التفاسير

< >
عرض

يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
٤٩
يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً
٥٠
تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً
٥١
لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً
٥٢
-الأحزاب

تأويلات أهل السنة

قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ}.
ذكر أن رجلا جاء إلى ابن عباس فقال: كان بيني وبين عمتي كلام، فقلت: يوم أتزوج ابنتك فهي طالق ثلاثاً؛ فقال: تزوجها فهي لك حلال؛ أما تقرأ هذه الآية: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ...} الآية.
فجعل الطلاق بعد النكاح.
وعندنا: أنه إذا حلف: إن تزوجها فهي طالق؛ يكون طلاقاً بعد النكاح، وليس في الآية منع وقوع الطلاق إذا أضافه إلى ما بعد النكاح.
وقوله: {ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ}، يحتمل المماسة: الجماع، أي: من قبل أن تجامعوهن.
ويحتمل: من قبل أن تدخلوا بهن المكان الذي تماسّونهن؛ وإلا لو دخل بها المكان الذي يماسها، ثم طلقها يجب كمال الصداق، وإذا لم يجامعها، ولم يدخل المكان الذي يماسها حتى طلقها - وجب نصف الصداق؛ ويدل على ذلك قول الله حيث قال:
{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ } [النساء: 21]، والإفضاء ليس هو الجماع نفسه؛ ولكن الدنو منها والمسّ باليد أو شبهه، والله أعلم.
وقوله: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}.
هذا يدل على أن العدة من حق الزوج عليها؛ حيث قال: {فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}، ولا يجوز له أن يجمع بين أختين فيما له من حق؛ فعلى ذلك ليس له أن يجمع بين الأختين في حق العدة التي له قبلها، والله أعلم.
وقوله: {فَمَتِّعُوهُنَّ}.
قال بعضهم: هذه المتعة منسوخة بالآية التي ذكر في سورة البقرة؛ حيث قال:
{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } [البقرة: 237].
وقال بعضهم: هي التي وهبت نفسها بغير صداق، فإن لم يجب الصداق وجب المتعة.
وعندنا: إن كان سمى لها صداقاً، فليس لها إلا نصف الصداق، ولا يجب عليه المتعة وجوب حكم، لكن إن فعل ومتعها فهو أفضل وأحسن، وإن كان لم يفرض لها صداقاً حتى طلقها قبل الدخول بها؛ فهي واجبة على قدر عسره ويسره، والله أعلم.
وقوله: {وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}.
قال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يمتعها إذا سرحها.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يبذل لها الصداق.
وقال بعضهم: السراح الجميل: هو أن يقول: لا تؤذوهن بألسنتكم إذا سرحتموهن، والله أعلم.
وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}.
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: ضمنت أجورهن وقبلت؛ ويكون الإيتاء عبارة عن القبول والضمان؛ وذلك جائز نحو قوله:
{ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } [التوبة: 5] هو على القبول، تأويله: فإن تابوا وقبلوا إيتاء الزكاة؛ فخلوا سبيلهم، هو على القبول والضمان ليس على فعل الإيتاء نفسه؛ إذ لا يجب إلا بعد حولان الحول، وكذلك قوله: { قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ... } [التوبة: 29] إلى قوله: { حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ } [التوبة: 29] ليس على نفس الإعطاء؛ ولكن حتى يقبلوا الجزية؛ إذ الإعطاء إنما يجب إذا حال الحول؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: {ٱللاَّتِيۤ آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: قبلت أجورهن وضمنت.
والثاني: {إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ ٱللاَّتِيۤ} هن لك إذا {آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ}، أي: قبلت؛ معناه: إنا أحللنا لك إبقاءهن إذا آتيت أجورهن.
وفيه دلالة: أن المهر قد يسمى أجراً؛ فيكون قوله:
{ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } [النساء:24]، أي: مهورهن؛ فيكون الاستمتاع بهن استمتاعاً في النكاح؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون قوله: {وَٱمْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}؛ فيكون الخلوص له بلا أجر لا بلفظة "الهبة"؛ لأنه ذكر على أثر ذكر حل أزواجه بالأجر؛ كأنه قال: إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن، وأحللنا لك - أيضاً - امرأة مؤمنة إن وهبت نفسها بلا أجر خالصة لك من دون المؤمنين بغير أجر؛ لأن خلوص الشيء إنما يكون إذا خلص له بلا بدل ولا مؤنة، فأما أن يكون الخلوص بلفظة دون لفظة فلا.
