التفاسير

< >
عرض

وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ
٥٩
أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٠
وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ
٦٢
هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ
٦٣
ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
٦٤
ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
٦٥
وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ
٦٦
وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ
٦٧
-يس

تأويلات أهل السنة

قوله: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ}.
كأن أهل الجنة وأهل النار يكونون مختلطين، فيفرق هؤلاء؛ لأنهم يكونون في الابتداء مجموعين، وكذلك سمي: يوم الجمع، ويوم الحشر، ثم يفرق بينهم؛ كقوله:
{ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ } [الشورى: 7]، وسمي: يوم الفصل.
وأصل قوله: {وَٱمْتَازُواْ ٱلْيَوْمَ} ليس على الأمر في الحقيقة: أن افترقوا، ولكن على حقيقة التفريق على ما ذكر في آية أخرى:
{ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ } [الأنفال: 37]، وأصل الامتياز: الافتراق والاعتزال؛ وبه يقول أبو عوسجة والقتبي: إن الامتياز هو التفرق والتنحي.
وقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ}.
يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: عهد خلقة وبنية؛ إذ قد جعل الله تعالى في خلقة كل أحد وبنيته ما يشهد على وحدانيته، وجعل العبادة له ويصرفها عمّن دونه، فنقضوا ذلك العهد وصرفوا العبادة إلى غيره والألوهية.
والثاني: ما أخذ عليهم من العهد على ألسن الرسل والأنبياء من الأمر والنهي.
والثالث: ما جعل فيهم من الحاجات والشهوات التي يحملهم قضاؤها من عنده على صرف العبادة إليه والشكر له على نعمائه، وجعل الألوهية له، ويمنعهم صرفها إلى غيره وجعلها لمن دونه، فنقضوا ذلك كله وتركوه.
فإن قيل: ذكر عبادة الشيطان، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان ولا يعبده، بل كل يفرّ عن عبادته ويهرب منه، لكنه يخرج على وجهين:
أحدهما: يحتمل أن يريد بالشيطان: المردة من الكفرة والأئمة منهم الذين صرفوهم عن عبادة الله، سموا شيطاناً؛ لما بعدوا عن رحمة الله؛ شطن، أي: بعد، كقوله:
{ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَٰطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً } [الأنعام: 112].
والثاني: نسب تلك العبادة إلى الشيطان وأضافها إليه، وإن كانوا هم لا يقصدون بعبادتهم الشيطان؛ لِمَا بأمره يعبدون ما يعبدون من الأصنام؛ فنسب إليه بالأمر، أو لما كان منه بداية الأمر، والله أعلم.
وقوله: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
عداوته لنا ظاهرة بينة في كل شيء، حتى في المأكل والمشرب والمبلس؛ كقوله:
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا... } الآية [الأعراف: 20]؛ إذ هو يريد أن يوقعنا في المهالك فهو عدوّ لنا.
وقوله: {وَأَنِ ٱعْبُدُونِي هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}.
أي: اعبدوني فإن عبادتي هي الصراط المستقيم.
وقوله: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً}.
يحتمل قوله: {أَضَلَّ مِنْكُمْ}، أي: أهلك، وهو ما أهلك من القرون المتقدمة نحو عاد وثمود وقروناً غير ذلك، والإضلال يكون الإهلاك في اللغة.
ويحتمل على حقيقة الإضلال عن الهدى.
ثم هو يخرج على وجهين:
أحدهما: أن قد رأيتم وعلمتم أنه قد أهلك الله خلقاً كثيراً بإبليس بما ضلوا به واستأصلهم لذلك؛ فكونوا أنتم يا معشر أهل مكة على حذر منه؛ لئلا ينزل بكم ما نزل بأولئك بضلالهم به - والله أعلم - {أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ}: أنه فعل ذلك بهم، يخرج على التعيير والتوبيخ لهم لترك هؤلاء النظر في أمر أولئك.
والثاني: قوله: {جِبِلاًّ كَثِيراً}: قال بعضهم: جموعاً كثيرة.
وقال بعضهم: خلقاً كثيراً.
وقال بعضهم: أمماً كثيرة؛ وكله واحد، وأصله من قولك: جبلهم على كذا، أي: طبعهم، ويقرأ: {جُبلاًّ} و{جِبِلاًّ} برفع الجيم والتشديد وخفضها والتشديد.
قال أبو عوسجة: الجبلة والجبلة: الخلق.
وقوله: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
يشبه أن يكونوا لما رأوا جهنم قالوا: ما هذا الذي نراه؟! فعند ذلك قيل لهم: {هَـٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} بها، {ٱصْلَوْهَا ٱلْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ}، أي: ادخلوها اليوم بما كنتم تكذبون بها، والله أعلم.
وقوله: {ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ}.
