التفاسير

< >
عرض

حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ
٩٩
لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ
١٠٠
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ
١٠١
فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ
١٠٢
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
١٠٣
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ
١٠٤
أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ
١٠٥
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ
١٠٦
رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
١٠٧
قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ
١٠٨
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٠٩
فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ
١١٠
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ
١١١
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ
١١٢
قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ
١١٣
قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
١١٤
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ
١١٥
فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ
١١٦
-المؤمنون

تأويلات أهل السنة

قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ}.
ظاهر هذا أن يكون قوله: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ} بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.
ثم قوله: {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ}: ليس هو صلة قوله: {وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ}، ولا جوابه؛ لأنه ليس من نوعه، ولا من جنس ذلك، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وجواب قوله: {وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}، ونحوه الذي تقدم ذكره، يقول: وإنهم على ذلك {حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ}، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت {قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ}، ولم يقل: ربّ ارجعني، وذلك يخرج على وجهين:
أحدهما: سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون: افعلوا كذا، على الجماعة، وإن كان إنما يخاطب واحدا؛ على ما خرج جواب الله وقوله: إنا فعلنا كذا، ونفعل كذا.
والثاني: أن يكون قوله: {رَبِّ ٱرْجِعُونِ}: يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر، والله أعلم.
وقوله: {لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}.
قال بعضهم: {فِيمَا تَرَكْتُ}، أي: فيما كذبت.
وقال بعضهم: {فِيمَا تَرَكْتُ}: في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها.
وجائز أن يكون قوله: {فِيمَا تَرَكْتُ}: من الأموال فأؤدي منه حقك؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها؛ كقوله:
{ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } [فصلت: 6-7] فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه، كقوله: { فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاۤ أَخَّرْتَنِيۤ إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ } [المنافقون: 10]، وقوله: {فَأَصَّدَّقَ}، أي: فأتصدق بالصدقة التي منعتها؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله: { أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم... } الآية [البقرة: 254]، وهذا أشبه، والله أعلم.
وقوله: {كَلاَّ}، هو ردّ لما سألوا من الرجعة.
[و] قوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا}.
قال بعضهم: قوله: {إِنَّهَا كَلِمَةٌ}: هو قول الله:
{ وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفْساً... } الآية [المنافقون: 11]، {قَآئِلُهَا}: يعني الكافر عند معاينة العذاب، وهو قوله: {ٱرْجِعُونِ * لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ}.
ثم قوله: {كَلاَّ} على هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه لا حقيقة لسؤاله الذي يسأله من الرجعة ليعمل العمل الصالح، أي: أنه وإن ردّ ورجع لا يعمل؛ كقوله - تعالى -:
{ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } [الأنعام: 28].
والثاني: أن لا منفعة لهم في سؤالهم الرجعة؛ إذ لو رجعوا لا يصلون إلى ما يأملون؛ لأنهم إنما يسألون ليؤمنوا، والإيمان سبيله الاستدلال، فإذا لم يستدلوا به وقت أمنهم وفسحتهم؛ فكيف يقدرون على الاستدلال في وقت خوفهم؟! والله أعلم.
وقوله: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
قال بعضهم: وراءهم، أي: أمامهم.
قال أبو معاذ: مشتقة من تواريت عنك، فكل ما توارى عنك أمامك كان أو وراءك فهو وراءك.
وقال بعضهم: {وَمِن وَرَآئِهِمْ}: على حقيقة الوراء.
{بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، قال بعضهم: البرزخ: هو ما بين شيئين.
وقال بعضهم: البرزخ: هو الأجل بين الموت والبعث، وهو قول الكلبي وقتادة.
وقال مجاهد: البرزخ: هو حاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا.
وقال القتبي: وأبو عبيدة: البرزخ: ما بين الدنيا والآخرة، وقالا: كل شيء بين شيئين فهو برزخ.
