التفاسير

< >
عرض

وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ
٥٧
وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ
٥٨
إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ
٥٩
وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ
٦٠
وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦١
وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
٦٢
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ
٦٣
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
٦٤
فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
٦٥
-الزخرف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} اختلف فيما ذكر من ضرب المثل لعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام:
قال بعضهم: لما نزل قوله - تعالى -:
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } [الأنبياء: 98] فقال أولئك الكفرة الذين كانوا يعبدون الأصنام: إن عيسى عبد دونه، وعزير والملائكة يعبدون دونه، فهؤلاء جميعاً في النار إذن؛ لأنهم عبدوا دونه، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون معهم وهم معنا، وهو ما ذكروا على إثره: {ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} يعنون بقولهم: {هُوَ}: عيسى - عليه السلام - فذلك منهم يخرج على وجهين:
أحدهما: لئن جاز أن يعذب عيسى - عليه السلام - ومن عبد من هؤلاء دون الله في النار رضينا أن تعذب آلهتنا في النار؛ إذ هم ليسوا بخير من عيسى - عليه السلام - وهؤلاء الذي عبدوا دون الله من الملائكة وغيرهم.
والثاني: يقولون: إن كان عيسى يعذب في النار لما عبد دونه فآلهتنا التي نعبدها دونه خير منه فلا تعذب؛ لأنها خير.
فأحد التأويلين يرجع إلى أنهم يقولون: لو جاز وصلح أن يعذب كل معبود دونه جاز أن تعذب الأصنام التي نعبدها نحن.
والثاني: يقولون: إن كان يعذب عيسى وغيره الذين عبدوا دونه فالأصنام التي نعبدها نحن لا تعذب؛ لأنها خير من أولئك، والله أعلم.
فنقول: إنما يكون لهم هذا الاحتجاج بالآية؛ أن لو كانت الأصنام إنما تحرق في النار تعذيباً لها، أعني: الأصنام؛ فأما إذا كانت الأصنام إنما تحرق بالنار تعذيباً لمن عبدها، وعقوبة لمن اتخذها أرباباً دون الله فلا، وإنما تحرق الأصنام التي اتخذوها من الحجارة والحديد والصُّفْر؛ لزيادة تعذيب العبدة؛ كقوله - تعالى -:
{ وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } [البقرة: 24] مع أنه لا جناية من الأصنام، ولا ضرر لها بالإحراق؛ فكيف يحرق عيسى ومن عبد دونه من الملائكة، وفي إحراقهم تعذيبهم؛ إذ هم يتضررون بها، ولا جناية منهم، فإذا كان إدخال الأصنام التي عبدوها وإحراقها في النار لتعذيب أولئك الذين عبدوها فلا معنى لتلك الخصومة والمجادلة التي كانت منهم، والله أعلم.
وبعد: فإن في الآية بياناً على أن الذي ذكر من جعل المعبود حصباً للنار راجع إلى عبادة الأصنام والأوثان خاصة دون غيرهم؛ لأنه خاطب أهل مكة بقوله:
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ... } الآية [الأنبياء: 98]، وأهل مكة كانوا لا يعبدون إلا الأصنام والأوثان، لا عيسى ولا غيره من البشر والملائكة، فذلك لهم ولكل عابد الأصنام دون غيرهم من المعبودين؛ استدلالا بهم، والله أعلم.
على أن في الآية بياناً - أيضاً - أنه لم يرجع إلى ما ذكروا من عيسى وغيره، فإنه قال:
{ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [الأنبياء: 98] وكلمة "ما" تستعمل في [غير] العقلاء من الجمادات وغيرها، لا في ذوات العقلاء.
وعلى أن في الآية بياناً من وجه آخر - أيضاً - على أنهم غير مرادين بها، فإنه استثنى وخصّ بقوله - تعالى -:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰ أُوْلَـٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } [الأنبياء: 101] أخبر أن من سبقت [له] منه الحسنى يكون مبعداً عنها، ولا شك أن عيسى والملائكة - عليهم السلام - قد سبقت لهم منه الحسنى، فلا يحتمل صرف تلك الآية إليهم، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله:
{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ... } الآية [الأنبياء: 98]، إلى كل من منه الأمر بالعبادة لهم والدعاء إلى ذلك، وهم الشياطين؛ لأن من عبد دون الله أحداً إنما يعبده بأمر الشياطين ودعائهم إليه، فأما من كان يتبرأ من الأمر لهم بذلك وعبادتهم له فلا يحتمل، وذلك نحو قوله - تعالى -: { يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [الفرقان: 17]، وقال إبراهيم لأبيه: { يٰأَبَتِ لاَ تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَانَ } [مريم: 44]، ولا أحد يقصد قصد عبادة الشيطان، لكن من عبد شيئاً دون الله إنما يعبده بأمر الشيطان، فإذا عبده بأمره فكأنه عبده؛ هذا وما ذكرنا كله يبطل مجادلة الكفار فيما خاصموا، والله أعلم.
