوَكَّأُ}، أي: أستعين بها على المشي.
وقوله: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي}، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه، والهش: الكريم، والبشّ: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب - أيضاً -: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إرباً أقساماً: أي: جزأته أجزاء.
وفي قوله: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ} دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربّه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيماً لأمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ}، وقال في آية أخرى:
{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ } [النمل: 12]، وكأن في هذا تفسير الأوّل.
وقوله: {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}: قال عامة أهل التأويل: {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: {مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: من غير برص بك {آيَةً أُخْرَىٰ} سوى آية العصا.
وجائز أن يكون {بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ} أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأنّ التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ}.
قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في العصا.
[وقال قائلون:] آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدلّ على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.
وجائز أن يكون قوله: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ} التي ذكر في آية أخرى، هو قوله:
{ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ... } الآية [الإسراء: 101]، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ [لا] أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.
أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله:
{ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } [الزخرف: 48] هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: { لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } [النساء: 11] هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم.