التفاسير

< >
عرض

وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ
٥٤
إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
٥٥
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٥٦
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ
٥٧
-آل عمران

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}.
مكروا بنبيّ الله عيسى - عليه السلام - حيث كذبوه وهمّوا بقتله، {وَمَكَرَ ٱللَّهُ}، أي: يجزيهم جزاء مكرهم؛ وإلا حرف المكر مذمومٌ عند الخلق؛ فلا يجوز أن يسمَّي الله به إلا في موضع الجزاء؛ على ما ذكره - عز وجل - في موضع الجزاء؛ كقوله:
{ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ... } [البقرة: 194] والاعتداء منهي [عنه] غير جائز؛ كقوله: { وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ } [البقرة: 190]؛ فكان قوله: {فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ...} هو جزاء الاعتداء؛ فيجوز؛ فعلى ذلك المكر والخداع والاستهزاء: لا يجوز أن يسمَّى به، فيقال: يا ماكر، ويا خادع، ويا مستهزئ؛ لأنها حروف مذمومَّة عند الناس؛ فيَشْتُمُ بعضهم بعضاً بذلك؛ لذلك لا يجوز أن يسمَّى الله - تعالى - به إلا في موضع الجزاء. وبالله العصّمة.
وقوله: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}:
أي: خير الجازينَ أهل الجور بالعدل، وأهل الخير بالفضل.
وقيل: {وَمَكَرُواْ}؛ حيث كذبوه وهمَّوا بقتله، {وَمَكَرَ ٱللَّهُ}؛ حيث رفع الله عيسى - عليه السلام - وألقى شبهه على رجل منهم حتى قتلوه؛ فذلك خير لعيسى - عليه السلام - من مكرهم.
وقيل: {وَمَكَرُواْ}، أي: قالوا، {وَمَكَرَ ٱللَّهُ}: قال الله. وقولهم الشرك، وقال لهم: قولوا التوحيد.
{وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}، أي: خير القائلين.
قال الشيخ -رحمه الله -: {وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ}؛ بما بالحق يمكر، ويأخذ من استحق الأخذ، وهم لا، والله أعلم.
والمكر: هو الأخذ بالغفلة، والله يأخذهم بالحق من حيث لا يعلمون؛ فسمي مكراً لذلك؛ كما يقال: امتحنه الله وهو الاستظهار، ولكن لا يراد به هذا في [حق] الله.
وقوله: {إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}:
اختلف فيه: قيل: هو على التقديم والتأخير: ورافعك إليَّ، ثم متوفيك بعد نزولك من السماء، ولكن هو التقديم والتأخير، ولم يكن في الذكر فهو سواء؛ لأنا قد ذكرنا أنْ ليس في تقديم الذكر، ولا في تأخيره ما يوجب الحكم كذلك؛ لأنه كَمْ مِنْ مُقَدَّمٍ في الذكر هو مؤخَّر في الحكم، وكم من مؤخر في الذكر هو مقدم في الحكم، فإذا كان كذلك: لم يكن في تقديم ذكر الشيء، ولا في تأخيره - ما يدل على إيجاب الحكم كذلك؛ كقوله:
{ ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مَوْتِـهَا } [الزمر: 42]: فإنما هو قبض الأرواح؛ فيحتمل الأول كذلك، ويحتمل توفي الجسم، أي: متوفيك من الدُّنيا، أي: قابضك، وليس بوفاة موت.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ}، أي: مميتك وهو ما ذكرنا؛ ليعلم أنه ليس بمعبود.
وقوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}:
هو على تعظيم عيسى - عليه السلام - ليس على ما قالت المشبهة بإثباتها المكان له؛ لأنه لو كان في قوله: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} يوجب ذلك، يجب أن يكون أهل الشام أقرب إليه؛ لأن إبراهيم - عليه السلام - قال:
{ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ } [الصافات: 99]، والكفرة إليه قريب منه؛ كقوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ}؛ دل هذا أن ما قالوا خيال فاسد - تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً - ولكن على التعظيم التبجيل، أعني: المضاف إليه.
