التفاسير

< >
عرض

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ
١٥٩
إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنْ بَعْدِهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
١٦٠
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}:
يحتمل هذا وجهين:
يحتمل: فبرحمة من الله عليك لنت لهم؛ كقوله:
{ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: 107] ويحتمل قوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}: فيجب أن يكون الإنسان رحيماً على خلقه؛ على ما جاء في الخبر قال لأصحابه: "لَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتََّى تَرَاحَمُوا، فقيل: كلنا نرحم يا رسول الله، فقال: لَيْسَ تَرَاحُمَ الرَّجُلِ وَلَدَهُ أَوْ أَخَاهُ، وَلَكِنْ يَتَرَاحَمُ بَعْضُهُم بَعْضاً" أو كلام نحو هذا.
ومن جاء:
"مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، ولَمْ يُوَقِّر كَبِيرَنَا - فَلَيْسَ مِنَّا" ، وما جاء: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ أَهْلَ الأَرْضِ لَمْ يَرْحَمْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ" كما قال الله - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } [الجاثية: 14] الآية، وقد أمر الله عباده أن يعامل بعضهم بعضاً بالرحمة واللين، إلا عند المعاندة والمكابرة؛ فحينئذ أمر بالقتال؛ كقوله لموسى وهارون - حيث أرسلهما إلى فرعون - فقال: { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } [طه: 44]، وكان اللين في القول أنفذ في القلوب، وأسرع إلى الإجابة، وأدعى إلى لطاعة من الخشن من القول، وذلك ظاهر في الناس؛ لذلك أمر الله - عز وجل - رسلهم باللين من المعاملة، والرحمة على خلقه، وجعله سبب تأليف القلوب وجمعها، وجعل الخشن من القول والفظ سبب الفرقة بقوله:
{وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً}.
[في القول]
{غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}
أي: لو كنت في الابتداء فظّاً غليظاً لتفرقوا ولم يجتمعوا عندك.
وقوله - عزّ وجلّ -: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ} بأذاهم إياك ولا تكافِهِم، واستغفر لهم فيما بينهم وبين ربهم.
ويحتمل قوله: {فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ}
بما عصوك ولا تنتصر منهم، وكذلك أمر الله المؤمنين جملة أن يعفوا عنهم، وألا ينتصروا منهم بقوله:
{ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } [البقرة: 109] وكان أرجى للمؤمنين قوله: {وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ}؛ كما قال الله - تعالى -: { قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ... } الآية [الجاثية: 14]، وقوله - أيضاً -: { وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } [محمد: 19]: لا جائز أن يؤمر بالاستغفار لهم ثم لا يفعل، وإذا فعل لا يجاب؛ فدل أنه ما ذكرنا، والله أعلم.
وكذلك دعاء إبراهيم - عليه السلام -:
{ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ } [إبراهيم: 41]، ودعاء نوح - عليه السلام -: { رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ } [نوح: 28] لا يجوز أن يدعو هؤلاء الأنبياء - عليهم السلام - ثم لا يجاب لهم.
وقوله - عز وجل -: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر}:
أمر الله - عز وجلّ - نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمر؛ ففيه وجوه ثلاثة:
أحدها: أنه لا يجوز له أن يأمره بالمشاورة فيما فيه النص، وإنما يأمر بها فيما لا نصّ فيه؛ ففيه دليل جواز العمل بالاجتهاد.
والثاني: لا يخلو أمره بالمشاورة، إما لعظم قدرهم وعلوّ منزلتهم عند الله، أو لفضل العقل ورجحان اللب؛ فيكفما كان فلا يجوز لمن دونهم أن يسووا أنفسهم بهم، ولا جائز - أيضاً - أن يأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه، ثم لا يعمل برأيهم؛ دل أنهم إذا اجتمعوا كان الحق لا يشذ عنهم.
وقال بعضهم: إنما أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم في أمر الحرب والقتال، وعن الحسن - رضي الله عنه -
"لما أنزل الله - تعالى -: {وَشَاوِرْهُمْ فِي ٱلأَمْر} - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ وَرسُولَهُ غَنِيَّانِ عَنْ مُشَاوَرَتِكُمْ؛ ولكنه أراد أن يكون سنة لأمته" ، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ: "وشاورهم في بعض الأمر".
وقيل: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب لأنفس القومِ، وأن القوم إذا شاورهم بعضهم بعضاً فأرادوا بذلك وجه الله - عزم الله لهم على أَرْشَدِهِ.
وقيل: إن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد سيّدهم أن يقطع أمراً دونهم، ولا يشاورهم في الأمر شق عليهم؛ فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر إذا أراد؛ فإن ذلك أعطف لهم عليه، وأذهب لأضغانهم.
وفي بعض الأخبار قيل:
"يا رسول الله، ما العزم؟ قال: أن تستشير ذا الرأي، ثم تطيعه" .
وكان يقال: ما هلك امرؤ عن مشورة، ولا سعد ثبور، قيل: الثبور: الذي لا يستشير ويعمل برأيه.
وقوله - عز وجل -: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ}:
أي: لا تتكلن إلى نفسك، ولا تعتمدن على أحد؛ ولكن اعتمد على الله وَكِلِ الأمر إليه.
وقيل: فإذا فرق [ذلك] الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، فإن كان في أمر الحرب على ما قيل فهو - والله أعلم - لا تعجبن بالكثرة، ولا ترَيَنَّ النصر به، ولكن اعتمد بالنصر على الله؛ كقوله - تعالى -:
{ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً } [التوبة: 25]، والله أعلم بما أراد، بذلك؛ كقوله: { وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } [آل عمران: 126].
وقوله - عز وجل -: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ}:
صدق الله من كان الله ناصره؛ فلا يغلبه العدوّ من بعد.
{وَإِن يَخْذُلْكُمْ}
[أي: يترككم]
{فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم}:
والنصر يحتمل وجهين، يحتمل المعونة، ويحتمل: المنع:
كقوله - تعالى -:
{ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ } [آل عمران: 91]. قوله - عز وجل -: {إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ}، أي: أعانكم الله؛ فلا يغلبكم العدو، {وَإِن يَخْذُلْكُمْ}: [فلم يعنكم]؛ فمن [ذا] الذي أعانكم سواه؟!
ومن المنع، أي: إن منع الله عنكم العدوَّ، فلا غالب لكم، {وَإِن يَخْذُلْكُمْ}، ولم يعنكم، فمن الذي يمنعكم من بعده؟!
والخذلان في الحقيقة هو: ترك المأمول منه ما أُمِّلَ منه، واستعمل في هذا كما استعمل الابتلاء على غير حقيقته.
وقوله: {وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ}:
هو على الأمر في الحقيقة كأنه قال: وعلى الله فتوكلوا أيها المؤمنون. والتوكل: هو الاعتماد عليه، وتفويض الأمر إليه، لا بالكثرة والأسباب التي يقوم بها، من نحو: القوة والعدة والنصرة والغلبة، وفي الشاهد إنما يكون عند الخلق بثلاث: إمّا بالكثرة، وإمَّا بفضل قوَّة بطش، وإمَّا بفضل تدبير ورأي في أمر الحرب، وجميع نصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وغلبته على عدوه إنما كان لا بذلك؛ ولكن بالتوكل عليه وتفويض الأمر إليه؛ دل أن ذلك كان بالله - عزَّ وجلَّ - وذلك من آيات نبوَّته صلى الله عليه وسلم.