التفاسير

< >
عرض

وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ
٢٦
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
٢٧
ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٨
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ
٢٩
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
٣٠
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ
٣١
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
٣٢
-الروم

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَلَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} حرف "من" إنما يتكلم به ويعبّر عمّن له الملك والتدبير والتمييز، وحرف "ما" عن ملك الأشياء نفسها، فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له فالأملاك أحق أن تكون له.
يخبر - والله أعلم - عن غناه وسلطانه وقدرته، أي: من له ما ذكر في السماوات والأرض لا يحتمل أن يمتحنهم ويأمرهم بأنواع العبادات والطاعة لحاجة نفسه؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحن ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضاً.
وقوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} قال بعضهم: القنوت: القيام، والقانت: القائم، فإن كان هذا فتأويله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي: قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم، والابتداء والإعادة، وفي كل حال: إن أوجد وجد، وإن أعدم صار معدوماً، وإن أحياه حيي، ونحوه، في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقال بعضهم: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي: مطيعون، فإن كان على هذا ونحوه فهو في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقال بعضهم: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي: مطيعون، فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له، والشهادة لله بالوحدانية والربوبية، والتدبير له، والعلم في ذلك؛ لأن الله جعل في خلقة كل أحد، وكل شيء، وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه وحكمته، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصنعة.
وقال بعضهم: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي: خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة، يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك؛ حيث قال:
{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } [يونس: 65] وقولهم: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ } [يونس: 22] ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون له ويطيعون، والله أعلم.
وقوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} لا يحتمل أن يخلقهم وينشئهم لحاجة نفسه، أو لمصلحته؛ لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسة، أو يأمره لذلك، ولكن إنما يبدئ ويعيد لحاجة أنفسهم.
أو يخبر أن من قدر على ابتداء الشيء يملك إعادته.
{وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} اختلف فيه:
قيل: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} هيّن ابتداؤه وإعادته؛ كقوله:
{ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } [التغابن: 7] وقوله: { هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ } [مريم: 9]، ويجوز العبارة بأفعل عن فعيل؛ نحو ما يقال: الله أكبر؛ أي: كبير، وأعظم بمعنى: عظيم، ونحوه كثير؛ فعلى ذلك قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أي: عليه هيّن؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء؛ بل الأشياء كلها بمحل واحد تحت قوله: {كُنْ} وإنما يقال: أهون وأيسر، لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه ذلك إذا قلت وضعفت، فأمّا الله - سبحانه وتعالى - فهو الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب، فلا جائز أن يقال شيء أهون من شيء، وإنما يجوز ذلك فيمن كان فعله لا يكون إلا بسبب.
وقال بعضهم: قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} في عقولكم، وتدبيركم، وتقديركم؛ أي: إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه؛ لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء، وقد يملكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه وشاهدوه؛ فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه، فإذا عاينتم وأقررتم: أنه قادر على ابتدائه فهو على إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم: قوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} يعني: على ذلك الشيء؛ أي: إعادة ذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من ابتدائه؛ لأنه في الابتداء ينقله ويحوّله من حال النطفة إلى حال العلقة، ثم من حال العقلة إلى حال المضغة، ثم [من] حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه، حتى يصير خلقاً وصورة، فيخبر أن إعادته ليس على هذا التقدير والتحويل من حال إلى حال، ولكن كما ذكر:
{ وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } [النحل: 77] وقوله: { وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ } [القمر: 50] وقوله: { إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } [يس: 29] ونفخة ودعوة وما ذكر، فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.
وقوله: {وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: له الصفات العالية، ثم هو يخرج على وجوه:
أحدها: أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه فهو الموصوف به في الحقيقة؛ على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه؛ فذلك الحمد له في الحقيقة راجع إليه، ذلك كقوله:
{ لَهُ ٱلْحَمْدُ... } الآية [القصص: 70].
والثانى: له الصفة العالية مما يخالف صفات الخلق وشبههم كقوله:
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [الشورى: 11]: لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل: الذي لا مثل له ولا شبه، لا إله إلا هو، واحد لا شريك له.
والثالث: وله الصفات العالية مما لا يضاد بعضها بعضاً: عالم لا جهل فيه، قادر لا عجز فيه، عزيز لا ذل فيه، وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبشيء آخر وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر، وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.
فالله - سبحانه وتعالى - موصوف بصفات لا يضاد بعضها بعضاً ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات، وفي حال من الأحوال؛ لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب، وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وباعتبار يكون لهم؛ لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}: الذي لا يلحقه الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم يذلون ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم؛ لأن عزهم كان بهم، فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون، فأما الله - سبحانه - [فهو] عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.
أو أن يكون قوله: {ٱلْعَزِيزُ} المنتقم عمن يخالف أمره ويعصيه أو يشرك غيره في ألوهيته وربوبيته.
والحكيم: هو الذى لا يلحقه الخطأ في التدبير.
