التفاسير

< >
عرض

فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ
١٤٩
أَمْ خَلَقْنَا ٱلْمَلاَئِكَةَ إِنَاثاً وَهُمْ شَاهِدُونَ
١٥٠
أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ
١٥١
وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
١٥٢
أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ
١٥٣
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
١٥٤
أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ
١٥٥
أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ
١٥٦
فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ
١٥٧
وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
١٥٨
سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
١٥٩
إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ
١٦٠
فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
١٦١
مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ
١٦٢
إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ
١٦٣
وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ
١٦٤
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ
١٦٥
وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ
١٦٦
-الصافات

تأويلات أهل السنة

قوله: {فَٱسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ ٱلْبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلْبَنُونَ}.
الاستفتاء والسؤال يخرج على أربعة أوجه:
إن كان الاستفتاء والسؤال من عليم خبير لأهل الجهل يكون تقريراً وتنبيهاً إذا لم يكونوا أهل عناد، وإذا كانوا أهل عناد فهو تسفيه وتوبيخ لهم.
وإذا كان الاستفتاء من جاهل مصدق طالب رشد لعليم خبير، يكون استرشاداً وطلب الصواب.
وإذا كان من معاند مكابر، فهو يخرج على الاستهزاء به والسخرية؛ كقوله:
{ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } [الأنفال: 32] إنما قالوا ذلك استهزاء به.
ثم ما ذكر من الاستفتاء لهؤلاء إنما يكون تسفيها منه لهم في قولهم: لله - عز وجل - ولد، والملائكة بنات الله سبحانه ونحوه من الفرية العظيمة التي لا فرية أعظم منها ولا كذب أكبر منه؛ لأن درك الأشياء ومعرفتها إنما يكون في الشاهد بأحد وجوه ثلاثة:
أحدها: المشاهدة.
والثاني: الخبر.
والثالث: الاستدلال بما شاهدوا وعاينوا على ما غاب عنهم.
ثم معلوم عندهم - أي: عند هؤلاء - أنهم لم يشاهدوا الله حتى عرفوا له الولد، ولا كانوا يؤمنون بالرسل حتى يكون عندهم الخبر بما قالوا ونسبوا إليه من الولد وغيره؛ إذ الخبر إنما يوصل إليه بالرسل، وهم لا يؤمنون بهم، ولا كانوا شاهدوا ما يستدلون على ما قالوا فيه ونسبوا إليه حتى دلهم ذلك على ذلك، فسفههم في قولهم الذي قالوا فيه وما نسبوا إليه، [و]إنهم كَذَبةٌ في ذلك؛ إذ أسباب العلم بالأشياء ما ذكرنا، ولم يكن لهم شيء من ذلك؛ ولذلك قال: {أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وقال - عز وجل -: {أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} يقول: أأختار لنفسي ما تأنفون أنتم عنه، وتنسبون إليه ما تستنكفون أنتم عنه، يسفههم في قولهم ونسبتهم إلى الله ما قالوا فيه ونسبوا إليه إلى آخر ما ذكر، والله أعلم.
وفيه تصبير رسول الله على أذاهم وتركهم الإيمان به والاتباع؛ لأنه علمهم أنه خالقهم ورازقهم وقديم الإحسان إليهم [و]قالوا فيه ما قالوا.
وقوله - عز وجل -: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}.
يحتمل قوله: {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}، أي: ما لكم تحكمون بلا حجة ولا علم؟
وقوله - عز وجل -: {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، أن هذا الحكم جور وظلم عظيم؛ كقوله - عز وجل -:
{ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } [النجم: 22].
وقوله - عز وجل -: {أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِينٌ}.
أي: لكم حجة وبيان على ما تزعمون وتقولون في الله سبحانه.
وقوله: {فَأْتُواْ بِكِتَابِكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي: ائتوا بكتاب من عند الله فيه ما تذكرون من الولد وغيره.
وقوله: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}.
قال عامة أهل التأويل: إن الجنة هم الملائكة؛ لقول أولئك الكفرة: إن الملائكة بنات الله، وما قالوا في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}، أي: علمت الجن الذي وصفوا له بنين إنهم لمحضرون النار وعذاب الله، ويحاسبون، على قول مجاهد وغيره، والذين أولئك - أعني الأتباع - أنهم ملائكة الله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}.
قوله: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ} نزه نفسه عما وصفه الذين تقدم ذكرهم، وتبرأ عن جميع ما قالوا فيه، ثم استثنى عز وجل: {إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ}، فلسنا ندري ما موضع الثنيا هاهنا على أثر ما ذكر من التنزيه لنفسه، يحتمل الاستثناء وجهين:
أحدهما: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} أولئك الكفرة من الولد وغيره إلا عبادنا المخلصين.
والثاني: {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}، أي: من أخلص منهم وآمن فإنه غير برىء مما يصفه؛ لما يجوز أن يسلم منهم نفر فيصفونه بما يليق به؛ لأن المؤمن والمخلص لا يصف ربه إلا بما يليق به، والله أعلم.
وقال بعضهم: "إلا عبادنا المخلصين" استثنى من قوله: {وَلَقَدْ عَلِمَتِ ٱلجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} للنار {سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاَّ عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلْمُخْلَصِينَ} فإنهم لا يحضرون النار والعذاب على سبق استثناء هؤلاء الذين أخلصوا ممن يحضر فيما تقدم - والله أعلم - وهو على التقديم والتأخير.
وقوله - عز وجل -: {فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}: يقول - والله أعلم -: إنكم وما تعبدون لا تملكون أن تفتنوهم وأن تضلوهم، إلا من هو في علم الله أنه يختار الضلالة؛ مما يصليه النار، على حق المعونة لهم لا حقيقة الإضلال، وهو ما ذكر - عز وجل - في آية أخرى:
{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } [الحجر: 42]، وما أخبر أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، إنما سلطانه على الذين يتولونه، والله أعلم.
وقال بعضهم في قوله - عز وجل -: {إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ}: إلا من كتب عليه في اللوح: أنه يصلى الجحيم.
وقال بعضهم: إلا من قضي عليه أنه يصلى النار.
وأصله ما ذكرنا، والله أعلم.
وما يعبدون: الجنّ الذين عبدوا الجن، أو الملائكة، ويحتمل الأصنام التي عبدت؛ إذ قد ينسب إليهن الإضلال؛ لقوله:
{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ } [إبراهيم: 36] والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}.
يحتمل هذا منهم - أعني: الملائكة - وجهين:
أحدهما: قالوا ذلك لتبرئة أنفسهم عن أن يأمروا بالعبادة لهم، أي: لم نتفرغ نحن بعبادة هؤلاء طرفة عين فكيف نأمر هؤلاء بعبادتنا؛ كقولهم:
{ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } [سبأ: 41] أي: نحن في طلب ولايتك فكيف نتفرغ لذلك، أو أن يقولوا: إن ولايتك التي واليتنا شغلتنا عن جميع ما ذكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ} أي ما أنتم بمضلين أحداً من عبادي بإلهكم هذا الذي تعبدون إلا من تولاكم بعمل أهل النار، وذكر عن عمر بن عبد العزيز [و] عن الحسن أيضاً أنهما قالا في قوله - عز وجل -: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ ٱلْجَحِيمِ} يقول: ما أنتم بمضلين بآلهتكم أحداً إلا من قدر أنه يصلى الجحيم، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.
{إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}.
يحتمل مكان معلوم محدود لا يبرح عنه ولا يفارق.
ويحتمل {مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} أي: عبادة معلومة نحو ما ذكر حكيم بن حزام قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بما نحن فيه ولكن أمر آخر، والله أعلم.