وقال أبو عوسجة: البرزخ: ما بين الحدين، يعني: الدنيا والآخرة، والأرض المستوية، وأصل البرزخ: الحاجز بينه كقوله:
{ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } [الفرقان: 53]، أي: حاجزاً، وتأويله، أي: صاروا إلى الوقت الذي يحجزهم عما يتمنون ويشتهون، وهو كقوله: { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } [سبأ: 54]، وإنما يشتهون ويتمنون الإيمان والأعمال الصالحة.
وجائز أن يكون قوله: {وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ}، أي: من ورائهم أحوالهم [أي: الحال التي طلبوا] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح، والله أعلم.
وفيه نقض قول الباطنية؛ لأنهم يقولون: البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبداً تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبداً، فذلك البعث عندهم، فأخبر - عز وجل - أن بين موتهم وبين البعث: البرزخ، وهو الأجل الذي ذكرنا، أو الحاجز؛ فدل ذلك على نقض قولهم: أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة.
وقوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}.
إن كان قوله: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} في الناس كلهم؛ فذلك في اختلاف المواطن، على ما قال ابن عباس وغيره من أهل التأويل، واختلاف الأوقات: لا يتساءلون في موطن أو في وقت، ويتساءلون في وقت آخر؛ ألا ترى أنه قال:
{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ } [الصافات: 27]، ونحوه.
وإن كانت الآية في [أهل] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم، ويستعين بعضهم بعضا، ويكونون ردءاً لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعواناً وأنصاراً، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة.
والثاني: {فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ} وما ذكر {يَوْمَئِذٍ}؛ لشغلهم بأنفسهم؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه، كقوله:
{ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ... } الآية [إبراهيم: 43]، وقوله: { يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ... } الآية [ عبس: 34]، وقال في آية أخرى: { وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ... } الآية [الحج: 2]، فذلك كله؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم.
وإن كان في الناس جميعاً فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات: يسألون في وقت ولا يسألون في وقت، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع، أو يسألون عن شيء ولا يسألون عن آخر، وروي [في] الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"كلُّ نَسَبٍ كانَ فهو منقطعٌ إلا نسبي" أو كلام نحو هذا، ثم يحتمل قوله: "إلا نسبي" وجهين:
أحدهما: الشفاعة له في أنسابه، لا يكون ذلك لغيره في نسبه؛ فإذا أراد هذا فهو على حقيقة نسبه.
والثاني: أراد بقوله: "إلا نسبي": المعين له في دينه؛ لأن كل من اتبعه فقد انتسب إليه؛ فكأنه قال: إن كل [ذي] شفاعة دوني فهو منقطع إلا شفاعتي، فيمن اتبعني وانتسب إلي بقبوله ديني.
وقوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}.
جائز أن يكون قوله: {فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ}، أي: من عظم قدره ومنزلته عند الله بالأعمال التي عملوها من الصالحات والحسنات فهو من المفلحين، ومن خفت منزلته وقدره عند الله بالأعمال الخبيثة السيئة فهو من الذين خسروا أنفسهم، والله أعلم.
وقد ذكرنا أقاويل أهل التأويل في الموازين فيما تقدم.
وقوله: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}.
قال بعضهم: لفحتهم النار لفحة؛ فلم تدع لحماً على عظم إلا ألقته.
{وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}، قال بعضهم: عابسون.
وقال بعضهم: تلفح، أي: تنفح.
وقال بعضهم: تلفح: تشوي وتحرق، وذلك عادة النار أنها تعمل كل هذا العمل.
وقال أبو عوسجة: تلفح، أي تضرب، واللفح: الضرب، يقال: لفحته النار، أي: ضربته؛ فأحرقت وجهه، تلفح لفحاً فهي لافحة.
والكالح: العابس.
وقوله: {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ}.
كذلك كانوا يكذبون، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله: {قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا}.
أما ما قال أهل التأويل: غلبت علينا من الشقاوة فإنه لا يحتمل؛ لأنهم يقولون ذلك القول؛ اعتذاراً لما كان منهم من التفريط في أمره والتضييع؛ فلا يحتمل أن يطلبوا لأنفسهم عذراً فيما كان منهم؛ إذ لو كان ما ذكر أولئك لكان في ذلك طلب العذر لأنفسهم، وهم في ذلك الوقت لا يطلبون عذراً لأنفسهم؛ ولكن يقرون بما كان منهم؛ كقوله:
{ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ } [الملك: 11]، لكن يحتمل وجهين:
أحدهما: يقولون: ربنا شقينا بأعمالنا التي عملناها، وظلمنا أنفسنا، وكنا قوماً ضالين.
