التفاسير

< >
عرض

قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
٢٦
تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٢٧
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} الآية [آل عمران: 26]: يحتمل قوله: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} وجهين:
أحدهما: مالك ملك كل ملك في الدنيا له حقيقة الملك.
والثاني: أن الملك له، يؤتي من يشاء من ملكه، وينزع ممن يشاء الملك، وهو المالك لذلك، والقادر عليه.
والآية ترد على القدرية قولهم: لأنهم يقولون: إن الله لا يعطي الكافر الملك، وهو قد أخبر - عز وجلّ - أنه يؤتي من يشاء الملك، وقد يؤتي الكافر به الملك، فإن قالوا: أراد بـ"الملك": الدين، فقد أخبر - عز وجل - أيضا أنه ينزع، فكيف يستقيم على قولكم في الأصلح هذا.
ثم في الآية تقوية لمن قرأ:
{ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } [الفاتحة: 4] بالألف لأنه أعمّ وأجمع؛ لأنه قال: {مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} وهو أعمّ.
والثاني: أن "الملك" إنما يعتبر عن الولاية والسلطان، و"المالك": إنما يعبر عن حقيقة الملك، ومن له في الشيء حقيقة الملك - فله ولاية التغلب والتصرف فيه ولاية السلطان، ولا كل من له ولاية السّلطان يكون له ولاية التغلب فيه؛ لذلك كان بالألف أقرب، ومن قرأ: "ملك يوم الدين" بغير ألف ذهب إلى أن هذا كقوله:
{ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } [الحج: 56] ومن الملك يقال: ملك؛ لا يقال: مالك؛ لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
والمالك - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]؛ وكذلك الرب - على الإطلاق - لا يقال إلا [على الله]، وأما العبد فإنه يقرن الشيء إليه؛ فيقال ربّ الدار ومالكها، ورب الدابة ومالكها، والله أعلم.
وقوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ}:
قال قائلون: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّة.
وقال آخرون: الخطاب بذلك لكل عاقل؛ وهو كقوله:
{ قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1] إلى آخر الآية، ذلك الخطاب لكل أحد لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصّة.
وقال الشيخ -رحمه الله -: ليس هو خطاب؛ ولكنه أمر بالبلاغ ليقوله كل أحد؛ لأنه لو خوطب به لم يذكر "قل" عند قراءته.
وقوله: {ٱللَّهُمَّ}: قال قائلون: "اللهم" يعني: يا آلهتهم.
وقال آخرون: "الله" - على القطع - "أمّنا" اقصدنا بالخير، والله أعلم.
قال الشيخ -رحمه الله - في قوله: {قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ} الآية: فكأنه - عز وجل - امتحن من رغب في الملك، أو نال حظّاً منه - أن يصرفوا وجه الرغبة إليه، أو يروا حقيقة ما نالوه منه؛ فيوجهون إليه الشكر، ويخضعون له بالعبادة والطاعة فيما أمرهم به؛ لينالوا شرفة ويدوم له عزّه؛ وذلك كقوله:
{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } [النساء: 134] ليريهم أن الذي يملك هذا النوع الذي رغبت فيه أنفسكم، ومنعتكم عن القيام بحقهِ - هو الذي يملك ذلك؛ فإليه فاصرفوا سعيكم، وبشكره استديموا، الذي له اخترتم جل كدحكم؛ فإنه يملك ذلك دون غيره؛ وجملة ذلك في قوله: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } [النحل: 53] ومعقول فيما عليه طبع البشر، وإليه دعاهم عقولهم: أن كل شيء تؤثره أنفسهم - كان الذي يحق عليهم طلبة عند من به يوصل إليه، واختيارهم ما به يبلغون ما يأملون من أنواع الحيل التي تقربهم إلى ذلك، فمثله يلزم أمر الملك ولذَّات الدُّنيا، وتقرر في قلوبهم وجود ذلك لقوم؛ لو كان ينال بالتدبير أو بحسن السياسة، وطلب ذلك من الوجوه التي يطلب بها البشر - لم يكن الدين لهم ذلك بأحق من غيرهم؛ بل كان فيمن حرموا مَنْ هم أولى بذلك، وأحق أن يكون في ذلك متبوعاً لا تابعاً من الذين نالوه؛ ليعلم أن الذي يملك دفع ذلك إلى أحد أو تمليكه أحداً، غير الذين صرفوا كدحهم، وجعلوا له سعيهم؛ فيكون لله في كل أمر ممّا عليه أمر البشر آية عظيمة، وعلامة لطيفة على تفرده بملك ذلك، وتوحُّدِهِ بالتدبير فيه لمن له بصيرة ولمن به يمتحن عباده.
