التفاسير

< >
عرض

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٢٣
إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ
١٢٤
بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ
١٢٥
وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ
١٢٦
لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ
١٢٧
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ}.
يذكرهم - عز وجل - ألا يتكلوا إلى أنفسهم لكثرتهم ولقوتهم ولعدّتهم، ولا يثقوا بأحد سواه، بل على الله يتوكلون، وإليه يكلون، وبه يثقون؛ لأنه أخبر أنهم كانوا أذلة ضعفاء فنصرهم، وأمدّ لهم بالملائكة حتى قهر عدوهم - مع ضعفهم، وقلة عددهم - يوم بدر. ويوم أحد: كانوا أقوياء كثيري العدد؛ فوكلوا إلى أنفسهم، فكانت الهزيمة عليهم.
وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}.
يعني: اتقوا معاصيه
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
فيه دلالة أن الشكر إنما يكون في طاعته، واتقاء معاصيه، وأن المحنة إنما تكون في الشكر لما أنعم عليه، والتكفير لما سبق منه من الجفاء والغفلة، والله أعلم.
وقوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ}،
وذكر في سورة الأنفال:
{ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 9].
فاختلف فيه:
قيل: كانوا عشرة آلاف؛ لأنه ذكر مرة:
ثلاثة آلاف، ومرة:
خمسة آلاف.
ومرة: ألفاً - مردفين؛ فيكون ألفان، فذلك عشرة آلاف.
وقيل: كانوا تسعة آلاف: ثلاثة آلاف وخمسة آلاف، وألف.
وقيل: كانوا كلهم خمسة آلاف: ثلاثة آلاف؛ وألفان مدد لهم.
ثم اختلف فيه:
قال بعضهم: كان يوم أحد.
وقال آخرون: يوم بدر.
وقوله:
{ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ } [الأنفال: 9] يوم بدر، ولا ندري كيف كانت القصة؟ وليس لنا إلى معرفة القصة حاجة؛ سوى أن فيه بشارة للمؤمنين بالنصر لهم، والمعونة بقوله: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} جعل في ذلك تسكين قلوب المسلمين.
ثم اختلف في "قتال الملائكة": قال بعضهم: قاتل الملائكة الكفار.
وقال آخرون: لم يقاتلوا، ولكن جاءوا بتسكين قلوبهم ما ذكر في الآية، ولا يحتمل القتال؛ لأنه ذكر في الآية:
{ وَيُقَلِّلُكُمْ فِيۤ أَعْيُنِهِمْ } [الأنفال: 44]، ولو كانوا يقاتلون لم يكن لما يقلل معنى؛ ولأن الواحد منهم كاف لجميع المشركين، ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - كيف رفع قريات لوط إلى السماء فقلبها؟! فدلّ لما ذكرنا، والله أعلم.
وقيل: قاتلوا يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم أحد.
فلا ندري كيف كان الأمر؟.
وقوله: {مُسَوِّمِينَ}:
قيل: "منزلين"؛ "ومسوّمين" سواء، وهو من الإرسال؛ ومن التسويم.
وقيل: معلمين بعلامة، وذلك - والله أعلم - لِيُعْلِمَ المؤمنين حاجتهم إلى العلامة، [لا أن] الملائكة يحتاجون إلى العلامة؛ وكذلك روي عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم بدر:
"تَسَوَّمُوا؛ فإنَّ المَلائِكةَ قَدْ تَسَوَّمَتْ" .
وقوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}.
ليعلم أنّ في النصر لطفاً من الله لا يوصل إليه شيء من خلقه؛ لأنه نفاه عنهم مع مدد الملائكة؛ ليعلم أن كل منصور على آخر - إنما كان ذلك من الله - عز وجل.
وقوله: {لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ...} [الآية].
قال قتادة: "كان يوم بدر قتل صناديدهم وقادتهم في الشر".
وقيل: {طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ}: جماعة.
وقيل: {طَرَفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ...}: يعني: أهل مكة.
وقوله: {أَوْ يَكْبِتَهُمْ}:
قيل: يخزيهم.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "الكبت: الهزيمة".
وقيل: الكيت: هو الصرع على وجهه.
وقوله: {فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ}:
والخائب: هو الذي لم يظفر بحاجته، أي: رجعوا ولم يصيبوا ما أمَّلوا.