يخبر - والله أعلم -: أني وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة، على علم مني بذلك منهم؛ فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته وعصيانه ومخالفته - هو موصوف بالسفه غير موصوف بالحكمة؛ لأنه يسبق في إهلاك نسفه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه، ومن يسعى في إهلاك نفسه، فهو غير حكيم.
فأما الله - سبحانه - حيث خلقهم وأنشأهم وأعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والمعاداة غير خارج فعله عن الحكمة؛ لما ذكرنا أنه لا يلحقه الضرر ولا النقصان بما علم ويكون منهم من الخلاف له والعصيان والمعاداة، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ} قال بعضهم: ضرب لكم مثلاً.
من مثل خلقكم، يقول - والله أعلم -: يبين لكم مثلا من أنفسكم: ما لو تفكرتم وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله، أو تسميتكم الأصنام بالله.
ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه:
أحدها: قوله: {هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ}، أي: لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم فيما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك؛ فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته؟!
والثاني: يقول: هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم فيم تملكون من الأموال؟! فإذا لم ترضوا به، فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه؟!.
أو يقول: فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به من دونه؟! والله أعلم.
وقوله: {تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ}.
أي: تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم.
وقال بعضهم: تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه.
وبعضهم يقولون: تخافون عبيدكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرار من أوليائكم، وهو قول مقاتل لكن الميراث ليس من الآية في شيء، والأول أشبه.
وفي قوله: {ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ} دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار؛ لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك فيما رزق السادات وملكوا، على العلم أنهم يشتركون جميعاً في المنافع؛ دل أنهم يملكون منافع الأشياء ويشتركون مع الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك، وكذلك يدل قوله:
{ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ... } [النحل: 75] أنه لما نفى عنه القدرة على شيء - والله أعلم - يكون تأويل قوله: { وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [النور: 32]، أي: يغنهم الله من فضله بالمنافع، لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم.
وقوله: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ}.
أي نبينها.
{لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.
أي: لقوم ينتفعون بعقولهم.
والثاني: قوله: {نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ}، أي: نفرق واحدة بعد واحدة، على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ} كذا، {وَمِنْ آيَاتِهِ} كذا، والتفصيل يخرج على وجهين:
أحدهما: التبيين.
والثاني: التفريق في الذكر، فصلت آياته: بينت، وفصلت: فرقت واحدة بعد واحدة.
فإن قال لنا قائل في هذه الآيات التي ذكرت: ما يدل على إيجاب البعث؟ قيل: في هذه [الآيات] التي ذكرت دفع الشبه التي لها أنكروا البعث؛ لأنهم رأوا البعث ممتنعاً بالشبهة التي اعترضت لهم؛ ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي لها رأوا البعث ممتنعاً، حيث أراهم بدء خلقهم وقيام السماء والأرض بالذي ذكر.
ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا: أن خلق الخلق بلا عاقبة تجعل لهم للفناء خاصة خارج عن الحكمة؛ لوجوه:
أحدها: ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تتأمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة؛ فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة يكون خارجاً عن الحكمة.
والثاني: أنه لو لم يجعل البعث وداراً أخرى؛ ليفرق بين العدو والولي مع ما قد سوى بينهما في هذه الدار، وفي الحكمة أن يفرق ولا يسوي بينهما؛ فلو لم يكن دار أخرى فيها يفرق لكان ذلك خارجاً عن الحكمة.
والثالث: في الحكمة أن يجزي المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا ويخرجان منها لا يصيب المحسن جزاء إحسانه، ولا المسيء جزاء إساءته؛ فلا بد من دار أخرى؛ ليجزى فيها كل بعمله، وفيما ذكرنا إيجاب البعث، والله أعلم.
وقوله: {بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَهْوَآءَهُمْ}.
يحتمل قوله: {ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ}، أي: ظلموا أنفسهم، حيث لم يستعملوها فيما أمروا بالاستعمال فيه؛ بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه.
أو ظلموا حجج الله وآياته وبراهينه؛ حيث لم يتبعوها ولم يضعوها موضعها حيث وضعت.
وقوله: {أَهْوَآءَهُمْ} في عبادتهم الأصنام، وصرفها عن الله إلى من لا يستحق العبادة والشكر؛ وذلك لهواهم؛ لأنه ليس معهم حجة ولا برهان؛ كقوله:
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } [الحج: 71] أي: حجة وبرهانا.
وقوله: {فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ}.
أي: أأحد سوى الله يهدي من أضله الله؟ أي من يؤثر الضلال واختاره أضله الله، لا يهديه سواه.
{وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}.
ينصرونهم في دفع عذاب الله عن أنفسهم.
أو {وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ}، أي: من مانعين يمنعونهم عن عذاب الله، والله أعلم.
وقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً}.
قال بعضهم: هذا الخطاب لرسول الله؛ لأنه ذكر الآيات فيما تقدم؛ حيث قال: {وَمِنْ آيَاتِهِ} كذا وكذا، ثم ذكر الذين اتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسول الله: أقم وجهك أنت للدين حنيفاً.