وعلى ذلك إذ ثبتت في ذلك أدلة التوحيد، ولزوم الاعتبار به؛ ليعرف من له الحق - ثبت القول ببطلان ما ينكره كثير من المعتزلة؛ أن الملك ناله الجبابرة، والسعة التي تصل إلى الكَفَرَة - لم يكن نالوه بتقدير الله، ولا وصلوا إليه بتدبيره؛ إذ حقه ما ذكرت من عظيم ما فيه من النعم؛ ليلزمهم به أرفع المحن وأعلى الشكر، وله أن يبلو بالحسنات والسّيئات؛ كما وعد عز وجل؛ وجملته: أن الدنيا إذ هي دار محنة ومكان ابتلاء، فليس الذي يعطي منه على الاستحقاق، ولا ما يمنع على العقوبة - وإن احتمل الدفع والمنع لذلك - ولكن له وللمحن، والمحنة أكثرها على مخالفة الأهواء، وتحمل المكاره، ويكون ذلك على إعطاء ما يعظم في أنفسهم، أو التمكين ليمتحنوا؛ فيتبين الإيثار والترك لوجه الله، والرغبة فيمن إليه حقيقة ملك كل شيء، أو الميل إلى من إليه أنواع التغرير والمخادعات من غير تحقيق، ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذ1لك قوله:
{ أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ } [البقرة: 258] يبيّن ذلك احتجاجه على إبراهيم [- عليه السلام -] بالذي ذكر، وإغضاء إبراهيم عنه، ولو كان الذي آتاه [الله] الملك إبراهيم [- عليه السلام -] لم يكن ليجترئ على تلك المقالة بقوله: { أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ } [البقرة: 258]، ولا قوة إلا بالله.
ثم على قول المعتزلة؛ إنّ الله - تعالى - إنما يشاء أن يؤتي الملك أولياءه، وينزع عن أعدائه في الجملة، فكيف ادعى لنفسه هذا السلطان والملك، وكان الوجوب على ضدّ ذلك؟! أيظن المعتزلة أن الملحدة تطعن ما هو يوجب الشبهة في حجج التوحيد بأوضح مما أعطاهم المعتزلة بهذا القول، أو يمكنهم من الطعن في نقض ما ادعت الموحدة من علو الرب وقدرته وجلاله بأبلغ مما لقنتهم المعتزلة بما لبست ثوب التوحيد، واستترت بستره في الظاهر، ثم أعطت للملحدة هذا؛ ليظنوا أنهم بلغوا ما به نقض التوحيد، ودفع حجج أهله، جل الله عما وصفته الملحدة، وتعالى، فيه العصمة والنجاة.
ولما أعطتهم المعتزلة في الجملة سبقهم به إبليس، حتى كانوا بمثله يحتجون؛ فيظنون أنهم أحق بالنبوة منهم، بما أعطوا من الملك والثروة في الدنيا؛ فظنوا أنهم أجل عند الله - تعالى - وأرفع في المنزلة منهم، من لم يكن ليؤثرهم بالرسالة عليهم، لكن أولئك حققوا حقائق النعم لله، ونيل ما نالوا من الملك والشرف به، والمعتزلة رامت إزالة ذلك عن الله؛ ليزيلوا عنهم ما لزمهم من الشكر له، والطاعة لمن بعثه الله، وأسأل الله تمام نعمه في الدين والدنيا.
وقوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}، وقوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} ونحو ذلك: وجوه من الأدلة.
أحدها: أن يعلم أن الله [- عز وجل -] فيما يخلق - لا يخلق على معونة الأسباب، وتوليد الطبائع؛ لأن الأسباب تكون بموضع الإشكال؛ وكذلك الطباع تولد الذي في جوهرة؛ نحو: الحار يولد الحرارة، والبارد [يولد] البرودة؛ فبين [الله - تعالى -] الإنشاء على أحوال التضاد؛ [ليعلم] أنه القادر على اجتماع ما شاء بلا معونة من ذلك ولا توليد، ولا قوة إلا بالله.