وقال بعضهم: ضرب المثل لعيسى - عليه السلام - هو أن الله - تعالى - لما ذكر عيسى - عليه السلام - في القرآن قال مشركو العرب من قريش لمحمد صلى الله عليه وسلم: ما أردت بذكر عيسى؟ وقالوا: إنما يريد محمد أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى وعبدته، فقالوا: {ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} فلا يصنع محمد ذلك بآلهتنا، فوالله لهم خير من عيسى، أو ما قالوا؛ فقال الله - عز وجل -: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً} أي: إلا ليجادلوك بالباطل، وهو قول قتادة.
ويحتمل أن يكون ما ذكر من ضرب المثل بابن مريم - عليهما السلام - من قومه - أعني: عيسى - لا من قوم محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أن قومه قد اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إنه إله وإنه رب، ومنهم من قال: إنه ابن الإله، ومنهم من قال: إنه وأمه إلهان، ونحو ذلك من الاختلاف الذي كان بينهم فيه، فيكون قوله: {وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً} قال قومه على ما ذكروا فيه، ثم قال: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} أي: يعرضون عن عيسى ويضجون على ما ذكرنا، والله أعلم.
أو أن نكف ونمسك عن بيان ذكر المثل الذي ذكر في الآية؛ لما لا حاجة إلى ذلك، وهو شيء ذكره أولئك الكفرة، والله أعلم.
ثم قوله - تعالى -: {إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} قرئ برفع الصاد وكسرها.
قال القتبي وأبو عوسجة: {يَصِدُّونَ} بالكسر: يضجون، والتصدية منه، وهو التصفيق، ومن قرأ بالرفع يقول: يعدلون ويعرضون.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالُوۤاْ ءَأَ ٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} هو يخرج على الوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي: عبرة وآية لبني إسرائيل؛ لما كان هو مولوداً من غير والد، ولما كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وما كان منه من تكليمه للناس وهو في المهد، وغير ذلك من الآيات التي كان خص بها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً} على وجهين:
أحدهما: أي: لو نشاء لجعلنا من جوهركم وجنسكم ملائكة؛ ليعلم أن إنشاء الملائكة من النور على ما ذكر ليس ذلك منه استعانة بذلك النور لإنشاء الملائكة منه قادر بذاته لا يعجزه شيء، ينشئ ما يشاء مما شاء كيف شاء.
والثاني: أي: لو نشاء لجعلنا الملائكة بدلا منكم نهلككم ونبدل مكانكم ملائكة لا يعصون، ولا يخالفون ولا يفترون عن العبادة ولا يستحسرون، لكن لم يفعل ذلك؛ لما ليس في عصيان من عصاه ولا مخالفة من خالفه له ضرر، ولا بطاعة من أطاعه واتبع أمره ونهيه نفع، ولا أنشأ هذا العالم والخلق لحاجة نفسه، ولا امتحنهم بأنواع المحن لمنفعة نفسه، ولا لمضرة يدفع بذلك عن نفسه، ولكن أنشأهم وامتحنهم لحاجة أنفسهم، فإذا كان ما ذكرنا: إنشاء ما يعلم أنه يعصيه ولا يطيعه حكمة، وفعل من يعلم في الشاهد أنه يضره ولا ينفعه سفه؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه، فصار فعله مع علمه ما ذكرنا يكون سفهاً، فافترق الأمران، والله الموفق.
ثم قوله - تعالى -: {مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} يحتمل وجهين:
أحدهما: أي: يخلف الملائكة بعضهم بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ كالبشر يخلف بعض بعضاً، قرناً عن قرن بالتناسل والتوالد؛ إذ ليس في الملائكة توالد [ولا] تناسل.
والثاني: {يَخْلُفُونَ} أي: يكونون خلفاً وبدلا عنكم بعد هلاككم على ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} وعَلَمٌ للساعة كلاهما قد قُرئا، ثم اختلف في ذلك:
فمنهم من يقول: هو عيسى، يكون نزوله من السماء علماً للساعة وآية لها؛ فيكون على هذا هو صلة ما تقدم من قوله: {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} كأنه قال: {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً} أي: آية وعبرة لهم على ما ذكرناه، وجعلناه - أيضاً - علماً للساعة.
