التفاسير

< >
عرض

وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ
١١
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ
١٢
لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ
١٣
قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
١٤
فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ
١٥
-الأنبياء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً}.
قصمنا: أهلكنا، وأصل القصم: الكسر، يخوف أهل مكة بتكذيبهم محمداً ما نزل بأولئك بتكذيبهم الرسل.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ}.
وقوله - عز وجل -: {فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ}.
قوله: {أَحَسُّواْ} قال بعضهم: علموا بالعذاب، إذا هم يركضون، أي: يفرون ويهربون.
وقال بعضهم: يعدون، وهو واحد.
وقوله - عز وجل -: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ}.
أي: أنعمتم فيه: مساكنكم، مثل هذا يخرج مخرج الاستهزاء بهم.
وقوله - عز وجل -: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}.
قال بعضهم: تعذبون.
وقال بعضهم: تحاسبون.
وقال بعضهم: لعلكم تسألون الإيمان كما سئلتموه قبل نزول العذاب.
وقيل: لعلكم تسألون عن قتل نبيكم؛ لأنهم قتلوا نبيهم، تسألون فيم قتلتموه؟
وقال بعضهم: كان هذا في نازلة - والله أعلم - تلقتهم الملائكة وهم هاربون فارون، فقالوا لهم: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} استهزاء بهم.
وقال بعضهم: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}: تفقهون.
قال أبو عوسجة: {أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ}: قال: الضغث: ما لا تأويل له، ويقال: حلم وأحلام، ويقال: حلم يحلم حلما فهو حالم: إذا رأى شيئاً في النوم، واحتلم يحتلم، لا يكون مثل حلم يحلم، ويقال من الحلم: حلم حلما فهو حليم، ويقال: حلمته، أي: جعلته حليما، والافتراء: الكذب، والشاعر: إنما سمي: شاعراً؛ لأنه يشعر من الكلام ما لا يشعر به غيره، والقصم: الكسر، والمراد منه الهلاك، قصمه غيره وانقصم بنفسه، أي: انكسر، وقال: {أَحَسُّواْ}، أي: استيقنوا بعذابنا، ويقال: أحسست، أي: وجدت، وأحسست: علمت واستيقنت، يقال: أحسست: قطعت، وتحسست، أي: تخبرت، والمحسسة الفِرْجَون.
وقال: يركضون: يهربون {إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ} أي: أنعمتم ومتعتم، والإتراف: الإكرام.
وقال أبو عبيدة: {يَرْكُضُونَ} يعدون، وقوله: {لاَ تَرْكُضُواْ وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ}، ليس على الأمر، ولكن أي: لو رجعتم إلى ما أترفتم فيه، وكذلك
{ قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَٱنظُرُواْ... } [النمل: 69] كذا، ليس على الأمر، ولكن لو سرتم فانظروا كذا؛ فعلى ذلك قوله: {وَٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ}، أي: لو رجعتم لعلكم تسألون [كما كنتم تسألون] من قبل، فيخرج ذلك مخرج الاستهزاء جزاء لصنيعهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ}.
يقرون يومئذ بالظلم، لكن لا ينفعهم ذلك ويندمون على سوء صنيعهم، فيطلبون العودة إلى دنياهم؛ كقوله:
{ يٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } [الفجر: 24].
وقوله - عز وجل -: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ}.
أي: ما زالت تلك، أي قولهم: {قَالُواْ يٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} دعواهم، {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ}، فإن كان هذا القول منهم في الدنيا فيكون قوله: {حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ} بالقتل بالسيف والإهلاك.
وإن كان ذلك في الآخرة فيكون قوله: {حَصِيداً خَامِدِينَ} في النار في الآخرة، والله أعلم.
و {حَصِيداً}، أي: هالكاً وهو محصود، و {خَامِدِينَ}: كما يقال: خمدت النار: إذا طفيت.