التفاسير

< >
عرض

ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ
٣٠
حُنَفَآءَ للَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
٣١
ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ
٣٢
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ
٣٣
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ
٣٤
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلَٰوةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ
٣٥
وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٣٦
لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ
٣٧
-الحج

تأويلات أهل السنة

قوله: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} قوله: {ذٰلِكَ} جائز أن يكون الذي تقدم ذكره من قوله: {يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ...} إلى آخر ما ذكر ذلك الذي ذكر: {وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ}.
وجائز أن يكون لا على ذلك، ولكن حرف يذكر عند ختم قصّة والفراغ منها مبتدأ، لا على ربط شيء، نحو قوله:
{ هَـٰذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ... } [ص: 49] كذا { وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ... } [ص: 55] كذا، قوله: {وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ} {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ} يصح دون ذكر هذا، لكنه ذكر على ختم كلام الأوّل وابتداء آخر، فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} كذلك.
وقوله: {ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} كأنّه قال: ومن يعظم حرمات الله، وخرج للحج، وأنفق المال، وأتعب النفس فما له عند ربّه من الثواب، فذلك خير له من حفظ ماله وحفظ نفسه، وإلا لا شك أن من عظم حرمات الله خير له ممن لم يعظمها.
وقوله - عز وجل -: {وَأُحِلَّتْ لَكُمُ ٱلأَنْعَامُ}، وفي حرف ابن مسعود: (وأحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم) من المحرمات من الميتة والدم، وما ذكر في سورة المائدة، وقد ذكرنا هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} جائز أن يكون قوله: {فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ} وهم الأوثان.
وجائز أن يكون قوله: {فَٱجْتَنِبُواْ} عبادة الأوثان فإنه رجس، وليس فيه أن غير الأوثان ليس برجس، كقوله:
{ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ } [الإسراء: 31] ليس فيه أن يحل قتل الأولاد في غير خشية الإملاق، فعلى ذلك هذا.
وقوله: {وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} يحتمل كل قول زور.
ويحتمل الزور الذي قالوا في الله من الولد والشريك وما لا يليق به.
{وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ * حُنَفَآءَ للَّهِ} تأويله - والله أعلم -: واجتنبوا قول الزور، وكونوا حنفاء لله غير مشركين به.
وقوله: {حُنَفَآءَ} قد ذكرناه.
وجائز أن يكون قوله: {غَيْرَ مُشْرِكِينَ} تفسير قوله: {حُنَفَآءَ للَّهِ} أي: كونوا مخلصين لله في جميع أموركم، غير مشركين به في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} يحتمل ضرب مثل من أشرك بالله بالسّاقط من السماء واختطاف الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق - وجوهاً:
أحدها: ما وصف وضرب مثله بشيء لا قرار له ولا ثبات، نحو ما قال:
{ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } [إبراهيم: 26]، ونحو ما قال: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً... } الآية [النور: 39]، ضرب مثل الكفر بشيء لا قرار له ولا ثبات، فعلى ذلك مثله بالساقط من السماء تخطفه الطير أو تهوي به الريح، لا يدري أين هو؟ ولا أين يطلب إن أرادوا طلبه؟ ولا يظفر به، فعلى ذلك الكافر.
والثاني: ضرب مثله بالسّاقط من السماء، وهي أبعد البقاع في الأوهام، لا ينتفع بمن سقط منها ولا بشيء من نفسه، ولا تبقى نفسه؛ فعلى ذلك الكافر لا ينتفع بشيء من محاسنه، ولا تبقى نفسه ينتفع بها لبعده عن دين الله.
والثالث: [الساقط] من السماء أثر سقوطه منها في نفسه وفي جميع جوارحه، وظهر ذلك كله فيه حتى لا يرجى برؤه وصحّته، فعلى ذلك الكافر يظهر آثار الكفر في نفسه وجوارحه؛ لبعده عن دين الله، والله أعلم.
وقال بعضهم: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به في هلاكه وبعده من الهدى، والسحيق: البعيد، وهو قريب مما ذكرنا.
وقوله: {ذٰلِكَ} هو ما ذكرنا في قوله:
{ هَـٰذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ } [ص: 55]، { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } [ص: 49].
وقوله - عز وجل -: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى ٱلْقُلُوبِ} تأويله - والله أعلم - أي: ومن يعظم شعائر الله بالجوارح، فذلك التعظيم من تقوى القلوب، وهكذا الأمر الظاهر في الناس: أنه إذا كان في القلب شيء من تقوى أو خير، ظهر ذلك في الجوارح، وكذلك الشر أيضاً إذا كان في القلب ظهر في الجوارح.
وقوله: {حُرُمَاتِ ٱللَّهِ} و {شَعَائِرَ ٱللَّهِ} قال بعضهم: هما واحد، وهي المناسك.
