التفاسير

< >
عرض

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ
١٦١
أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ
١٦٢
هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
١٦٣
لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
١٦٤
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}
فيه قراءتان: "يغل" بنصب الياء، وبرفع الياء ونصب الغين، ومن قرأه بنصب الياء فذلك يحتمل وجهين: يحتمل: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: لم يكن نبي من الأنبياء غلَّ قط، وهو أحق من لا تتهمونه؛ لعلمكم به؛ فكيف اتهمتموه هنا بالغلول؟!
وقيل: إن ناساً من المنافقين خَشُوا ألا يقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة بينهم؛ فطلبوا القسمة؛ فنزلت [هذه] الآية.
وقيل: قالوا: اعدل يا محمد في القسمة؛ فنزل هذا.
ويحتمل قوله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} أي: قد كنتم عرفتموه من قبل أن يرسل، فما عرفتموه خان قط أَوْ غَلَّ؛ فكيف يحتمل الخيانة بعدما أرسل؟! هذا لا يحتمل.
ومن قرأه بالرفع [أي: يُغَلّ] فهو - أيضاً - يحتمل وجهين، أي: يتهم بالغلول في الغنيمة؛ فهو يرجع إلى تأويل الأول.
ويحتمل قوله: "أن يُغَلّ" أن يخان في الغنيمة، لا يخون ولا يحل أن يخان النبي صلى الله عليه وسلم في الغنيمة؛ فإنه يطلع على ذلك، يطلع الله ورسوله، على ما جاء في بعض الأخبار
"أنَّهُ مرَّ بقبر، فقال: إنه في عذاب، قيل: بماذا يا رسول الله؟! فقال: إِنَّه كَانَ أَخَذَ مِنَ الغَنِيمَةِ قَدْرَ دِرْهَمَيْنِ أَوْ نَحْوَهُ" .
ويحتمل: خصوص الغنيمة بما يتناول الغالَّ حِلُّهُ، بما لا يعرف له صاحب؛ كالمال الذي لا مالك له، وربما يباح التناول منه للحاجة والأخذ بغير البدل بوجه لا يحتمل بتلك أكل الحل من ذلك.
وقوله - عز وجل -: {بِمَا غَلَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}:
أي: يؤخذ به يوم القيامة، وهكذا كل من أخذ من مال غيره بغير إذنه؛ فإنه يؤخذ به.
وقال بعض الناس: وإنما خص الغنيمة بفضل وعيد؛ لأن الغلول فيها يجحف بحق الفقراء وأهل الحاجة، أو يضر ذلك أصناف الخلق، وسائرُ الأموال ليس كذا.
وقيل: إنما جاء الوعيد في هذا أنهم كانوا أهل نفاق، يستحلون الغلول في الغنيمة والأخذ منها، وهذا كأنه أشبه.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: بعث [رسول الله] صلى الله عليه وسلم جيشاً فغلوا رأس ذهب؛ فنزلت [الآية]: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أيضاً - قال: فُقِدَتْ قطيفة حمراء يوم بدر مما أصيب من المشركين؛ فقال الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها لنفسه؛ فأنزل الله - تعالى -: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ}.
وقوله - عز وجل -: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ كَمَن بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ ٱللَّهِ}:
قل: أفمن لم يغل، ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً - كمن غلَّ وأخذ منها؟! ليسا سواء؛ رجع أحدهما برضوان الله، والآخر بسخطه.
ويحتمل: {أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَ ٱللَّهِ}: أفمن أطاع الله واتبع أمره، كمن عصى الله واتبع هواه؟! ليسا بسواء.
وقوله - عز وجل -: {هُمْ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ}:
والدرجات - والله أعلم -: ما يقصدوها أهلها. والدركات: ما تدركهم من غير أن يقصدوها؛ كالدرك في العقود يدرك من غير قصد.
وقيل: الدرجات: ما يعلو. والدركات: ما يَسْفُل، والله أعلم. فهذا في التسمية المعروفة أنْ سُمِّيَتِ النار دركات والجنة درجات، وحقيقة ذلك واحد، والآية تدل على الأمرين.
