التفاسير

< >
عرض

بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً
١٣٨
ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً
١٣٩
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
١٤٠
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً
١٤١
-النساء

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} بكذا.
البشارة المطلقة المرسلة لا تكون إلا بالخير خاصة، وأما إذا كانت مقيدة مفسرة فإنها تجوز في الشر؛ كقوله - تعالى -: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ} كذا، وكذلك قوله - تعالى -:
{ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [التوبة: 34]، وفي القرآن كثير، ما ذكرها في الشر إلا مفسرة مقيدة.
وقوله - عز وجل -: {بَشِّرِ ٱلْمُنَافِقِينَ} - يدل هذا على أن الآية الأولى في أهل النفاق والمراءاة، على ما ذكرنا من التأويل؛ لأنه لم يسبق فيما تقدم ذكر لهم سوى قوله - تعالى -: {آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ}. ويحتمل على الابتداء والائتناف على غير ذكر تقدم، وذلك جائز في القرآن كثير.
ثم فسر المنافقين فقال: {ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
ثم يحتمل قوله - تعالى -: {يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قولا وفعلا:
أما القول: كقولهم:
{ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ } [البقرة: 14]، وغيره من الآيات.
وأما الفعل: فكانوا يمنعون المؤمنين أن يغزوهم؛ كقوله - تعالى -:
{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ } [النساء: 72]، وكقوله: { إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } [آل عمران: 173]، وكقوله - تعالى -: { فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ ٱقْعُدُواْ مَعَ ٱلْقَاعِدِينَ } [التوبة: 46] كانوا يمنعون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن أن يغزوهم ويقاتلوهم؛ فهم - وإن كانوا يُرُون من أنفسهم الموافقةَ للمؤمنين في الظاهر - فإنهم [كانوا] - في الحقيقة - معهم؛ فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: {يَتَّخِذُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}.
وقوله - عز جل -: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ}.
قيل: قوله - تعالى -: {أَيَبْتَغُونَ} على طرح الألف وأنها زائدة، أي: يبتغون بذلك من عندهم العزة.
ثم يحتمل قوله - تعالى -: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ} وجهين.
يحتمل: العزة: المنعة والنصرة، وكانوا يطلبون بذلك النصرة والقدرة عند الكافرين.
ويحتمل: ليتعززوا بذلك.
والأصل: أن حرف الاستفهام كله من الله - له حق الإيجاب، على ما يقتضي جوابه من حقيقة الاستفهام؛ إذ الله عالم لا يخفى عليه شيء يستفهم، جل عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: {فَإِنَّ ٱلعِزَّةَ للَّهِ جَمِيعاً}.
أي: [والنصرة والقدرة] كله لله، من عنده يكون، وبه يتعزز في الدنيا والآخرة، ليس من عند أولئك الذين يطلبون منهم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا}.
قال بعضهم: قوله - تعالى -: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي ٱلْكِتَٰبِ} - هو ما ذكر في سورة الأنعام، وهو قوله - تعالى -:
{ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ ءَايَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } [الأنعام: 68]، ثم قال: { وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } [الأنعام: 69]؛ لأنه نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم إذا خاضوا في طعن القرآن وآيات الله؛ فأخبر أن ليس لهم من حسابهم من شيء إذا قعدوا.
ثم قال في هذه الآية: {فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ}: نهاهم - عز وجل - عن القعود معهم، وأخبر أنهم إذا فعلوا ذلك يكونوا مثلهم؛ فهو - والله أعلم - على النسخ: نسخ هذا الأول.
ويحتمل [أن يكون] قوله - تعالى -:
{ وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } [الأنعام: 69] في المشركين، لم يلحقهم من العقوبة، والمآثم؛ لأنهم لا يقدرون على منع المشركين عن الاستهزاء بآيات الله والطعن فيها، ويقدرون على منع المنافقين عن ذلك؛ فشاركوهم في العقوبة فيما يقدرون على منعهم فلم يمنعوا، ورفع عنهم ذلك فيما لا يقدرون على دفعه.
وفيه دلالة أن من بلي بمنكر له قدرة التغيير على أهله، فلم يغير - أن يشاركهم في ذلك، أو إذا لم يكن له قدرة التغيير عليهم فلم يفارقهم، لكن أقام معهم - شاركهم أيضا في العقوبة؛ الواجب على كل من بُلي بذلك، وله قدرة التغيير عليهم - فعل، أي: أنكر عليهم وغيّره، وإلا فارقهم؛ وإلا يُخاف أن يشاركهم في العقوبة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً} الآية.