والأصل في هذا: أن الخاص إذا أضيف إلى الله فإنما يراد به تعظيم ذلك الخاص؛ نحو ما قال: "بيت الله"؛ على تعظيم البيت،
{ نَاقَةَ ٱللَّهِ } [الشمس: 13]؛ فهو على تعظيم الناقة، ونحوه مما يكثر [وقوعه].
وإذا أضيف الجماعة إليه، فهو على إرادة تعظيم الربّ - جل ثناؤه - نحو:
{ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الفاتحة: 2]، { لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [البقرة: 107] ونحوه؛ كله على إرادة تعظيم الربِّ، جل ثناؤه.
وقوله: {وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}:
قيل فيه بوجوه:
قيل: مطهرك من أذى الكفرة، من بيت أظهر المخالفين لك.
وقيل: ومطهرك من الكفر والفواحش، ويحتمل: مطهرك ممَّا قالوا فيك.
وقوله: {وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوْقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}.
يحتمل: يجعله فوق الذين كفروا بالقهر والغلبة والقتل، ويحتمل: بالحجَّة، ويحتمل: في المنزلة والدرجة في الآخرة.
ويحتمل قوله: {وَمُطَهِّرُكَ} بقتل الكفرة من وجه الأرض؛ على ما ذكر في بعض القصَّة: أنه ينزل من السماء، فلا يبقى على وجه الأرض كافر إلا وهو يقتله مع الذين ابتعوه؛ فذلك تَطْهِيرُهُ وَجَعْلُ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا.
وقوله: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ}.
ذكر هذا - والله أعلم - وإن كان المرجع للكل إليه في [كل] حال؛ لأنهم يُقِرُّونَ ويعترفون في ذلك اليوم أن المرجع إليه، وكانوا ينكرون ذلك في الدُّنيا؛ وهو كقوله:
{ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ للَّهِ } [الحج: 56] الملك كان في ذلك اليوم وفي غير ذلك اليوم، ولكن معناه: لا ينازعه أحد يومئذ في ملكه، ويقرون له بالملك، وفي الدُّنيا أنكروا ملكه؛ وهو كقوله: { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً } [إبراهيم: 21] كلهم بارزون لله في كل وقت؛ لكنهم أنكروا بروزهم في الدنيا له؛ فيقرون يومئذ بالبروز له؛ فكذلك الأول، والله أعلم.
وقوله: {فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
يحتمل: أحكم بينكم مَنِ المحقُّ منكم، ومَنِ المبطلُ.
ويحتمل: أحكم بينكم: أي: أجزيكم على قدر أعمالكم.
ويحتمل: أحكم بينكم أي، أجزي كلا بعمله على ما يستوجبون.
وقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} الآية:
وقوله: {فِي ٱلدُّنْيَا}، قيل: القتل، والجزية، وفي الآخرة: العذاب.
قال الشيخ -رحمه الله - في قوله: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} فقوله: {مُتَوَفِّيكَ}: يحتمل تَوَفِّي الموت بما يقبض روحه كفعله بجميع البشر؛ تكذيباً لمن ظن أنه الله، أو ابنه، لا يحتمل أن يموت، وقد ألزمهم هذا أيضاً بوجهين ظاهرين - وإن كان فيما عليه خلقته وجوهره. ثم تقلبه من حال إلى حال في نفسه، ومكان إلى مكان في حق القرار والحاجة - كفاية لمن يعقل الحقائق، وبُلْغَة لمن تأمَّل الأشياء عبرا.
أحدهما: بقوله:
{ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ } [المائدة: 75]، وقوله: { عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ } [البقرة: 87] حتى ينطق به لسان كل منهم، ومعلوم إحالة ابن بشر إلهاً أو ولداً لإله؛ إذ هو يكون أصغر منهما وذلك آية حدثه، وكذلك قوله في المهد: { إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ } [مريم: 30] إلى آخر ما ذكر، مع ما لو احتمل ذلك لكان آدم - عليه السلام - الذي هو الأصل، هو المقدم، وهو الذي لا يعرف له وَالِدَانِ أحق أو هو؛ إذ هو بجوهره فهو ولده لا غير، أو ذلك وصف الأولاد، والله أعلم.
