التفاسير

< >
عرض

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
٣٠
إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ
٣١
فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ
٣٢
رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ
٣٣
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ
٣٤
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ
٣٥
فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ
٣٦
وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ
٣٧
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ
٣٨
هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
٣٩
وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ
٤٠

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ}.
أثنى الله - عز وجل - على داود وابنه سليمان - عليهما السلام - بالأوبة إليه والرجوع، وهو ما قال - عز وجل - في داود - عليه السلام -:
{ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } [ص: 17] وقد فسرنا الأوّاب.
وقال في سليمان - عليه السلام -: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ...} إلى آخر ما ذكر.
دل ذكر قوله - عز وجل -: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ} على أثر قوله: {إِنَّهُ أَوَّابٌ} أنه إنما كان أواباً بالذي ذكر منه؛ لأن حرف {إِذْ} لا يذكر إلا عن شيء سبق، وسمى - عز وجل - داود - عليه السلام -: أواباً بما ذكر من تسبيحه بالعشي والإشراق والفزع إليه بما هو به، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ}:
قيل: الصافنات: هو الخيل.
وقال بعضهم: الصافنات: هي القائمات على ثلاث قوائم، رافعات إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين على طرف الحافر.
وقال بعضهم: الصافنات: هن القائمات لا غير؛ وعلى ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"من تمنى أن يقوم له الرجال صفوناً - أي: قياماً - فليتبوأ مقعده من النار" أو كلام نحوه. والجياد: قيل: السراع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ}.
دل ما سبق من ذكر الصافنات الجياد بالعشي على أن قوله - عز وجل -: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ} إنما أراد به تواري الشمس بالحجاب؛ إذ ليس شيء يتوارى بالحجاب في ذلك الوقت سوى الشمس.
ثم قوله - عز وجل -: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ} حتى شغلني عن ذكر ربي؛ إذ المحبة يجوز أن يكنى بها عن الإيثار، والله أعلم.
والثاني: إني أحببت حب الخير حبا حتى شغلني عن ذكر ربي حتى توارت الشمس بالحجاب على التقديم والتأخير، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {حُبَّ ٱلْخَيْرِ} يجوز أن يكنى بالخير عن الخيل نفسه؛ على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة" ، سمى الخيل: خيراً؛ فعلى ذلك قوله - تعالى -: {إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي}، والله أعلم.
وقال بعضهم: صفونها: قيامها وبسطها قوائمها.
وقوله - عز وجل -: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ}.
قال عامة أهل التأويل: أي: جعل يعقر سوق الخيل ويضرب أعناقها - والسوق: هو جماعة الساق - لما شغلته عن ذكر ربه وعن صلاة العصر حتى غفل عنها، فجعل يقطع سوقها ويضرب أعناقها كفارة عما شغل عن ذكر ربه، ثم إن ثبت ما ذكروا من عقر السوق والأعناق أنه على الحقيقة فهو يخرج على وجهين:
أحدهما: أنه كان ذلك في شريعته جائزاً، وإن كان في شريعتنا لا يجوز، نحو ما ذكر عنه من تعذيب الهدهد وغيره جين تفقده ولم يجبه حيث قال - عز وجل -:
{ وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ... } الآية [الأنفال: 20-21]، فمثله لا يجوز تعذيب الطير في شريعتنا؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكروا من عقر الخيل وضرب الأعناق له جائزاً في شريعته وإن كان ذلك لا يجوز عندنا، والله أعلم.
أو أن يكون ذلك منه قبل النهي عن القتل، ثم جاء النهي عنه بعد ذلك فحرج عليه ذلك وعلينا جميعاً.
وجائز أن يخرج تأويل الآية على غير حقيقة عقر الساق وضرب الأعناق لكن ما ذكر من الأعناق يكون كناية عن الذبح، وقوله - عز وجل -: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ} كناية عن التسليم إلى الناس، أو أن يكون ما ذكر من المسح بالساق والأعناق كناية عن مسح وجهها ورأسها بعدما ردوها عليه، والتسليم إلى الناس من غير أن كان هناك عقر أو ذبح أو كفارة عما غفل عن ذكر ربه.