قال الشيخ -رحمه الله -: ما ذكر من حضور الملائكة الحرب فهو - والله أعلم - في حق محنة الملائكة، ولله أن يمتحنهم بما شاء من الحضور والمعونة، والكف عن ذلك، أوالدعاء لأوليائه بالنصر، وبما شاء الله من الوجوه التي يمتحن بها عباده، وفيهم من قد امتحنه على الأرزاق والأرواح، والأمطار والأعمال، وأنواع الأذكار والأفعال؛ إذ هم خلق اصطفاهم واختارهم لعبادته وطاعته في جميع ما يأمرهم؛ ليجل به قدرهم، ويعلي رتبتهم، ثم لو أذن لهم بالمعونة أعانوا المؤمنين على قدر الإذن لهم؛ إذ هم - على ما وصفهم الله -:
{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [الأنبياء: 27].
وقوله:
{ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ } فصلت: 38] وغير ذلك مما وصفهم بالطاعة له، والاتباع لأمره، وما أكرمهم من هيبة جلاله، وخوف عقابه، صلوات الله عليهم أجمعين.
ثم كان للمؤمنين في حضورهم أنواع البشارات فيما لم يكن أذن لهم بالقتال، وأنواع الآيات فيما قد أذن لهم، على ما ذكر من أمر بدر وغيره؛ مما أخبر الله - عز وجل - من إرسال جنوده، وهزيمة أعدائه؛ بمنّه وفضله، من ذلك: ما قال الله - عز وجل -:
{ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... } الآية [الأنفال: 12]، أن يكون الله يؤيّدهم بما به تشجيع قلوب المؤمنين على ما قد أمكن أعداءه من أنواع الوساوس، التي لديها تضطرب قلوبهم، وتزل أقدامهم، فمثله يمكن أولياءه في تشجيع المؤمنين، ليسكن قلوبهم، ويثبت أقدامهم، والله أعلم.
والثاني: أن يكون الذي جُبل عليه الخلق أن يكون كل أحد عند معاينة الحاجة إلى دعائه، وما يحتمل وسعه من معونة؛ عليه أقبل وبه أرغب؛ فيكون للمؤمنين بحضورهم رجاء النصر بدعائهم، ويخرج قوله:
{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا... } الآية [غافر: 51]، وقوله - تعالى -: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ} ، والله أعلم.
أو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في عصرهم يبشرهم بحضورهم؛ فيكون لهم بذلك فضل ثبات وقرار حياة منهم بما أعلموا إطلاعهم على ذلك، أو يكون لهم فضل قوة بذلك، وإقبال على الأمر؛ على ما جبل الخلق من الإقبال على الأمور المهمة، وإذا كثروا على ذلك قوله:
{ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } [التوبة: 25] ولعلهم - أيضاً - بما يطمعون أنهم لو أطاعوا الله، وثبتوا لأعدائه - أن لهم النصر والدفع، فكان ذلك بعض ما يستبشرون؛ وعلى ذلك أكثر ما بلي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهزيمة، إنما كان يصرف قلوبهم إلى بعض ما جبل عليه البشر من حبّ الدنيا، والإعجاب بالكثرة، ونحو ذلك، ثم من أعظم الأعلام في ذلك ما قال الله - عز وجل -: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} فتكون البشارة والطمأنينة بالذي جبل عليه البشر على ما بينتُ، ويكون النصر من عند الله، الذي متى أراد نصر أحد لن يغلب، قلَّت أعوانه أو كثرت، وذلك لطف من الله العزيز العليم؛ يريهم النصر من الوجه الذي لا يعلمه إلا هو، وفي حال الأنفس من أنفسهم أن يقوم لعدوهم؛ ليعلموا عظيم لطفه الذي بمثله ارتفعت درجات الأخيار، وشرفت منازلهم، ولو كان لهم بالإذن؛ على ما ذكر من قوة جبريل - عليه السلام - في قلب قريات لوط بجناح واحد، لم يكن يقوم لمثله أهل الأرض، فضلاً عن عدد يسير منهم، ولكنهم لا يتقدمون بين يدي الله، والله لم يكن أذن لهم في القتال عند كل مشهد، والله أعلم.