وقال بعضهم: الحرمات هي جميع محارم الله ومعاصيه يتقيها؛ تعظيما لها، وقد ذكرنا تأويل
{ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ } في سورة [المائدة: 2]، والسحيق: هو المكان البعيد، يقال: سحق المكان يسحق سحقا فهو سحيق: إذا بعد، والسحق أيضاً: الشيء الخلق، يقال: أسحق الثوب، وسحق يسحق سحقاً، وأسحق يسحق، والسحوق: النخلة الطويلة.
وقوله: {أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ} أي: تذهب به، يقال: هوى يهوي هواء، أي: ذهب بنفسه.
وقوله: {لَكُمْ فِيهَا} أي: فيما ذكر من الشعائر {مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} قال بعضهم: لكم فيها منافع من ظهورها وألبانها وأصوافها {إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}، أي: إلى أن تقلد وتهدى، {ثُمَّ مَحِلُّهَآ} إذا قلدت وأهديت {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}.
وكذلك يقول أصحابنا: إن من أوجب بدنة أو أهدى بدنة، لا يحل له الانتفاع بها ولا بشيء منها إلا في حال الاضطرار، فإذا بلغت محلها، وذبحت، حل الانتفاع بلحمها.
ومنهم من قال في قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: إلى وقت محلها من الرّكوب بظهرها، وحلب اللبن، وجزّ الصّوف، وغير ذلك مما كانوا ينتفعون بها من قبل، ويَرْوي في ذلك خبراً:
"رُوي أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ساق بدنة، فقال: اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، قال: اركبها ويلك" ، وبه يقول بعض الناس، يبيحون الانتفاع بالهدايا والقلائد قبل أن تنحر وتذبح، لكن عندنا ذلك في وقت الحاجة الشديدة المضطر إليها، ففي مثل ذلك يجوز الانتفاع بملك غير ببدل، فعلى ذلك بالهدايا ينتفع بها بما ذكرنا ويضمن ما نقصها ركوبه لها.
وجائز أن يكون قوله: {لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} إلى أن تهلك أو تهلكون أنتم، كقوله:
{ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } [البقرة: 36] أي: إلى وقت هلاكها، فعلى ذلك الأول.
ثم يكون قوله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} - والله أعلم - ابتداء سؤال سئل عن محل الهدايا والقلائد، فقال عند ذلك: {مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ}، والله أعلم.
والأول أشبه وأقرب لما ذكرنا.
وقوله: {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} ذكر البيت العتيق، ومعلوم: أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن إنما أراد به البقعة التي فيها البيت؛ لأن الدماء لا تراق في البيت إنما تراق في تلك البقعة التي هو فيها، الحرم كله منحر ومذبح، وأراد بقوله:
{ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ } [الحج: 29] نفس البيت؛ ألا ترى أنه قال هاهنا: {بِٱلْبَيْتِ}، فإنما يطاف به، وقال هنالك: {إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ}، أضاف إليه؛ دل أنه لم يرد به نفس البيت، ولكن البقعة التي فيها البيت، والله أعلم.
وقوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} قال بعضهم: المنسك: الموضع الذي يعبدون وينسكون فيه ويصيرون إليه لعبادتهم، ومن ثمة يقال للرجل العابد: ناسك؛ ولذلك قال من قال: {مَنسَكاً}، أي: يصيرون ويخرجون إليه للعبادة، وقال: المنسك: الدّين، وقال: الشريعة.
وقال بعضهم: المنسك: المنحر والمذبح.
وجائز أن يسمّى في اللغة الذبح: نسكاً، كقوله:
{ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [البقرة: 196] وهو الذبح، وقوله: { إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } [الأنعام: 162]، ولو كان النسك عبادة كذكر الصلاة وهي عبادة لكان لا يذكر النسك، فدل أنه أراد بالنسك الذبح.
وقوله: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ}، دل قوله: {لِّيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ} أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة، حيث ذكر اسم الله ولم يذكر الذبح، ففهموا من ذكر اسم الله الذبح؛ دل أنه من شرط جوازه وحله، سوى الشافعي فإن لم يفهم ما فهم الناس والأمم جميعاً، حيث لم يجعل ذكر اسم الله من شرط الذبيحة.
وقوله: {فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} كأنه ذكر قوله: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً} لقوم أنكروا الذبائح، فقال: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً}، أي: ذبحا ذبحوه، وذكروا اسم معبودهم عليه، ثم أخبر أن معبودهم واحد {فَلَهُ أَسْلِمُواْ}، أي: أخلصوا ذلك كله، {وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ} قال: المتواضعين.
وقال بعضهم: المطمئنين.
وقال بعضهم الخاشعين.
وقال بعضهم: كل مجتهد في العبادة هو المخبت.
ويقال: المخلصين.
وتفسير المخبت: ما ذكر على إثره، حيث قال: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...} الآية.