قال الحسن: قال سليمان - عليه السلام -: والله لا يشغلن عن عبادة ربي أحد ما عليك، لكن كشف عراقبها وضرب أعناقها.
ثم اختلف في تلك الخيل التي عرضت عليه، فشغلته عن ذكر الله، ففعل ما ذكر:
قال بعضهم: إنها خيول، أخرجها الشياطين من مروج البحر لسليمان - عليه السلام - لها أجنحة تعدو وتطير.
وقال بعضهم: لا، ولكن كانت خيلا ورثها من أبيه داود - عليه السلام - وكان داود - عليه السلام - أصابها من العمالقة، وقال: وما بقي في أيدي الناس من الخيل فمن نسل بقية تلك الخيل، والله أعلم.
وقال بعضهم: لا، ولكن أهل دمشق من العرب وأهل نصيبين جمعوا جموعاً لسليمان - عليه السلام - فأصاب منهم ألف فرس عراب، فعرض عليه الخيل حتى شغلته عن ذكر ربه، ففعل ما ذكر من قطع العراقيب وضرب الأعناق، والله أعلم.
وعن الحسن في قوله - عز وجل -: {رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} قال كسر عراقيبها وضرب أعناقها، فأبدله الله خيراً منها، وأرسل الريح {تَجْرِي بِأَمْرِهِ...} الآية.
قال أبو معاذ: قوله - عز وجل -: {فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ} تقول العرب: مسح علاقة السيف مسحا، أي ضربها.
وقال القتبي: قوله - عز وجل -: {فَطَفِقَ مَسْحاً}، أي: فأقبل يمسح يضرب سوقها وأعناقها.
وقال أبو عوسجة: {فَطَفِقَ}، أي: أخذ، وجعل يمسح، أي: يقطع؛ يقال: مسح عنقه، أي: قطعها.
وقال القتبي: {ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} يقال: هي القائمة على ثلاث قوائم وقد قامت الأخرى على طرف الحافر من يد كان أو من رجل، والصافن في كلام العرب: الواقف من الخيل وغيرها على ما ذكر في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"من سره أن يقوم [له] الرجال صفوناً فليتبوأ مقعده من النار" أي: يديمون له القيام.
وقال أبو عوسجة: الجياد من الخيل: السراع والواحد جواد، ورجل جواد، أي: سخي وقوم أجواد، {أَحْبَبْتُ}، أي: آثرت {ٱلْخَيْرِ} أي: المال على ذكر ربي وفي حرف حفصة: أي ألهاني حب الخير عن ذكر ربي، أي: أشغلني.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}.
اختلف أهل التأويل في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - الذي ذكر أنه - عز وجل - فتنه وأنه ألقى على كرسيه جسداً - اختلافاً كثيراً بيناً ما يطول الكتاب بذكر كل ما ذكروا، ولا ندري أكان ذلك سبب افتتانه أم لا؟ مع علمنا أن ذلك كله لم يكن سبب فتنة إن كان وإنما كان واحد منها ولا ندري ما هو؟ لذلك تركنا ذكر ما ذكر أولئك أنه كان سبب افتتانه.
ثم يخرج قوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} على وجهين:
أحدهما: أنه امتحن بأمر فكان منه في ذلك زلّة وغفلة، فعوقب بما ذكر وعوتب بنزع ملكه.
والثاني: أنه فتنه وامتحنه بنزع ملكه منه لا بزلة منه ولا عثرة، وصرفه إلى غيره لا بسبب كان منه وزلة ويجعله لغيره، ثم إن له أن ينزع الملك منه بأدنى سبب كان منه وزلة فعوقب؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا مخصوصين بالعتاب والتعيير بأدنى شيء يكون منهم ما يعد ذلك الذي كان منهم من أفضل الأعمال على ما ذكرنا فيما تقدم، ثم كان منهم من التوبة والتضرع إلى الله - عز وجل - بالذي كان منهم لما عرفوا لأنفسهم من الخصوصية لهم من الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها، فرأوا على أنفسهم بما أكرموا من أنواع الكرامات والفضائل التي خصوا هم بها من التوبة لله وفضل التضرع والابتهال إلى الله؛ لما رأوا ما ارتكبوا كفرانا له فيما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فضل تضرع وابتهال ما لا يلزم ذلك غيرهم فيماثل ما كان منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً}.