والثاني:
{ يَأْكُلاَنِ ٱلطَّعَامَ } [المائدة: 75]: فأخبر عن حاجته وغلبة الجوع عليه، وفقر نفسه إلى ما يقيمها من الأغذية. ثم في ذلك حاجة إلى الخلاء، واختيار الأمكنة القذرة لقضاء حاجته، وبالله التوفيق.
والثالث: على قبضه بنفسه من بين أظهر أعدائه، ورفعه إلى ما به شرفه، وتطهيره مما كان يحسُّ منهم من الكفر وأنواع الفساد، وختمه من بين البشر على جه آية يكون له عليهم من أول أحوال ظهوره إلى آخر أحوال مقامه فيهم؛ ليكون أوضح لمتبعيه في الآيات، وعلى مخالفيه في قطع العذر. ولا قوة إلا بالله.
وفي الدعاء إلى المباهلة دلالة ظهور التعنت والعناد، وفي تخلفهم عن ذلك دليل علمهم بتعنتهم وخوفهم مما قد وُعِدوا بالنزول عليهم، ثم لزموا مع ذلك ما كانوا عليه من السفه والعناد؛ ليعلم أن الحيل عمن اعتاد المعاندة منقطعة، ومعلوم أن الدعاء إلى المباهلة لا يكون في أول أحوال الدعوة؛ وإنما يكون بعد توفير الحجة وقطع الشبهة؛ ففي ذلك بيان أنه انت ثَمَّ محاجَّاتٌ، وحتى بلغ الأمر هذا، وعلى ذلك أمر القتال أنه لم يوضع في أول أحوال الإرسال، وفي الحال التي للقول وللحق وجه القبول من طريق النصف والعقل؛ وإنما كان [عند ظهور] معاندتهم، وكثرة سفههم، حتى همّوا بالقتل، وأكثروا الأذى، وأكرهوا أقواماً على الكفر، وأخرجوا [رسول] ربّ العزة من بين أظهرهم بما راموا قتله، وطردوا أصحابه من بلادهم حتى تحصّنوا بالغيران، فأذن الله [تعالى] عند ذلك بالقتال، وفتح الفتوح؛ ليكون آيته في كل وجوه الآيات ظاهرة وججته بينة، وفي ذلك جواز محاجة الكفرة في التوحيد والرِّسالة، لكن على ما قال الله - تعالى -:
{ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [النحل: 125]، و { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً } [الكهف: 22] نهي عن التعمق والخوض فيما تقصر عنه الأفهام، وإن كان معلوماً أن لله حججاً ظاهرة وغامضة، ولا قوة إلا بالله.
وفي ذلك تعليم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: أنه يكون ذلك باللطف والرفق يرى المقصود [به]؛ ليقرر به عنده الحجة، ويزيل عنه الشبهة من الوجه الذي يحتمله عقله، ويبلغه فهمه، فإن رآه يتعامى في ذلك يوعده ويخوفه بالذي في ذاك من الوعيد. فإن رأيته يكابر عرفت شؤم طبعه وسوء عنصره، يوعده بما جاء به التعليم من الضرب والحبس، فإن نفع ذلك، وإلا بكف شره عن غيره وتطهير الأرض منه؛ فإنه النهاية في القمع، والغاية فيما يحق من معاملة السفهاء، والله أعلم.
لكنه على منازل لا يحتمل انتهاء كل أنواع المآثم إلى هذه الغاية؛ بل فيها ما كان أعظمها دون هذا بكثير - والله أعلم - لذلك يلزم تعرف مقادير الآثام أولاً؛ ليعرف بها ما يحتمل كل إثم من العقوبة فيه والزجر به، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ}:
لأنه لا يحب الظلم.