التفاسير

< >
عرض

ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ
١
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ
٢
-سبأ

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ}.
قال أهل التأويل: حمد نفسه بما صنع إلى خلقه.
ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: على التعليم لخلقه: الحمد له، والثناء عليه؛ لآلائه وإحسانه إلى خلقه: ما لولا تعليمه إياهم الحمد له والثناء عليه لم يعرفوا ذلك.
والثاني: حمد نفسه؛ لما لم ير في وسع الخلق القيام بغاية الحمد له والثناء عليه على آلائه وأياديه، فتولى ذلك بنفسه، وهو ما ذكر في قوله:
{ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً } [الأحزاب: 56]؛ فقالوا: قد عرفنا السلام عليك؛ فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "أن تقولوا: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد..." آلى آخره؛ فهذا تفويض الصلاة إلى الله والدعاء له أن يصلي هو عليه دونهم؛ فهو - والله أعلم - كأنه لم ير فيهم وسع القيام بحقيقة الصلاة عليه، ولا بغاية الثناء؛ فأمرهم أن يفوضوا ذلك إليه؛ ليكون هو القاضي لذلك عنهم؛ فعلى ذلك الحمد لله.
وأصل الحمد له: هو الثناء عليه بجميع محامده وإحسانه بأسمائه الحسنى، والشكر له على جميع نعمائه وآلائه.
وقوله: {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}.
كأنه قال - والله أعلم -: الحمد لله له ملك السماوات والأرض، وهو المستحق لذلك، لا الأصنام التي عبدتموها وسميتموها: آلهة.
وقوله: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ}:
قال بعضهم: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ}، أي: يحمد أهل الجنة إذا دخلوا الجنة؛ كقوله:
{ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا } [الأعراف: 43]، وقوله: { ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ } [الزمر: 74]، وقوله: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ } [فاطر: 34]، ونحوه، يحمده أولياؤه في الآخرة؛ ويحمده أولياؤه في الأولى؛ كقوله: { لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ } [القصص: 70].
وجائز أن يكون قوله: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ}، أي: له الحمد في إنشاء الآخرة؛ لأن إنشاء الدنيا وما فيها إنما كان حكمة بإنشاء الآخرة، ولو لم يكن إنشاء الآخرة لكان خلق ذلك كله عبثاً باطلا؛ فأنشأ الآخرة حتى صار إنشاء الدنيا وما فيها من الخلائق حكمة؛ فأخبر أن له الحمد على إنشاء ما صار له إنشاء الدنيا حكمة، والله أعلم.
وقوله: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}.
قد تقدم معنى الحكيم والخبير في غير موضع، وهو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير، وهو الواضع كل شيء موضعه.
والفلاسفة يقولون: الحكيم: هو الذي يجمع العلم والعمل جميعاً، وهو ما ذكرنا.
أو الحكيم؛ لما أحكم كل شيء وأتقنه، حتى شهد على وحدانيته، ودلّ على إلهيته.
وقوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا}.
يخبر أن الأرض مع كثافتها وغلظها لا تحجب عنه ما يدخل فيها وما يخرج منها، وكذلك السماء مع صلابتها وشدّتها لا تحجب عنه شيئا كما يحجب عن الخلائق.
أو يخبر أن كثرة ما يدخل في الأرض ويخرج منها وازدحامه، وكثرة ما ينزل من السماء من الأمطار وما يعرج إليه من الدعوات والملائكة - لا يشغله عن العلم بالآخر، كما يشغل الخلائق؛ لأنه عالم بذاته لا بسبب، والخلق عالمون بأسباب؛ فعلمهم بسبب يشغلهم عن الأسباب الأخر؛ فأما الله - سبحانه - يتعالى عن أن يشغله شيء، أو يحجب عنه شيء، {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}.