يحتمل أن يكون كرسيه ملكه؛ فيكون ما ذكر كناية عن نزع ملكه.
وجائز أن يكون ما ذكر من إلقاء الجسد على كرسيه حقيقة الكرسي ألقى عليه جسداً يشبه جسد سليمان في الجسمية، لا في العلم والمعرفة والبصر وما كان فيه من الكرامات؛ كقوله - عز وجل -:
{ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } [طه: 88]، أي: عجلا مجسدا في الجسدية، لا أن جسد العجل الذي اتخذه هو جسد العجل المعروف؛ فعلى ذلك قوله - عز وجل -: {عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً} يشبه جسد سليمان في الظاهر في الجسدانية، لا في أن جسده كجسد سليمان فيما فيه من اللحم والبصر وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ثُمَّ أَنَابَ}.
يحتمل وجهين:
أحدهما: ثم أناب إلى الله تعالى ورجع إليه بجميع أموره إن كان فيه زلة وعثرة وأناب ورجع وأقبل وتاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً}.
يحتمل سؤال المغفرة عند سؤاله الملك أمراً فيما بينه وبين ربه؛ لأن الملك مما يتلذذ به وفيه هوى النفس؛ وعلى ذلك خرج سؤال زكريا - عليه السلام - لما سأل ربه - عز وجل - الولد سأل أمراً بينه وبين ربه في ذلك وهو ما قال:
{ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً } [آل عمران: 38]؛ ولذلك خرج سؤال الأنبياء فيما سألوا مما فيه اللذة وهوى النفس من الولد وغيره فرقوا في ذلك السؤال أمراً بينهم وبين ربهم، فعلى ذلك سؤال سليمان - عليه السلام - والملك قربة بالمغفرة في ذلك.
ثم يحتمل سؤاله المغفرة نفسها عما يكون منه من التقصير في ذلك.
أو يكون سؤاله المغفرة سؤال الأسباب التي بها يكون المغفرة لا نفس المغفرة؛ نحو قول نوح - عليه السلام - لقومه:
{ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } [نوح: 10]، وقول هود - عليه السلام -: { ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ } [هود: 52] لا يحتمل أن يأمروا قومهم أن قولوا: نستغفر الله، ولكن أمروهم أن يأتوا بالأسباب التي بها يصيرون أهلا للمغفرة وبها يستوجبون التجاوز، فعلى ذلك يحتمل سؤال المغفرة ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم يحتمل سؤاله الملك - والله أعلم - أنه أراد أن يستسلم له الخلق في الإجابة إلى ما يدعو إليه من وحدانية الله تعالى وجعل العبادة له؛ لما رأى أن إجابة الناس وإقبالهم إلى ما عنده من السعة والغناء أسرع ولقوله أقبل ورغبتهم فيه أكثر، وإذا كان ما ذكرنا وهو متعارف فيما بينهم أن إجابتهم - أعني: إجابة الناس - للملوك ولمن عنده السعة والغنى أسرع لهم وأطوع، فكان في سؤاله الملك له نجاة الخلق كلهم بما يستسلمون له ويجيبون إلى ما يدعوهم إليه، فينجون نجاة لا هلاك بعدها، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} يحتمل وجوهاً:
أحدها: أنه سأله ملكاً لا ينزع عنه بعد إذ نزع مرة على ما يقوله أهل التأويل.
والثاني: سأل ربه ملكاً لا يكون لأحد ما بقي وهو حي، فيكون له آية لنبوته على ما ذكرنا [؛ إذ] لو كان مثله لأحد منهم، لم يكن له في ذلك آية لنبوته.