ومن قال: المخبت: المطمئن، قال: والخبتة: الطمأنينة.
قوله: {مَنسَكاً} و (منسِكا)، فيه لغتان:
قال الكسائي: من قرأ: (مَنِسكاً) بكسر السين فهو من نَسَك يَنْسِك، ومن قرأ: {مَنسَكاً} بالنصب فهو من نَسَكَ يَنْسَكُ، ثم لا خلاف بين أهل العلم في أن البدن التي تساق والهدايا التي تقلد في الحج والعمرة لا يجوز أن تنحر في غير الحرم، إنما اختلفوا في المحصر إذا أراد أن يحل أين ينحر ويذبح هديه الذي يحل به؟ وقد ذكرنا أقاويلهم واختلافهم في سورة البقرة.
ولم يختلف في أن معنى قول الله: {ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَىٰ ٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ} يدخل فيه الحرم كله على ما ذكرنا، وعلى [ذلك] رويت الأخبار: روي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"عرفة كلها موقف، ومنى كلها منحر، وكل فجاج مكة طريقٌ ومنحر" ، وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل عرفة موقف، وكل منى منحر" ، وفي بعض الأخبار: "في كل أيام التشريق ذبح" ، وعن علي - رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الجمرة، فرمى بها، ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر، ومني كلها منحر" ، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "إنما المنحر بمكة، ولكنها نزهت عن الدماء، ومني مكة" .
وقوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: خافت وفرقت؛ خوفاً منه {وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ} من المصائب والرزايا {وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} هذه الآية قد ذكرنا تأويلها في سورة الأنفال.
وقوله: {وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ} قال بعضهم: من فرائض الله.
وقال الحسن: من دين الله.
والأشبه أن يكون قوله: {مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ}، أي: من معالم دين الله وعبادته ونسكه؛ لأن الشعائر هي المعالم في اللغة، خصّت بها المناسك دون غيرها من العبادات فجعلها معالم لها، والبدنة سميّت: بدنة؛ لما تعظم في أنفسها وتبدن، ويقال للرجل إذا عظم في نفسه: بدن فلان.
وظاهر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" أن البدنة هي الجزور والإبل؛ حيث قال: "البدنة تجزئ عن سبعة، والبقرة تجزئ عن سبعة" فرق بين البدنة والبقرة بالذكر، والله أعلم.
وقوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} قال بعضهم: المنافع الحاضرة من الركوب، والحلب، والحمل عليها بعد ما قلدت وأوجبت هدياً.
وقال بعضهم: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} إلى أن تقلد، فإذا قلدت فلهم الأجر في الآخرة، وكأن هذا أشبه، أي: يكون قوله: {لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ} أي: الأجر في الآخرة؛ لأن الانتفاع بها لا يحل إذا أوجبت بدنة إلا في حال الاضطرار؛ لأنّه قال في آية أخرى:
{ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ } [المائدة: 2] وفي الانتفاع بها إحلال شعائره؛ لذلك قال أصحابنا: لا ينتفع بالبدن، وما روي عنه صلى الله عليه وسلم "أنه رأى رجلاً يسوق بدنة، فقال له: اركبها فقال: إنها بدنة يا رسول الله، فقال النبي: اركبها، فقال: إنها بدنة. فقال: اركبها ويحك" ، وفي بعض الأخبار: "ويلك"؛ فهذا عندنا لما رأى بالرجل الحاجة الشديدة إلى ركوبها، وهو ما ذكرنا: أن الانتفاع بها يجوز في حال الاضطرار، ولا يجوز في حال الاختيار؛ إذ الانتفاع بالمحرمات يجوز في حال الاضطرار، فعلى ذلك بالبدن التي جعلت معالم للمناسك، والله أعلم.
وقوله: {فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} دل هذا أن ذكر اسم الله من شرط الذبيحة؛ لأنه لم يذكر الذبح بنفسه، ولكن إنما ذكر: ذكر اسمه، فلولا أنهم فهموا من ذكر اسم الله عليها ذبحها ونحرها، وإلا لم يكتف بذكر اسمه دون ذكر الذبح؛ فدل أنهم إنما عرفوا ذلك به، وأنه من شرط جوازها، والله أعلم.
وقوله: {صَوَآفَّ}، فيه لغات ثلاث:
إحداها: (صوافي): أي بالياء، وهو من الإخلاص لله، والصفو له.
والثانية: (صوافن) بالنون، وهو من عقل ثلاث قوائم منها، وترك أخرى مطلقة.
والثالثة: (صوافٍ) بالتنوين، أي: قياما مصطفة.
وكأن جميع ما ذكر يراد أن يجمع فيها من الإخلاص له وعقل القوائم، والقيام، وكذلك جاءت السنة والآثار. وفي حرف ابن مسعود: (صوافن)، بالنون، وتأويله ما ذكرنا.