وبعد فإنه قد ذكر في آخر الآية ما يدل على ما ذكرنا؛ وهو قوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ}؛ دل هذا أن خلوص تلك المرأة له بـ"قد..."؛ فإن ذكر هذا له خرج مخرج الامتنان عليه؛ فلا منة له عليه في لفظة "الهبة"، ليست تلك في لفظة "التزويج"، يقول مكان قوله: {وَهَبَتْ}: "زوجت"؛ دل أن المنة له عليه فيما صارت له بلا مهر، لا في لفظة "الهبة".
أو أن يكون قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} في الآخرة، أي: لا تحل لأحد سواك إذا تزوجتها وصارت من أزواجك، فأمّا أن يفهم من قوله: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بلفظة "الهبة" فلا؛ إذ لا فرق بين أن تقول: "وهبت"، وبين أن تقول: "زوجت".
وبعد: فإن كثيراً من الصحابة وأهل التأويل، من نحو: عبد الله بن مسعود، وابن عباس وغيرهما - رضي الله عنهم - لم يفهموا من قوله: {خَالِصَةً لَّكَ} بلفظة دون لفظة، حتى روي عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في قوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ}: "هن الموهوبات"، فما بال الشافعي في فهم ذلك ما ذكر؟!
وبعد فإنه ليس من عقد إلا وهو يحتمل الانعقاد بلفظة "الهبة" من البياعات والإجارات وغيرها؛ فعلى ذلك النكاح، والله أعلم.
وقوله: {وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}.
أي: قد أحللنا لك ما ملكت يمينك، وأحللنا لك أيضاً، {وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ}.
ثم جائز أن يكون حل بنات من ذكر من الأعمام والأخوال للناس بهذه الآية؛ لأنهن لم يذكرن في المحرمات في سورة النساء؛ فيكون ذكر حلهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكراً للناس كافة، كما كان ذكر حل نكاح حليلة زيد بن حارثة له حلا للناس في أزواج حلائل التبني؛ حيث قال:
{ لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيۤ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ } [الأحزاب: 37]؛ فعلى ذلك الأول.
أو أن يكون معرفة حل نكاح بنات الأعمام والعمات ومن ذكر بقوله:
{ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ } [النساء: 24]؛ إذ ذكر المحرمات في الآية على إبلاغ: ما كان بنسب، وما كان بسبب، ثم قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ } [النساء: 24]؛ فيكون ما وراء المذكورات محللات بظاهر الآية، إلا ما كان في معنى المذكورات في الحرمة، والله أعلم.
وقوله: {ٱللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}.
لم يفهم أحد من قوله: {هَاجَرْنَ مَعَكَ}: الهجرة معه حتى لا يتقدمن ولا يتأخرن؛ بل دخل في قوله: {مَعَكَ} من هاجر من قبل ومن بعد، والله أعلم.
وقوله: {مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ}.
قال بعضهم: ما فرضنا على الناس، {فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ}، وهن أربع نسوة لا تحل الزيادة على الأربع، {وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ}، وهي الجواري والخدم يجوز الزيادة على ذلك وإن كثرن.
وقال بعضهم: كان مما فرض الله ألا يتزوج الرجل إلا بولي ومهر وشهود، إلا النبي خاصة؛ فإنه يجوز له أن تهب المرأة نفسها بغير مهر وبغير ولي، والله أعلم.
وقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيۤ أَزْوَاجِهِـمْ}، {فَرَضْنَا}: أي بينا ما يجوز وما لا يجوز، أي: بين ذلك كله في الأزواج.
أو {فَرَضْنَا}: أوجبنا عليهم في أزواجهم من الأحكام والحقوق ونحوها، والله أعلم.
وقوله: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ}: اختلف فيه:
عن الحسن قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها النبي أو يتزوجها، وإذا ترك خطبتها كان لغيره أن يخطبها، ثم إذا خطبها رسول الله، لم يكن لأحد أن يخطبها بعد ذلك، إلا أن يترك خطبتها، أو كلام نحوه؛ فيصرف تأويل الآية إلى ما ذكرنا. وكذلك يقول قتادة: إن الآية في الخطبة.
وقال بعضهم: هذا في قسمة الأيام بينهن كان يسوي بينهن قسمين، فوسع الله عليه في ذلك، فأحل له، فقال: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}، أي: من نسائه، أي: تترك من تشاء منهن، فلا تأتيها، {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ}، فتأتيها.
{وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ}، يقول: ممن اخترت من نسائك أن تأتيها فعلت، فقال: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ} على ترك القسم إذا علمن أن الله قد جعل لك ذلك حلالا، وأنزل فيهن الآية، {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ}، إذا علمن أن الرخصة جاءت من الله - تعالى - له، كان أطيب لأنفسهن، وأقل لحزنهن من ترك ذلك.