والثالث: سأله ملكاً ليبقى له الذكر والثناء الحسن؛ كقول الناس: "اللهم صل على محمد وعلى آلي محمد كما صليت على إبراهيم" ونحوه، فعلى ذلك جائز أن يكون سليمان - عليه السلام - أراد أن يكون مذكوراً على ألسن الخلق بالثناء الحسن بالملك الذي يناله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ}.
بين ما أعطاه من الملك بما ذكر من تسخير الريح له والجن والشياطين وغير ذلك ما لم يكن لأحد من ملوك الأرض سواه، وهذا يدل على أن تسخير هذه الأشياء التي ذكر أنه سخرها لسليمان - عليه السلام - كان بلطف من الله - عز وجل - لا يكون ذلك بالحيل؛ إذ لا يملك أحد من الخلائق تسخير ما ذكر من الخلق لنفسه، ولو كان يملك ذلك بالحيل لكان يبغي لذلك مع العلم أن كل ملك لا يترك لنفسه من الحيل ما يزيد من ملكه ويبقيه إلى ما بقي وهو حي، فإذا لم يكن دل أنه إنما كان لسليمان ذلك بالله لطفاً منه؛ ليكون آية من آيات النبوة، والله أعلم.
ثم قوله - عز وجل -: {تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ}.
وصف تلك الريح باللين والرخوة في هذا الموضع، وقال في آية أخرى:
{ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ } [الأنبياء: 81] وصفها بالشدة:
فجائز أن تكون هي في أصل الخلقة شديدة، لكنها صارت لسليمان - عليه السلام - لينة سهلة.
وقال قائلون: هي وقت الحمل شديدة، لكنها تصير بالسير لينة سهلة، والله أعلم.
أو أن يكون قوله - عز وجل -: {عَاصِفَةً} على أعداء الله رخاء لينة على أوليائه، والله أعلم.
ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد، لطف الله - عز وجل - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه، فذلك كله لطف منه به ورحمة.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ}.
أي: سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء: بعضهم في البناء، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مؤنة أنفسهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ}.
وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد - وهي الأغلال تجعل في الأعناق - ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان - عليه السلام - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب.
وقوله - عز وجل -: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
قال عامة أهل التأويل: هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله.
وقال بعضهم: ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول: إن شئت تمن فتعطيه من شئت، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئاً، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك، والله أعلم.
وجائز أن يكون لا على التخيير، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم، فيقول: {هَـٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ} أي: أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه؛ وهو كقوله - عز وجل -:
{ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } [الكهف: 86] أن ليس على التخيير، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عز وجل -: { أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ... } الآية [الكهف: 87]، { وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ } [الكهف: 88]، فعلى ذلك يحتمل الأول، والله أعلم.
وقال الحسن: قوله - عز وجل -: {عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} يقول: هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول: أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت، لا تبعة عليك فيه في الآخرة، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين.
وقال قتادة: احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين: رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
أي أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد.
وقوله - عز وجل - {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ}.
أي: القربة، {وَحُسْنَ مَآبٍ} أي: مرجع، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله؛ لأنه إنما سأله الملك - والله أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها، ولكن لما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ}.
أي: الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة، والله أعلم. وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع، والله أعلم.
ثم اختلف في سبب فتنة سليمان - عليه السلام - وفي ذنبه:
قال بعضهم: وذلك أن الله - تعالى - أمره ألا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل وجعل لها صنما فعبد في بيته كذا كذا يوماً، فابتلاه الله بسلب ملكه عقوبة له على قدر ما عبد من الصنم في بيته.
وقال بعضهم: كانت فتنة سليمان - عليه السلام - التي ذكر في ناس من أهل الجرادة وكانت الجرادة امرأته وكانت من أحب نسائه إليه، وكان إذا أراد أن يحنث أو يدخل الخلاء أعطاها خاتمه وأن ناسا من أهلها جاءوا يخاصمون قوماً إلى سليمان، قالوا: وكان سليمان أحب أن يكون الحق لأهل الجرادة فيقضي لهم، فعوتب حين لم يكن هواه فيهم واحداً؛ وهو قول ابن عباس.
