التفاسير

< >
عرض

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ
١٤
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ
١٥
ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ
١٦
ٱلصَّابِرِينَ وَٱلصَّادِقِينَ وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْمُنْفِقِينَ وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ
١٧
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ}.
أي: الشيهات.
{مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ}.
وما ذكر ... إلى آخره.
قال الحسن: واللهِ ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله تعالى، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله - عز وجل - زيَّن هذه الأشياء، والتزيين من الله [- سبحانه] وتعالى - يقع لوجهين، وكذلك الكراهة - أيضاً - تقع لوجهين:
تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويُشْتَهي، وإن لم يكن في نفسه حَسَناً.
وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر او حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعاً له، ردّاً عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبداً يميل [ويرغب] إلى ماهو ألذّ وأشهي وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه. والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله صلى الله عليه وسلم:
"حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" : ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } [البقرة: 216]: ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة - أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع - بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارِّ؛ دليله قوله: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِيۤ أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [النساء: 65] أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجاً؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع؛ لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله تعالى، وكذلك الكراهة في الطبع تكره من الله تعالى.
فأمّا قولهم: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها - فنعم. وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نَفَّسَهَا لهم - فلا؛ لأن الله - تعالى - وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله:
{ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً } [النساء: 76]، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه - عزّ وجلّ - بالضعف؛ ولكن كان قويّاً، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيَّاهم، وحجَّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } [الأعراف: 27]، فالعدو الَّذي يَرَى هو من يعاديه، ولا يُرَى هو - كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى.
ووجه آخر: أن الشهوات التي أضافت التزيين إليها لا خلاف بينهم في أنها مخلوقة لله [تعالى]، فما بقي للشيطان إلا الدعاء إليها، والترغيب فيها.
وفيه وجه آخر: أنه لو لم يجعل هذا مزيناً من الله تعالى، زال موضع استدلال الشاهد على الغائب، وبالدنيا على الآخرة. وقد جعل ما في الدنيا نوعين: مستحسناً ومستقبحاً.
وجعل ذلك عياراً لما أوعد ووعد، فلما لم يكونا منه - لا يصح موضع التعيير، لأنه - جلّ وعلا - بلطفه سخَّر كلّ مرغوب في الدّنيا، ومدعو إليه من جوهره - في الآخرة، وحسنه؛ ليرغب الناسَ هذا إلى ما في الجنة بحسنه ولطفه زينته، ويدعوهم إلى ترك ما في الدّنيا من الفاني إلى نعيم دائم أبداً، فلو جعل هذا من تزيين الشيطان - لعنه الله - ومصنوعه لهم، لذهب عظيم موضع الاستدلال الذي ذكرنا؛ فدلّ أنه مزين منه عز وجل، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
ثمّ امتحنهم [الله] - عز وجل - بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول، وبالله التوفيق.
ثم في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، وأمّا في النساء والبنين: فلما مُتِّعوا بهم - أوجب عليهم النفقة كذلك. وقوله - عز وجل - {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ}: أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة [رضي الله عنه]: إِنَّ فِي الخَيْلِ صََدَقَةً، ثم اختلف في المسوّمة؛ قال بعضهم: هي المسيبّة الراعية.
وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: "المُسَوَّمَةُ الرَّاعِيَة".
وقال غيرهم: المُطَهَّمَة، وهي المُحَسَّنة.
ثم أخبر أن ما ذكر في الآية {ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا}، وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: {حُسْنُ ٱلْمَآبِ}، إن هم تركوا مما امتُحِنُوا [به]، ثم قال: إن من اتقى في الدنيا [له خير] من ذلك بقوله:
{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذٰلِكُمْ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...} إلى آخره.
ثم اختلف في {وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ}؛ منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.
ومنهم من قال: اثنا عشر ألفاً.
ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.
ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مَسْكِ ثور ذهباً أو فضة.
ومنهم من يقول: كل مائةٍ قنطارٌ من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يُدرَى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر، والله أعلم.
وقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}.
قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال: وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذِّكْر جَرَى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا [فيهن] من فضل المعايب والأذى.
وقوله: {ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ آمَنَّا...} الآية.
قد رضي [منهم] بهذا القول، وفيه تزكية لهم، ولو كان الإيمان: جميعَ الطاعات - لم يرض منهم [التزكية بها، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن للذين اتقوا عند ربهم في الجنة خيراً من هذا الذي زيّن] للناس في الدنيا من النساء، وما ذكر إلى آخره.
وقوله: {لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا}: يحتمل: اتقوا الشرك. ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.
وقوله: {ٱلصَّابِرِينَ}. قيل: الصَّابرين على طاعة الله.
وقيل: [الصابرين] على أداء الفرائض.
وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.
والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.
وقوله: {وَٱلصَّادِقِينَ}. قيل: في إيمانهم.
وقيل: الصَّادقين بما وَعَدوا.
وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.
{وَٱلْمُنْفِقِينَ}. يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات. ويحتمل المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضاً من حق القرابة والصلة.
{وَٱلْقَانِتِينَ}. قيل: القانت: الخاضع.
وقيل: القانت: المطيع.
وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعاً وخاشعاً وخاضعاً ومقراً.
وقيل: القانت: المقرّ كقوله:
{ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ } [البقرة: 116]، أي: مقرون.
وقال قتادة: {ٱلصَّابِرِينَ}: الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه. {وَٱلصَّادِقِينَ}: الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية {وَٱلْقَانِتِينَ}: المطيعين. {وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}، {وَٱلْمُنْفِقِينَ}: يعني: نفقة أموالهم في السبيل الله.
{وَٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحَارِ}: قيل: المصلين بالأسحار.
وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.
وأصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارْتُكِب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبداً، ليس كقول الناس: نسغفر الله، غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح [عليه السلام]: لقومه:
{ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ } [نوح: 10] أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر - عز وجل - أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا، والله أعلم.