والثاني: عملنا أعمالا استوجبنا بتلك الأعمال جزاء؛ فنحن أولى بذلك الجزاء، فغلب علينا جزاء تلك الأعمال، أو كلام نحو هذا.
وأما ما قاله أولئك من أهل التأويل: {غَلَبَتْ}، أي: كتبت فهو بعيد؛ لأنه إنما يكتب ما يفعل العبد وما يعلم أنه يختاره لا يكتب غير الذي علم أنه يفعله ويختاره، والله أعلم.
قوله: {رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}.
قوله: {فَإِنَّا ظَالِمُونَ}: ظلم عيان، وظلم ظاهر، وإلا قد كانوا أقرّوا بالظلم بقولهم:
{ فَٱعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ } [الملك: 11].
وقوله: {وَكُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ}: قد أقروا بالظلم، لكنهم أقروا بظلم خبر وظلم سماع، لا ظلم عيان؛ فقالوا: {أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}: ظلم عيان، والله أعلم.
وقوله: {قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا}.
قال بعضهم: قوله: {ٱخْسَئُواْ}، أي: اسكتوا.
وقال بعضهم: {ٱخْسَئُواْ}، أي: ابعدوا فيها.
قال أبو عوسجة: يقال: خسأت فلانا، وأخسأت، أي: باعدته؛ فخسأ، أي: تباعد.
وقوله: {وَلاَ تُكَلِّمُونِ}.
يحتمل الوجهين:
أحدهما: جائز أن يكون هذا السؤال منهم في أوّل ما أدخلوا، فقال لهم: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} فإنكم ماكثون، أو أن يكون هذا السؤال منهم بعد ما سألوا الملك الموت مرة بقوله:
{ وَنَادَوْاْ يٰمَالِكُ... } الآية [الزخرف: 77]. وسألوا مرة تخفيف العذاب بقوله: { ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ } [غافر: 49]، فلما أيسوا منه فعند ذلك يسألون ربهم إخراجهم والإعادة إلى المحنة؛ فقال: {ٱخْسَئُواْ فِيهَا}، أي: ابعدوا فيها ولا تكلمون، أي: يصيرون بحال لا يقدرون على الكلام؛ لشدة العذاب؛ فعند ذلك يكون منهم الشهيق والزفير.
وقوله: {إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّاحِمِينَ * فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ}.
يخبر - عز وجل - أولئك الكفرة الذين يسألون الإخراج من النار أنكم قد اتخذتم فريقاً من عبادي آمنوا سخريا، وكنتم منهم تضحكون؛ يذكر هذا لهم - والله أعلم - ليكون ذلك حسرة ونكاية.
وقوله: {سِخْرِيّاً} اختلف في قراءته: [فقرئ] بكسر السين فهو من الاستهزاء والهزء.
وقال الكسائي: بالرفع والكسر جميعاً، من الاستهزاء، ولا يقال في العبودة إلا برفع السين، وقال بعضهم: هما سواء.
وقوله: {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي}، قال بعضهم: حتى أنساكم الهزء بهم عن العمل بطاعتي.
وقيل: أضاف الإنساء إلى الذكر؛ لأنهم كانوا [عندما] يذكرهم ويدعوهم إلى ذكر الله يهزءون به؛ فأضاف إليه ذلك؛ فكان كإضافة الرجس إلى السورة؛ لأن ذلك إنما يزداد لهم عند تلاوة السورة؛ فأضيف ذلك إلى السورة، وإلا كانت السورة لا تزيد رجساً؛ فعلى ذلك أضاف الإنساء إلى ذكره؛ لما عند ذكره ودعائهم إليه يحملهم إلى ذلك، والله أعلم، فأضيف إليه.