وقال بعضهم: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم اللاتي كن تحته خشين أن يطلقهن؛ فقلن: يا رسول الله، اقسم لنا من نفسك ومالك ما شئت ولا تطلقنا؛ فنزل: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}، أي: تعتزل من تشاء منهن أن تعتزل بغير طلاق، {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ}، أي: ترد وتضم من تشاء منهن إليك؛ {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}.
وقال بعضهم: الآية في ترك نكاح ما أباح له من القرابات من يشاء منهن، وفي الإقدام على نكاح من يشاء منهن؛ لأنه على أثر ذلك ذكر، يقول: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}، يعني: من بنات العم والعمة والخال والخالة، فلا تزوجها، {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ}، أي: تضم إليك من تشاء منهن فتزوجها.
فنقول: خير الله رسوله في نكاح القرابة؛ فذلك قوله: {وَمَنِ ٱبْتَغَيْتَ} منهن فتزوجها، و{مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ}، أي: لا حرج عليك في ذلك؛ {ذَلِكَ أَدْنَىٰ}، يقول: أجدر وأحرى وأقرب {أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ}، أي: النساء اللاتي عندك واخترتهن، {وَلاَ يَحْزَنَّ} إذا علمن ألا تتزوج عليهن، ويرضين بما آتيتهن كلهن من النفقة، وكان في نفقتهن قلة.
وجائز أن يكون قوله: {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ}، ذلك حين خيرهن رسول الله بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة؛ فاخترن رسول الله، يقول - والله أعلم -: إذا اخترن المقام عند رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله {ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ} عن قلة النفقة والجماع، {وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ} من النفقة وغيره.
{وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ}، من الحب والرضا، {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً}.
وقوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}.
اختلف في قوله: {مِن بَعْدُ}.
قال قائلون: من بعد اختيارهن رسول الله والدار الآخرة؛ لأن الله لما خيرهن بين اختيار الدنيا وزينتها، وبين اختيار رسول الله والدار الآخرة، فاخترن رسول الله والدار الآخرة قصره الله عليهن، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ} أي: من بعد اختيارهن المقام معك.
{وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}:
فإن كان على هذا فيخرج الحظر والمنع مخرج الجزاء لهنّ والمكافآت؛ لما اخترنه على الدنيا وما فيها؛ لئلا يشرك غيرهن في قَسْمِهِنَّ منه. وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: اشترطنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اخترناه والدار الآخرة: ألا يتزوج علينا، ولا يبدل بنا من أزواج.
ثم استثنى ما ملكت يمينه؛ لأنه لا حظ لهن في القسم.
وقال بعضهم: قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}، أي: من بعد المسلمات: كتابيات لا يهوديات ولا نصرانيات: ألا يتزوج يهودية ولا نصرانية؛ فتكون من أمّهات المؤمنين، {إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} أي: لا بأس أن تشتري اليهودية والنصرانية؛ فإن كان على هذا، ففيه حظر الكتابيات لرسول الله لما ذكر خاصّة، وأمّا المؤمنون: فإنه أباح لهم نكاح الكتابيات؛ بقوله:
{ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ } [المائدة: 5]؛ فيكون حل الكتابيات للمؤمنين دون النبي بإزاء الزيادة والفضل الذي كان يحل لرسول الله.
وقال بعضهم: قوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِن بَعْدُ}، أي: من بعد المذكورات المحللات له في الآية التي قبل هذه الآية من بنات العم والعمات وبنات الخال والخالات؛ يقول: لا يحل لك من النساء سوى من ذكر أن تتزوجهن عليهن، ولا تبديلهن، {وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ}، والله أعلم.
وقوله: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ} أن تتزوج عليهن بعد اختيارهن لك والدار الآخرة على الدنيا وما فيها من الزينة.
أو أن يكون على التحريم نفسه في الحكم، وليس لنا أن نفسّر أي تحريم أراد؟ تحريم الحظر والمنع في الخلق، أو تحريم الحكم؛ لأن ذلك كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان عرفه أنه ما أراد بذلك، والاشتغال به فضل.
والتبديل بهن يحتمل في التطليق: يطلقهن، فيتزوج غيرهن.
ويحتمل بالموت: إذا متن - أيضاً - لم يحل له أن ينكح غيرهن، والله أعلم.
قال أبو عوسجة: {تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ}، أي: تحبس من تشاء منهن ولا تقربها.
وقال القتبي: {تُرْجِي}، أي: تؤخر؛ يقال: أرجيت الأمر، وأرجأته، وكذلك قالوا في قوله:
{ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } [الأعراف: 111]، قال بعضهم: احسبه. وقال بعضهم: أخره.
وقوله: {وَتُؤْوِيۤ إِلَيْكَ}، أي: تضم.
وقوله: {وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً}، أي: حفيظاً، وقيل: شاهداً.