التفاسير

< >
عرض

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً
٣٠
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً
٣١
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً
٣٢
وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
٣٣
ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً
٣٤
-الفرقان

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً}: قال بعضهم: المهجور: هو الذي لا ينتفع ولا يعمل به وقال أبو عوسجة والقتبي: مهجوراً أي: تركوه مهجورا، أي: متروكا، ويقال: مهجورا أي: كالهذيان، والهجر الاسم يقال: فلان يهجر في منامه، أي: يهذي، وهو بالفارسية "بلايه كفتى".
وقوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ ٱلْمُجْرِمِينَ}، أي: مثل الذي جعلنا لك من العدو من الكفرة جعلنا لكل نبي من قبلك عدوّاً.
ثم العداوة تكون في الدين مرة، ومرة في الأنفس وأحوالها.
فإن كان العدو عدوا في الدين، فجميع الكفرة له أعداء لخلافهم له في الدين، ويكون حرف (من) صلة، أي: جعلنا لكل نبي المجرمين أعداء.
وإن كان على تحقيق (من) وإثباتها فالعداوة عداوة في الدين والإخوان، وذلك راجع إلى الفراعنة وأضداد الرسل، ما من رسول إلا وله فراعنة وأضداد ينازعونه ويقاتلونه ويهمون قتله.
ثم بشر رسوله بالحفظ له والنصر والظفر على أعدائه، وهو قوله: {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً}.
وقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}: ذكر أهل التأويل أن أهل مكة كانوا يأتون رسول الله فيتبعونه ويسألونه ويقولون: يا محمد، أتزعم أنك رسول من عند الله، أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة؛ كما أنزلت التوراة جملة واحدة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود فقال: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}:
أي: بمثل الذي نثبت به فؤادك.
ثم يحتمل قوله: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} وجهين:
أحدهما: أنزلناه متفرقاً لنثبته في فؤادك تحفظه وتذكره؛ لأن حفظ الشيء إذا كان سماعه بالتفاريق كان حفظه أهون، وأيسر من حفظه إذا سمع جملة واحدة، وخاصة إذا كان الكلام من أجناس وأنواع.
والثاني: {لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} أي: لنثبت بما في القرآن من الحكمة والمعاني فؤادك.
ثم يحتمل قوله: {فُؤَادَكَ} أنه يراد به: فؤاد من يسمع إليه ويسمعه، فإن كان هذا فهو كقوله:
{ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ... } الآية [الإسراء: 106]، على ما ذكرنا أنه يكون أسرع حفظاً وأهون ثباتاً من سماعه جملة.
وجائز أن يكون أراد فؤاده؛ كقوله:
{ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ } [القيامة: 16-17]، وقوله: { سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } [الأعلى: 6-7] كان يعجل بحفظه إذا قرئ عليه؛ خوفاً أن يذهب، فأخبره أنه يثبت فؤاده وينزله بالتفاريق؛ لكي يحفظه ويذكره.
ثم إن كان المراد تثبيته في الفؤاد: هو ما فيه من الحكمة والمعاني وقراءته على الناس على مكث كذلك فهو - والله أعلم - ينزله على قدر النوازل والحوائج؛ ليكونوا أحفظ لتلك المعاني وأعرف بمواضعها، وتقدير غيرها من النوازل بها من أن نزل جملة في دفعة واحدة، والله أعلم.
وقوله: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} أي: بصفة يشبهون بها على الخلق إلا جئناك بصفة هي أحق مما أتوا بها هم، فترفع تلك الشبهة عنهم، أعني: عن الخلق.
أو أن يقال: ولا يأتونك بصفة هي باطل إلا جئناك بحق - أي: بصفة هي حق - فتبطل تلك وتضمحل.
{وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} أي: بياناً من الأول؛ على التأويل الأول، وعلى التأويل الثاني ظاهر لا شك أنه أحسن وأحق.
قال أبو عوسجة: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} أي: أنزلنا بعضه بعد بعض، وعلى أثر بعض، لم ننزله في مرة واحدة؛ وكذلك قال في قوله:
{ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً } [الإسراء: 106].
وقال بعضهم: قوله: {وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} أي: بيناه تبيانا.
وقال بعضهم في قوله: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِٱلْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}، قال: لا يخاصمونك بشيء ولا يجادلونك إلا جئناك بالحق - يعني: القرآن - {وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}، يقول: جئناك بالقرآن بأحسن مما جاءوا به تفسيرا، وهو قريب مما ذكرنا بدءاً.
وفي حرف حفصة: {إلا جئناك بأحق منه وأحسن تفسيرا}، وهو شبيه ببعض التأويلات التي ذكرناها.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً}: يشبه أن يكون ذكر هذا على مقابلة سبقت، وإلا على الابتداء لا يستقيم ذكره؛ فجائز أن يكون ذكره على مقابلة قوله:
{ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً... } الآية [الفرقان: 24]، هذا ذكر مقام أهل الجنة، فذكر مقابل ذلك مكان أهل النار، فقال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} أي: شر مكانا في الآخرة، وأضل سبيلا في الدنيا، ويكون مقابل قوله: { قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } [مريم: 73]، فقال: {ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 34] من الذين آمنوا، بل مقامهم الجنة - أعني: المؤمنين - ومقام الكفرة النار، فهم شر مكاناً منهم.
وفي بعض الأخبار:
"أن رجلا قال: يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" .