وقوله: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوۤاْ}.
أي: إني جزيتهم اليوم الفوز بما صبروا في الدنيا على أذى أولئك الكفرة، أو على أداء ما أمروا به ونهوا عنه.
أو أن يكون ذلك كقوله:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [غافر: 51]، ونصره إياهم هو أن صارت لهم عاقبة، والله أعلم.
وقوله: {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي ٱلأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}.
اختلف فيه: قال مقاتل بن سليمان: في القبور.
وقال أبو معاذ: أخطأ مقاتل، وذلك قول من ينكر عذاب القبر، وهو قول الجهمية؛ لأن من كان في عذاب وشدة لا يقتصر المقام فيه كل هذا الاقتصار، حتى يقول: لبثت يوماً أو بعض يوم؛ بل يزداد له مقام يوم في العذاب على سنة أو أكثر، قال: إلا أن يكون عَنِيَ ما بين النفختين حين تؤخذ الأرواح فترقد، فإذا بعثوا استقلوا رقدة ذلك المقدار؛ بما كانوا قاسوا قبل الرقدة من العذاب في القبور، إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وجائز عندنا ما قال مقاتل ومحمد بن إسحاق: بأن ذلك يكون في القبر، وذلك لا يدل على نفي عذاب القبر؛ لأنهم لا يعذبون في القبور بالعذاب الذي يعذبون في الآخرة؛ فجائز أن يستقلوا عذاب القبر بعذاب الآخرة، ويستقصرون ذلك الوقت بعذاب الآخرة لشدته وأهواله، وذلك جائز في متعارف الخلق أن يكون الرجل في بلاء وشدة، ثم يزداد له البلاء والشدة؛ فيستقل ذلك البلاء الذي كان به لشدة ما حلّ به؛ فعلى ذلك هم: جائز أن يكونوا في عذاب في قبورهم، لكنهم إذا عاينوا عذاب الآخرة استقلوا عذاب القبر واستقصروه؛ لشدة عذاب الآخرة.
أو أن يكون عذاب القبر: على النفس الروحاني الدراك الذي يخرج في حال النوم ليس على روح الحياة، [مثل] النائم يرى نفسه في بلاء وعذاب في نومه، ويكون في أفزاع، وكانت نفسه ملقاة في مكان لا علم لها بذلك ولا خبر، وبها آثار الأحياء، فجائز أن يكون عذاب القبر على هذا السبيل على الروح التي بها يدرك الأشياء، لا على روح الحياة التي بها يحيا.
وقال قائلون: ذلك في الدنيا: استقلوا حياة الدنيا لحياة الآخرة، وهو كقوله:
{ فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ } [التوبة: 38]؛ ألا ترى أنه قال: {فَسْئَلِ ٱلْعَآدِّينَ}: هذا يدل على أن ذلك في الحياة الدنيا أشبه؛ حيث أمر أن يسأل الذين يعدون، وذلك إنما يكون في الدنيا لا في الآخرة.
ثم اختلف في العادين: قال بعضهم: هم الملائكة الذين يكتبون أعمالهم في هذه الدنيا ويرقبونهم.
وقال بعضهم: هم ملك الموت وأعوانه.
وقوله: {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}.
أي: ما لبثتم إلا قليلا لو كنتم تعلمون، ولكن لا تعلمون.
قال القتبي: {سِخْرِيّاً} بكسر السين، أي: يسخرون منهم، و (سُخْرِيّاً): بضمّها، أي: يتسخرونهم من السخرية عبثاً.
[و] قوله: {حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي}، أي: شغلكم أمرهم عن ذكري، والوجه فيه ما ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً}.
قوله: {أَفَحَسِبْتُمْ}: يحتمل وجهين:
أحدهما: {أَفَحَسِبْتُمْ}: قد حسبتم أنما خلقناكم عبثاً.
والثاني: {أَفَحَسِبْتُمْ}، أي: لا تحسبوا أنا إنما خلقناكم عبثاً.
{وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ}.