أي: نطبع على أفواههم، فلا يتكلمون {وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}.
كأنهم - والله أعلم - لما أنكروا كفرهم وشركهم وعملهم الذي عملوه في الدنيا؛ كقولهم:
{ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } [الأنعام: 23]، وأمثاله عند ذلك يأذن الله لسائر جوارحهم وأركانهم بالنطق والشهادة عليهم بما عملوا؛ كقوله: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ... } الآية [النور: 24]، وقوله: { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ... } الآية [فصلت: 20]، ثم أنطق ألسنتهم حتى يعاتبوا الجوارح في شهادتها عليهم بقوله: { لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوۤاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ } [فصلت: 21].
وفيه أن النطق والكلام الذي يكون من اللسان لا يكون لأنه لسان أو لنفس اللسان، ولكن للطف يجعل الله ذلك في اللسان فينطق، فيحثما جعل ذلك اللطف والمعنى في أي جارحة ما جعل نطقت وتكلمت، ولو كان النطق والكلام لنفس اللسان، لكان يجب أن ينطق لسان كل ذي لسان لما له اللسان، فإذا لم ينطق دل أنه للطف جعل فيه به ينطق ويتكلم، فحيثما جعل ذلك المعنى واللطف نطق وتكلم؛ وكذلك السمع والبصر وكل جارحة منه من اليد والرجل وغيره جعل لطفاً ومعنى به يسمع السمع، وبه يبصر البصر، وبه تأخذ وتقبض اليد، وبه تمشي وتذهب الرجل، فأينما جعل ذلك اللطف وذلك المعنى كان منه ذلك ما كان من السمع والبصر وغيره؛ وكذلك الأطعمة والمياه ليس الغذاء في عينها، ولكن في لطف جعل الله فيها لطفاً ومعنى يصير ذلك غذاء لهم؛ ألا ترى أن عين الطعام تبقى فيرمى به وينتفع بما فيه من الغذاء؟! والله أعلم.
وقوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}.
قال بعض أهل التأويل: لو نشاء لطمسنا أعين الضلال، فاستبقوا فلم يبصروا الطريق، فأنى يبصرون وقد فقأنا أعينهم.
وقال بعضهم: لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى، فلو طمست: أي: حولت [عن] الكفر - لاستبقوا الصراط، يقول: لأبصروا طريق الهدى، ثم قال: {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} يقول: فمن أين يبصرون الهدى إن لم أعم عليهم طريق الكفرة؟!
{وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ}.
أي: لأقعدناهم على أرجلهم لا يتقدمون ولا يتأخرون.
ويشبه أن يكون على خلاف هذا على التمثيل؛ يقول - والله أعلم -: لو طمسنا أعينهم وأعميناهم فاستبقوا الطريق {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}، أي: لا يبصرون الطريق؛ فعلى هذا إذا طمسنا أعين القلوب فأعميناها، فأنى يبصرون الهدى، أي: لا يبصرون.
{وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ}.
يقول [ذلك] - والله أعلم - على التمثيل، أي: لو حولنا ظاهر خلقتهم وصيرناها خنازير وقردة حتى ذهبنا بمنافع أنفسهم ظاهرة، فما استطاعوا مضيّاً ولا يرجعون؛ فعلى ذلك إذا مسخنا قلوبهم وحولناها عن مكانها ما انتفعوا بها كما [لم] ينتفعوا بظواهر جواهرهم، على التمثيل لا على التحقيق.
وفي قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ}، {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ} دلالة أن لله في ذلك صنعاً؛ إذ لو لم يكن [له] فيما يختارون من الأفعال والأعمال صنع، لم يكن لتوعدهم على إذهاب ذلك وتحويله عن مكانه معنى، فدل أن له صنعاً في ذلك وفعلا.
قال الحسن وقتادة في قوله: {وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ} فتركناهم عميا يترددون {وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَـانَتِهِمْ}: أي: لأقعدناهم على أرجلهم على ما ذكر.
{فَمَا ٱسْتَطَاعُواْ مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ}.
يقول - والله أعلم -: ما استطاعوا أن يتقدموا ويتأخروا.
وابن عباس - رضي الله عنه - يقول ما تقدم ذكره، أي: لو شاء غير أعين الضلال فلم يبصروا الطريق {فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ} أي: كيف يبصرون، أو نحوه من الكلام.
ومقاتل يقول: لو شاء طمس أعينهم ظاهره {فَٱسْتَبَقُواْ ٱلصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ}، أي: لا يبصرون، وهو قريب مما ذكر آنفاً.
وجائز أن يكون على التمثيل على ما ذكرنا بدءاً.
ويحتمل على التحقيق أن من قدر على الطمس أو المسخ وما ذكر من النكس، لا يعجزه شيء من البعث وغيره؛ إذ خلق الإنسان للطمس أو المسخ خاصة لا لعاقبة تقصد ليس بحكمة.
أو يذكر أنه لو شاء لطمسهم ولمسخهم، لكنه تركهم فلم يطمسهم ولم يمسخهم؛ ليبقوا في النعمة؛ ليشكروا نعمه.