قال الشيخ -رحمه الله - وعندنا أن الخطاب به وبمثله لكل أحد؛ كقوله:
{ قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ } [الكافرون: 1]، و { قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } [الإخلاص: 1]؛ كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا أن قل: هو الله أحد، و: يأيها الكافرون؛ فعلى ذلك قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} هو لكل أحد.
ثم الإقامة تحتمل وجهين:
أحدهما: أقم: أي: داوم جهدك وقصدك.
والثاني: أقم: أتمم.
{فَأَقِمْ} ما ذكرنا {لِلدِّينِ حَنِيفاً}: قال بعضهم: الحنيف: هو من حنف القوم وميله، ومعناه: كن مائلا إلى الدين في كل حال وكل وقت.
وقال بعضهم: هو من الإخلاص والإسلام له.
وقوله: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}.
ثم فسر ذلك فقال: {فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا}: هذا يحتمل وجوهاً:
{فِطْرَتَ ٱللَّهِ}، أي: معرفة الله التي جبل الناس عليها أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف وحدانية ربه وربوبيته؛ على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال صغرهم وطفولتهم؛ ولذلك يخرج قوله:
"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه" ؛ على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبواه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.
والثاني: فطرهم وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على ما جبلوا وفطروا؛ إذ فطر كل منهم وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته.
وكذلك قوله:
"كل مولود يولد على الفطرة" ، أي: على الخلقة التي تدل وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.
والثالث: فطرهم على ما يحتملون الامتحان.
وقوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}.
قال عامة أهل التأويل: لا تبديل لدين الله، سماه: خلقا.
وعلى قول المعتزلة: له تبديل؛ لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}، أي: لا تبديل لما به يقع الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.
فيقال: إن الدين هو ما يدين المرء وهو فعله، مأخوذ من دان، يدين، ثم أخبر أنه خلق الله؛ فدل أنه مخلوق.
وجائز أن يكون قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ}، أي: لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته؛ كقوله:
{ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ } [الملك: 3].
أو لا تفاوت فيما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.
وقوله: {ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ}.
أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين ليس كدين أولئك الكفرة أتباع الهوى.
أو أن يكون الدين القيم، أي: المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.
وقوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}.
هو صلة قوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً} {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}، فهذا يدل على أن الخطاب بقوله: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} للكل؛ حيث قال: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}، أي: أقبلوا إليه وأنيبوا له.
ثم الإنابة تقع فيما يقع به الأمر، كأنه يقول - والله أعلم -: أنيبوا إلى الله بما يأمركم به.
{وَٱتَّقُوهُ}.
ما نهاكم عنه، والتقوى من الإنابة كهي من البر، كقوله - تعالى -:
{ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ } [البقرة: 224] بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه.
وقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}.
هو يحتمل وجوهاً:
{أَقِيمُواْ} أي: الزموا وداوموا فعلها إلى آخر ما تنتهون إليه، ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة.
والثاني: {أَقِيمُواْ} أي: أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك.
والثالث: {أَقِيمُواْ}، أي: وفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها.
وفي الصلاة أحوال ثلاث:
أحدها: الجواز.
والثاني: التمام والكمال.
والثالث: التزيين والتحسين.
ثم الجواز بحق الأركان، والتمام: بحق الشعوب، والتزيين بحق الحواشي.
ويجب على كل مصل خصال ثلاث: صدق النية، وحق الإخلاص له، وحق الخشوع.
وقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}.
يحتمل: أي: لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي: لا تصلوا لغير الله، ولا تعبدوا من دونه.
أو لا تكونوا من المشركين من دونه في تسمية الألوهية والإلهية؛ لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها: آلهة.
أو أن يكون صلة قوله: {مُنِيبِينَ إِلَيْهِ}، أي: كونوا منيبين إليه، موحدين، مقبلين على طاعته ، مخلصين، ولا تكونوا من المشركين له غيره.
وقوله: {مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً}.
قال بعضهم: لا تكونوا من المشريكن، ولا تكونوا من الذين فارقوا دينهم.
ثم قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}، وقرئ: {فارقوا}؛ فهو يحتمل وجهين:
أحدهما: فارقوا دينهم الذي جاءتهم الرسل.
أو فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية.
وقوله: {وَكَانُواْ شِيَعاً} يحتمل: صاروا شيعاً، أي: فرقا وأحزاباً بعدما كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم الرسل.
أو كانوا شيعاً ما يشيع ويتبع بعضهم بعضا؛ لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل واحد وأمر واحد، والله أعلم.
وقوله: {فَرَّقُواْ دِينَهُمْ}، أي: قطعوا دينهم، وجعلوه قطعاً وفرقاً وأديانا، من نحو اليهودية، والمجوسية، والنصرانية وغيرها.
{كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}.
يقول - والله أعلم -: كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به، فرحون.
وجائز أن يكون قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}: في الذي فطرتم عليه، وهو ما جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة، يقول: لا تكونوا من المشركين في ذلك، والله أعلم.