والوجه الثاني: أنه جرى تقدير ذلك على ما لا تفاوت له، ولا اختلاف في اختلاف الأعوام؛ ليعلم أنها مسوّاة على التدبير، أحكمه على ذلك العزيز الحكيم، الذي لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه أمرّ وليعلم أن الذي قدر على ذلك واحد؛ إذ لم يختلف ولم يتناقض، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه قد صيّر كل جوهر بأحداث الآخر؛ كأنه لم يكن قط، ولا كان بقي له أثر، ثم رده بالوصف الذي كان؛ حتى لا يفوت منه شيء، حتى لا سبيل إلى العلم بالتفصيل بينهما؛ ليعلم أن قدرته على البعث، بعد أن يفني كل الأجزاء والآثار، على ما كان، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً، أنه إذ بنى الأمر على ما فيه من عظيم الحكمة، وعجيب التدبير - لم يجز أن يكون فعله خارجاً على العبث، ثم في رفع المحنة، وإبطال الرسالة في تعليم ما في ذلك من الحكمة، وما يلزم بمكان ذلك التدبير من الشكر والمعرفة، ثم من الترغيب فيما يملك من النعمة، والترهيب عما عنده من النقمة - إبطال الحكمة، وتقرير العالم مَع ما ذكرت على العبث، وذلك فاسد في العقول، وموجود في الجواهر عظيم حكمة منشئها، ثبت بذلك العبادة والرسالة والجزاء، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {لْمُلْكِ تُؤْتِي ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَآءُ} إلى آخره: يحتمل وجهين:
يحتمل أن تؤتي ابتداء من غير أن كان آتاهم مرة؛ وكذلك تنزع - أي تمنع - ابتداء من غير أن كان آتاهم، ثم ينزع؛ كقوله:
{ رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ } [الرعد: 2] رفع ابتداء من غير أن كانت موضوعة فرفعها؛ وكقوله: { يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ } [البقرة: 257] إخراج الابتداء، لا أن كانوا فيها ثم أخرجهم، فعلى ذلك هذا، وعلى ذلك قوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} إيلاج ابتداء، لا أن كان أحدهما في الآخر؛ كقوله - تعالى -: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ } [القصص: 71] و { ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً } [القصص: 72] أخبر أنه لم يجعل واحداً منها مؤبّدا؛ وكذلك قوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ} إخراج ابتداء؛ أن يخلق الحي من الميت ابتداء، ويخلق الميت من الحي من غير أن كان فيه؛ ويحتمل هذا كله أن كان يؤتي الملك بعد أن لم يكن، ويعزّ بعد الذل، وينزع الملك بعد أن كان، ويذل بعد أن كان العز؛ [وكذا قوله: {تُولِجُ ٱللَّيْلَ فِي ٱلْنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ}: أن يدخل بعض هذا في هذا، وهذا في هذا].
وقوله: {وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ ٱلَمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ}: قيل: أن يخرج حي الأقوال من ميت الأفعال، وميت الأفعال من حي الأقوال، يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن؛ على ما سمى الله - تعالى - الكافر ميتاً، والمؤمن حيّاً في غير موضع من القرآن.
وقيل: يخرج حي الجوهر من ميت الجوهر، وميت الجوهر من حي الجوهر.
وقيل: يخرج الحي من المني، ويخرج المني من الحي.
وقيل: البيضة من الحي، والحي من البيضة.
وقيل: النخلة من النواة، والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة، والسنبلة من الحبة.
وقوله: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
قيل: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}: يعرف الخلق عدده ومقداره.
وقيل: بغير تبعة ولا طلبة؛ أي: لا يحاسبهم فيما أعطاهم من بعد ما أعطاهم.
ويحتمل: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}، أي: لا يعطيهم بحساب أعمالهم، ولكن بتفضل، خلافاً للمعتزلة.
ويحتمل: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}: في الآخرة.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: "بغير هنداز - فارسية معربة".
وعن مقاتل: "لا يقدر ذلك غيره؛ يقول: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني" والله أعلم.