وقد ذكرنا نحن أنه يجوز أن يكون نزع الملك منه وما ذكر فتنة إياه بلا زلة ولا سبب كان منه ابتداء محنة وابتلاء، وذلك جائز، ولله أن يفعل ما يشاء بمن شاء وكيف شاء من نزع الملك وغيره، والله أعلم.
وقال القتبي وأبو عوسجة: {رُخَآءً} أي: رخوة لينة، وهو من اللين، ويقال: رجل رخو، أي: ضعيف في عمله، وقوم رخاء، قال: والرخاء: الساكن، ويقال: استرخى، أي: سكن.
وقوله - عز وجل -: {فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
ومثله قوله:
{ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } [المدثر: 6] أي: لا تعط لتأخذ من المكافأة أكثر مما أعطيت.
وقال الفراء: سمى العطاء: منا.
وقوله - عز وجل -: {حَيْثُ أَصَابَ}.
أي: أراد، قال الأصمعي: العرب تقول: أصاب الصواب، فأخطأ الجواب، أي: أراد الصواب، والأصفاد: الأغلال التي يشد بها الأيدي إلى العنق.
دل قول سليمان - عليه السلام - ودعاؤه ربه باستيهابه الملك قال: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ...} على أن الملك الذي أعطاه لم يكن حقّاً عليه؛ إذ لو كان حقا له لكان لا يستوهبه ولا يقول له: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ}، ولكن يقول له: أعطني حقي؛ إذ كل طالب حق له قِبَل آخر لا يوصف إذا أعطاه إياه أنه وهاب، ولكن يؤدي حقّاً عليه.
ويدل هذا أيضاً على أن ليس على الله حفظ الأصلح في الدين؛ إذ لو كان عليه حفظ الأصلح في الدين وأعطى الآخر لكان لا يستوهب الملك إذ كان الملك له أصلح في الدين، ولكن يقول: أعطني حقي، فدل استيهابه منه الملك على أن ليس عليه حفظ الأصلح في الدين ولا إعطاء الأخْيَر، وأن له ألا يعطيه، وأنَّ إعطاءه الملك له فضل منه ورحمة، والله أعلم.
فإن قيل: فيه تفضيل الغنى والسعة على الفقر والضيق؛ لما أن الله - عز وجل - جعل الغنى والسعة آية من آيات النبوة والرسالة، ولم ير الفقر والضيق جعلهما آية من آيات النبوة، فهلا دل جعل الغنى آية من آيات النبوة على أنه أفضل من الفقر؟
يقال لهم: إن الغنى والملك إنما جعله آية لرسالة نبي واحد، وأكثر الأنبياء - عليهم السلام - كانوا فقراء وأهل الحاجة والضيق في أمر الدنيا، فمع ما كانوا ما ذكرنا من الضيق والفقر وقلة أعوانهم وأنصارهم نفذ قولهم وظهر ما دعوا الناس إلى ما دعوهم وهو التوحيد والإسلام، مع وجود رغبة الناس فيمن عنده السعة والغنى، ونفارهم، وقلة رغبتهم فيمن عنده الفقر والضيق؛ فدل اختيار أكثر الأنبياء الحال التي ينفر طباع الناس عنها على الحال التي يرغبون فيها مع حرصهم ورغبتهم في الدين - على أن الحال التي اختاروا هم أفضل وأخير من الحال الأخرى، والله أعلم.
وكذلك قوله - عز وجل - لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ } [الحجر: 88] نهاه أن يمد عينيه إلى ما متعوا هم، على العلم منه أن لو مد عينيه إلى ذلك ويختاره إنما يمد ويختار ليتبعه قومه وأصحابه في أبواب الشرف والخير، وأنه لا يختار ولا يأخذ إلا ما يحل ويطيب؛ فدل النهي عما ذكر على العلم منه ما وصفنا على أن ذلك أفضل من الآخر، والله أعلم.