التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ
٨٥
وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ
٨٦
وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٨٧
وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
٨٨
-القصص

تأويلات أهل السنة

قوله: {إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَاد}: اختلف في قوله: {فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ}؛ قال بعضهم: {فَرَضَ} أي: نزل عليك.
وقال بعضهم: فرض عليك العمل بالقرآن.
وقال بعضهم: فرض تبليغ ما أنزل عليك [من] القرآن والرسالة إلى الناس.
واختلف أيضاً في قوله: {لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَاد}: قال بعضهم: إلى مكة.
وقال بعضهم: المعاد: هو البعث والساعة.
وقال بعضهم: المعاد: الجنة، ويقال: الموت؛ وكله البعث، والمعاد هو البعث في الظاهر.
وجائز أن تسمّى مكة: معادا؛ لما يعود الناس إليها مرة بعد مرة، كما تسمى: مثابة؛ لما يثوب الناس إليها مرة بعد مرة.
لكن من يقول بأن المعاد هو مكة يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالهجرة إلى المدينة فهاجر إليها اشتاق إلى بلده ومولده ومولد آبائه، فنزل جبريل عليه بهذه الآية بشارة في العود إليها ظاهراً عليهم، قاهراً، فاتحاً له مكة؛ هذا تأويل من يقول بأن المعاد هو مكة.
وجائز أن يكون على غير هذا، وهو يخرج على وجهين:
أحدهما: كأنه حزن على الفراق منه إشفاقاً على هلاكهم لإخراجهم الرسول من بين أظهرهم؛ لأن الأمم السالفة إذا خرج من بينهم الرسل نزل بهم العذاب؛ فخاف أنهم لما أخرجوا من بين أظهرهم وأبوا إجابته أن يهلكوا أو يعذبوا؛ كقوله:
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 3]، وقوله: { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8]، فبشر بهذا أن ترد إليها وستعود إليهم، فيتبعونك ويؤمنون بك، وهم لا يهلكون إهلاك استئصال وتعذيب كسائر الأمم.
والثاني: يذكر على الامتنان عليه؛ يقول: إن الذي أنزل عليك القرآن وألقاه عليك بعد ما لم تكن ترجو إلقاءه عليك وإنزاله، ولكن برحمته ومنته ألقاه إليك وأنزله عليك حيث قال: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ}؛ فعلى ذلك يردّك إلى مكة بعدما لم تكن ترجو ردّك وعودك إليها.
وإن كان المعاد: هو البعث؛ فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: على البشاره؛ كأنه يقول: إن الذي فرض عليك القرآن يردّك ويبعثك بمن كذبك وبمن صدقك، فينتقم من مكذبيك جزاء التكذيب، ويجزي من يصدقك جزاء التصديق.
والثاني: يذكره ويخاطبه، وإنما يريد به قومه، أي: سيبعثون وسيعودون إليها، فيكون كالآيات التي يخاطب بها رسوله والمراد بها: قومه؛ فهو يخرج على الوعيد لهم، ألا ترى أنه قال: {رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي: ربي أعلم بمن جاء بالهدى فيجزيه جزاء الهدى، ومن هو في ضلال مبين فيجزيه جزاء ضلاله.
ويخرج ذكر هذا عند دعاء أولئك الكفرة: أنهم على الحق والهدى، وأن آباءهم كانوا على الحق والهدى، وأنتم على ضلال، فيقول: {رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} نحن أو أنتم؟! فهو على التحاكم إلى الله أن يحكم بينهم، فيجزي كلا بما جاء به، والله أعلم.
وقوله: {وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} فهو يخرج على وجهين: أحدهما: وما كنت ترجو - وإن كنت مطيعاً أي: خاضعاً - أن يلقى إليك الكتاب وينزل عليك وتصير رسولا، أي: لم تكن تطمع ذلك، ولكن الله بفضله ورحمته جعلك رسولا نبيّاً.
والثاني: ما كنت ترجو أن تكون في قومك وقبيلتك رسالة فضلا أن ترجو وتطمع في نفسك؛ لأنهم ليسوا من بني إسرائيل ولا من أهل الكتاب، والرسالة من قبل كانت لا تكون إلا في بني إسرائيل، ولكن الله جعل الرسالة في العرب، وفي نفسك برحمته وفضله، والله أعلم.
وقوله: {فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ}: هذا يخرج على وجوه:
أحدها: على النهي، أي: لا تكن ظهيرا وإن كان لا يكون للعصمة التي عصمه الله؛ لأن العصمة لا تمنع النهي والأمر، بل منفعة العصمة إنما تكون عن النهي والأمر.
والثاني: على الأمن له والإياس أن يكون ظهيراً لهم، كأنه يخاف لعله أن يكون ظهيراً لهم في وقت من الأوقات، فأمنه الله عن ذلك فقال: لا تخف فإنك لا تكون ظهيراً لهم، وهو ما ذكرنا في قوله:
{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } [الحجر: 88] وقوله: { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8] على رفع الحزن والحسرة بتركهم الإيمان؛ فعلى ذلك الأول.
والثالث: أن الخطاب وإن كان له في الظاهر فالمراد منه غيره، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن: أنه خاطب به رسوله والمراد به غيره؛ وكذلك بهذا.
وفي قوله: {وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} في هذا ما في الأول من الوجوه التي ذكرنا؛ وكذلك: هذا في قوله: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ}.
وقوله: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}: قال بعضهم: قوله: {كُلُّ شَيْءٍ} يرجى منفعته وشفاعته من دون الله باطل، إلا ما ابتغي منه وعمل له.
وقال بعضهم: كل شيء هالك وزائل إلا هو؛ فإنه حي لا يموت دائم لا يزول.
وقال بعضهم: كل أمر وجهة يتوجه إليها ويعمل به هالك إلا الجهة والوجه الذي أمر هو بالتوجيه إليه والعمل به، وهو قريب بالأول، والله أعلم.