وقوله - عز وجل -: {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}:
وجه المنة فيما بعث الرسل عليهم من البشر، ولم يرسلهم من الملائكة ولا من الجن - وجوه:
أحدها: أن كل جوهر يألف بجوهره، وينضم إليه ما لم يألف بجوهر غيره، ولا ينضم إلى جنس آخر، فإذا كان كذلك، والرسل إنما بعثوا لتأليف قلوب الخلق وجمعهم، والدعاء إلى دين يوجب الجمع بينهم، ويدفع الاختلاف من بينهم - فإذا كان ما وصفنا بُعِثُوا من جوهرهم وجنسهم؛ ليألفوا بهم وينضموا إليهم، والله أعلم.
والثاني: أن الرسل لا بدّ لهم من أن يقيموا آيات وبراهين لرسالتهم، فإذا كانوا من غير جوهرهم وجنسهم لا يظهر لهم الآيات والبراهين؛ لما يقع عندهم أنهم إنما يأتون ذلك بطباعهم دون أن يأتوها بغير إعطائهم إياها ذلك.
والثالث: أن ليس في وسع البشر معرفة غير جوهرهم وغير جنسهم من نحو الملائكة والجن؛ ألا ترى أن البشر لا يرونهم؟! فإذا كان كذلك بُعِثُوا منهم؛ ليعرفوهم ولتظهر لهم الحجة، والله أعلم.
ثم المنة الثانية: حيث بعثهم من نسبهم وجنسهم وحَسَبهم لم يبعثهم من غيرهم؛ وذلك أنهم إذا بعثوا من غير قبيلهم وجنسهم لم يظهر لهم صدقهم ولا أمانتهم فيما ادعوا من الرسالة، فبعثهم منهم؛ ليظهر صدقهم وأمانتهم، لَمَّا ظهر صدقهم وأمانتهم في غير ذلك؛ فيدلّ ذلك لهم أنهم لما لم يكذبوا بشيء قط ولا خانوا في أمانة - لا يكذبون على الله تعالى.
والثاني: أنهم إ ذا كانوا من غير نسبهم فلعلهم إذا أتوا بآية أو براهين يقولون: إنما كان ذلك بتعليم من أحد، واختلاف إلى أحد ممن يفتعل بمثل هذا، بعثهم الله منهم؛ ليعلموا أنهم إذا لم يتعلموا من أحد، ولا اختلفوا فيه - أنهم إنما علموا ذلك بالله - تعالى - لا بأحد من البشر، والله أعلم.
ألا ترى أن ما أتى به موسى - صلوات الله عليه - من الآيات من نحو: العصا، واليد البيضاء وغير ذلك لو كان سحراً في الحقيقة لكان من أعظم آيات رسالته: لأنه لم يعرف أنه اختلف إلى أحد في تعلم السحر قط، وقد نشأ بين أظهرهم، فكيف ولم يكن سحراً؟! فدل أن لله على خلقه منة عظيمة؛ فيما بعث الرسل من نسبهم وقرابتهم، وومن نشأ بين أظهرهم لمعنى الذي وصفنا، والله أعلم.
وقيل: قوله: {رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ}، أي: من العرب معروف النسب أميّاً؛ ليعلموا أنه إنما أتى به ما أتى سماويّاً وَحْياً، وألا يرتابوا في رسالته وفيما يقوله، كقوله:
{ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ } الآية [العنكبوت: 48].
وقوله - عزّ وجلّ -: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}:
يحتمل: إعلام رسالته ونبوته، ويحتمل الآيات الحجج والبراهين، هما واحد، ويحتمل: آيات القرآن.
وقوله - عز وجل -: {وَيُزَكِّيهِمْ}:
يحتمل: التزكية من الزكاء النماء، وهو أن أظهر ذكرهم، وأفشى شرفهم ومذاهبهم؛ حتى صاروا أئمة يذكرون ويقتدون بهم بعد موتهم؛ قكوله - تعالى -:
{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [الشمس: 9]: أظهره ولم يُخمل ذكرهم؛ ألا ترى أنه قال: { وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } [الشمس: 10] أي: أخفاها وأخملها؟! ويحتمل: {وَيُزَكِّيهِمْ}، أي: يطهرهم بالتوحيد، وقيل: {وَيُزَكِّيهِمْ}، أي: يأخذ منهم الزكاة؛ ليطهرهم.
وقوله - عز وجل -: {وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}
أن ينصرف إلى وجوه، وقد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ}:
وقد ذكرنا الضلال أنه يتوجه إلى وجوه: إلى الهلاك، وإلى الحيرة، وإلى خمول الذكر وغيره.