لأنهم كانوا معهم في السر والحقيقة، وإن كانوا يظهرون للمؤمنين الموافقة باللسان؛ فهذا يدل على أن الحقائق في العواقب هو ما يسر المرء ويضمر، ليس ما يظهر؛ لأن المنافقين كانوا مع المؤمنين في الظاهر في جميع الأحكام: في الأنكحة، والعقود كلها، وإظهار الإيمان لهم باللسان، لكنهم إذا أضمروا خلاف ما أظهروا - لم ينفعهم ذلك؛ دل أن الحقائق في العواقب ما يسر ويضمر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}.
يحتمل وجهين:
يحتمل: يتربصون الغنيمة والنصر، فإن كان الفتح للمؤمنين قالوا: {أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ} في الإيمان والأحكام كلها؛ يطلبون الغنيمة والاشتراك فيها؛ كقوله - تعالى -:
{ أَشِحَّةً عَلَى ٱلْخَيْرِ } الآية [الأحزاب: 19]، وإذا كانت الدبرة والبوار على المؤمنين للكافرين يقولون: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بقولهم: { إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } [آل عمران: 173]، وكقوله - تعالى -: { قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَٱلْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا } الآية [الأحزاب: 18]: كانوا بين المسلمين كعيون لهم؛ يخبرونهم عن عوراتهم، ويطلعونهم على مقصود المؤمنين؛ فذلك مَنْعُهم من المؤمنين واستحواذهم عليهم، والله أعلم.
ويحتمل: {يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ}، يعني: أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندهم بألا يدوم ذلك، بل ينقطع عن قريب، والله أعلم.
ويحتمل: {يَتَرَبَّصُونَ} ما ذكر من قوله - تعالى -:
{ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ } [الحديد: 14]، ثم خرج تأويله في قوله: { فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ } [المائدة: 52]، ثم خص ذلك بقوله - تعالى -: { وَمِنَ ٱلأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَائِرَ } الآية [التوبة: 98]؛ فبين أنهم يتربصون بهم انقلاب الأمر ورجوعه إلى أعداء الله؛ فمتى ظهرت لهم العواقب - أظهروا الذي له كان دينهم في الحقيقة - أنه كان لسعة الدنيا ونعيمها؛ كقوله - عز وجل -: { وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ... } الآية [النساء: 72]، وقوله - تعالى -: { وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعْبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ } [الحج: 11].
وقوله - عز وجل -: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً...} الآية.
يحتمل هذا - أيضاً - وجهين:
يحتمل: لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجج في الدنيا، أي ليس للكافرين الحجة على المؤمنين في الدنيا من شيء، إلا أن يموه عليه، ويفتعل به [و]يعجز المؤمن في إقامة الحجة عليه، ودفع تمويهاته؛ وإلا ليس للكافر حجة يقيمها على المؤمن في الدنيا.
ويحتمل: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} في الآخرة، على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم؛ لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم يشهدون عليهم؛ كقوله - تعالى -:
{ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ } [البقرة: 143] ثم لا سبيل لهم على دفع شهادتهم التي شهدوا عليهم، وردِّها، والله أعلم.
وأيضاً: {وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}: في الحجة، أو في الشهادة، أو عند الله في الخصومة، وإنما دعوا إلى كتبهم إذا أجابوا الله فيما دعاهم إلى الإيمان بالكتب والرسل - عليهم السلام - أو في النصر؛ فيرجع أمره إلى العواقب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ}.
الاستحواذ: الغلبة. وقيل: الاستيلاء.
وقال بعضهم: ألم نخبركم بعورة محمد وأصحابه ونطلعكم على سرهم، ونكتب به إليكم؟!.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه -: ألم نحط من وراءكم؟!.
وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: "ألم نستحوذ عليكم ومنعناكم من المؤمنين؟!.".
قال الكسائي: هذا في كلام العرب كثير ظاهر، ومعنى {أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ} - إنا استحوذنا ومنعناكم، وهو ظريف.
وأصل الاستحواذ الغلبة والقهر، وهو ما ذكرنا أنهم يُجبنونَ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون:
{ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ } [آل عمران: 173].
وقوله - عز وجل -: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}.
وحكم الله بينهم - والله أعلم - هو أن يُنزل المؤمنين الجنة، والمنافقين النار.
{وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} في الحجة؛ على ما ذكرنا، وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: قال: حجة. وقيل: ظهوراً عليهم، لكن الأول أشبه.
ويحتمل ما ذكرنا من الشهادة - أنه جعل يوم القيامة للمؤمنين الشهادة عليهم؛ ولم يجعل لهم إلى دفعها وردها على أنفسهم سبيلا، والله أعلم.