صير خلقه الخلق لا للرجوع والبعث عبثاً؛ لوجهين:
أحدهما: لأن خلقه إياهم لا لعاقبة تتأمل أو لمنافع تقصد؛ للهلاك خاصة وللفناء - عبث؛ كبناء المباني لا لمنفعة تقصد به، ولكن للنقض يكون عبثاً في الشاهد، وهو ما قال في آية أخرى:
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً } [النحل: 92]: سفهها في غزلها للنقض خاصة لا لمنفعة قصدت به، ونهانا أن نفعل مثل فعلها؛ فلو لم يكن المقصود من خلق الخلق إلا الموت والفناء خاصة، لا لعاقبة تقصد - كان سفهاً وعبثاً.
والثاني: ما أخبر أنه إنما أنشأ هذا العالم غير البشر لهذا البشر، وله سخر ذلك كله؛ حيث قال:
{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ } [الجاثية: 13]؛ إذ ليس لغير البشر منفعة بهذه النعم التي أنشأها لهم، من نحو الجن والملائكة ونحوهم؛ إذ لهم قوام بدون ذلك: من الشمس، والقمر، ونحوه من النعم؛ إنما ذلك للبشر خاصّة، فإذا كان كذلك - لا يحتمل أن يجعل لهم كل هذه النعم التي ذكرها وأنشأها لهم، ثم لا يمتحنهم بالشكر على ذلك ولا يأمرهم بأوامر ولا ينهاهم بمناهٍ؛ فدل ما أنشأ لهم من النعم وسخر لهم من الأشياء أنهم يبعثون ويرجعون إليه؛ حتى يجزون جميعاً: المحسن جزاء [الإحسان والمسيء جزاء] الإساءة؛ إذ في العقول التفرقة بين الولي والعدو، وبين المحسن والمسيء وبين الشاكر والكافر، ثم رأيناهم جميعاً في هذه الدنيا عاشوا على سواء في الضيق والسعة، لم نر ما يفصل بين الولي والعدوّ، وبين المحسن والمسيء، وبين الشاكر والكافر؛ فدل ما لم يكن من التفرقة ما ذكرنا في هذه الدنيا على أن هنالك داراً أخرى دار الجزاء، هناك يفصل بين ما ذكرنا في الجزاء، والله الموفق.
{لاَ تُرْجَعُونَ}: لا تبعثون.
وقيل: لا ترجعون إليه بالأعمال التي عملتموها، كقوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ } [الانشقاق: 6]، وقوله: { فَٱسْتَقِيمُوۤاْ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ } [فصلت: 6].
وقوله: {فَتَعَالَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}.
أي: يتعالى الله عن أن يكون خلق الخلق منه عبثاً، أو يتعالى أن يكون خلق الخلق لا لحكمة. {ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ}. قال الحسن: الحق: اسم من أسماء الله، أو الملك الذي خلق الخلق للحكمة.
{لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}: تنزيه وتبرئة عن جميع ما قالوا فيه.
وقوله: {رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ} يشبه أن يكون على الأوّل: يتعالى الملك الحق وربّ الملك الكريم عن أن يخلقهم لا للحكمة أو للبعث.
وقالت الباطنية: العرش: القيامة.
ونحن [نقول:] يشبه أن يكون العرش القيامة، على ما قالوا هم، إلا أنهم يقولون: هو قائم الزمان، وقلنا نحن: هي القيامة المعروفة وهي الساعة، ربّ القيامة وهي الملك الذي ذكرنا؛ كقوله:
{ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ } [غافر: 16]: خص ذلك اليوم بالملك له، وإن كان الملك له في الدارين جميعاً؛ لما لا يتنازع في ملكه يومئذ، [و] قد نوزع في الدنيا، فخلص له ملك ذلك اليوم وصفا له يومئذٍ.
وقال بعض أهل التأويل: العرش: السرير، أضافه إلى نفسه؛ لمنزلته عند الله، والكريم: هو نعت ذلك السرير، أي: الحسن؛ كقولهم: (رجل كريم)، أي: حسن، وهكذا يوصف كل كريم بالحسن.
وقال بعضهم: هو نعت الرب، أي: ذو عفو وصفح، والله أعلم.