وظاهر الآية يدل على القيام؛ لأنّه قال: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}، وقوله: {وَجَبَتْ}، أي: سقطت، والسقوط إنما يكون من القيام، فدل أنها تنحر قياماً لا مضطجعة، والله أعلم.
وقوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا} قد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ} و {ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ}: من سألك؛ هذا قول بعض.
وقال بعضهم: {ٱلْبَآئِسَ}: المعروف بالبؤس، و {ٱلْفَقِيرَ}: المتعفف الذي لا يسأل.
وقال بعضهم: {ٱلْبَآئِسَ}: المسكين، و {ٱلْفَقِيرَ}: فقير.
قال بعضهم: {ٱلْبَآئِسَ}: الضرير.
و {ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ}:
قال بعضهم: {ٱلْقَانِعَ}: هو الراضي، وهو من القناعة.
وقال بعضهم: هو السائل، وهو من القنوع، {وَٱلْمُعْتَرَّ}: الذي يعتريك ولا يسأل، و{ٱلْقَانِعَ}: هو الجالس في بيته، ونحوه.
وقال القتبي: {ٱلْقَانِعَ}: السائل، يقال: قنع يقنع قنوعاً، ومن الرضا: قنع يقنع قناعة، {وَٱلْمُعْتَرَّ}: الذي يعتريك ولا يسأل، يقال: اعتراني: وعدني، واعتراني.
وقال أبو عوسجة: {ٱلْقَانِعَ}: السائل، والقنوع: السؤال، والقناعة من الرضا، يقال منه: قنع يقنع قناعة، ويقول: قنعته، أي: أرضيته، وقنعته، أي: غطيت رأسه بالقناع ونحوه، ويقال من المعتر: اعتر اعترارا واعترى وعرا يعر، وكلها واحد.
وقال: {صَوَآفَّ}، أي: قياما مصطفة، وقال: ويكون (صوافن)، أي: قائماً على ثلاث قوائم. يقال: صفن الفرس يصفن صفونا: إذا قام على ثلاث قوائم.
وقوله: {وَجَبَتْ جُنُوبُهَا}، أي: سقطت إلى الأرض، يقال: وجب يجب وجوبا، فهو واجب: إذا سقط، ووجبت الشمس: إذا غابت، قال: وهذا كله من الصوت، يقال: سمعت وجبة، أي: صوتاً، وقال: {مَنسَكاً}، أي: موضعا ينسكون إليه للعبادة.
وعن ابن عباس قال: {ٱلْقَانِعَ}: الذي يقنع بما أعطيته، {وَٱلْمُعْتَرَّ}: الذي يريك نفسه ولا يسأل.
وقوله: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ} أي: البدن التي ذكرناها.
ثم يحتمل ما ذكر من تسخيره إياها لنا وجهين:
أحدهما: {كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا} أي: كما سخرناها لكم لركوبها والحمل عليها وأنواع الانتفاع بها في حال الحياة، كذلك سخرناها لكم، أي: مثل الذي وصفته لكم، كل ذلك من تسخيرها إياها لكم، والله أعلم.
وقوله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ} هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: لن يقبل الله ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، لا يقبلها من أهل الكفر؛ لأنهم قد كانوا ينحرون البدن في الجاهلية، على ما ذكرنا، فأخبر أنه لا يقبل ذلك إلا ممن كان من أهل التقوى، وهو كقوله:
{ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } [المائدة: 27].
والثاني: أن يكون قوله: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ} أي: لن يرفع إلى الله إلا الأعمال الصالحة الزاكية وما كان بالتقوى، وأما ما كان غيرها فإنه لا يرفع ولا يصعد بها، وهو ما قال: {وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْ}.
وقال بعض أهل التأويل: ذكر هذا؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن نضحوا بدمائها حول البيت، ويقولون: هذا قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا مثل صنيعهم، فنزل: {لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَـٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْمِنكُمْ كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} قد ذكرنا ما ذكرنا.
وقوله: {لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} أي: لتصفوا الله بالعظمة والكبرياء على ما هداكم من أسباب تسخير البدن التي بها يوصل إلى الانتفاع بها من أنواع الانتفاع؛ إذ لولا ما هدانا الله وعلمنا من الأسباب التي بها تسخر وتذلل وإلا ما قدرنا على الانتفاع بها؛ لقوتها ولشدّتها وصلابتها.
والثاني: بأن يكون قوله: {عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ} من أمر الدّين والهدي.
وقوله: {وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ} يخرج قوله: {ٱلْمُحْسِنِينَ} على وجوه:
أحدها: محسنين إلى أنفسهم، أو المحسنين إلى إخوانهم، أو الذين حسنت أفعالهم، وصلح عملهم، فأما المحسنين إلى الله فلا يحتمل، والله أعلم.