وقال بعضهم: قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} أي: محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن علم للساعة؛ لأنه به ختم النبوة والرسالة، وقال:
"أنا والساعة كهاتين" وأشار إلى إصبعين من يده، وإنما بعثه الله - تعالى - عند قرب الساعة، فهو علم للساعة.
ثم قراءة {عَلَمٌ للساعة} بالتثقيل، فمعناه: العلامة لها والدليل عليها، ومن قرأ {علم للساعة} بالجزم، فمعناه: يعلم به قرب الساعة.
وقوله: {فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا} أي: لا تشكنّ بالساعة فإنها كائنة لا محالة، وعلى ذلك يقولون في بعض التأويلات في قوله - تعالى -:
{ فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا } [محمد: 18] أي: أعلامها؛ أي: محمد، عليه أكمل التحيات.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتَّبِعُونِ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}، فإن كان قوله: {وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ} هو محمد صلى الله عليه وسلم فكأنه - عليه السلام -: أنا علم للساعة وقريب منها فاتبعوني، وإن كان عيسى - على نبينا وعليه السلام - يقول: إنه علم للساعة وآية لها، فاتبعوني قبل أن يخرج وينزل.
وقوله: {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
يحتمل قوله - تعالى -: {وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ} عن الإيمان بالساعة وكونها؛ فإنه عدو مبين.
ويحتمل: لا يصدنكم عن محمد وعن الصراط المستقيم الذي ذكر؛ فإنه عدو مبين بين عداوته إياكم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَاتِ...} الآية.
قال أهل التأويل: بيناته: هي ما كان يأتي به من نحو إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإنباء بما يأكلون وما يدخرون، ونحو ذلك.
والأصل في آيات الأنبياء والرسل أنها كانت من وجوه ثلاثة تُلزمهم التصديق بهم:
أحدها: ما يأتون في كل شيء صغر أو عظم، دلالة ذلك ما يعلم كل ذي لب وعقل على أن ذلك حكمة وعقل عليهم اتباعهم في ذلك، وهو توحيد الله - تعالى - وتنزيهه عما لا يليق به، والله أعلم.
والثاني: كانت في أنفسهم وأحوالهم التي كانوا عليها بينات تلزمهم تصديقهم، وهو أنهم لبثوا بين أظهرهم، وكانوا فيهم طول عمرهم، فلم يؤخذ عليهم كذب قط، ولا ظهر منهم ما يرجع إلى دناءة الأخلاق، ولا شيء من ذلك، والله أعلم.
والثالث: ما كانوا يأتون من الأفعال والمعجزة الخارجة عن توهم العباد والمعتاد من فعلهم يلزم كل صنف قبولها.
فعلى هذه الوجوه التي ذكرنا كانت آيات الرسل - عليهم السلام - والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ}.
قال بعضهم: الحكمة - هاهنا - هي الإنجيل، وقد ذكر في آية أخرى الكتاب والحكمة؛ حيث قال:
{ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ } [المائدة: 110].
ثم جائز أن يكون الكل واحداً.
وجائز أن يكون الكتاب: ما يكتب ويتلى والحكمة: ما أودع في المتلو والمكتوب من المعنى، والله أعلم.
ويحتمل أن تكون الحكمة راجعة إلى كل ما يوجب العقل للقول به وقوله، وقد ذكرناه فيما تقدم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}.
قال بعضهم: أي: أبين لكم كل الذي تختلفون فيه؛ إذ لا يجوز أن يبين بعضاً ويترك البيان لبعض، وقد يذكر البعض ويراد به الكل؛ نحو ما يقال في كثير من المواضع: الخطاب للرسول - عليه السلام - والمراد بذلك أمته.
ويحتمل أن يكون المراد من البعض هو البعض نفسه لا الكل.
ثم هو يخرج على وجوه ثلاثة:
أحدها: أي: أبين لكم بعض ما تختلفون فيه، ثم يأتيكم رسول بعدي ويبين لكم باقي ذلك، أو كلام نحوه؛ لأنه لم يقل: أبين لكم بعض ما اختلفتم فيه، ولكن قال: {بَعْضَ ٱلَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ}، فهو في الظاهر على الاستقبال.
والثاني: يقول: أبين لكم الأصول ما تقدرون على استخراج الفروع من تلك الأصول، والله أعلم.
والثالث: يقول: أبين لكم الذي تختلفون فيه، وهو يرجع إلى أمر الدين دون الراجع إلى أمر المعاش، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} فيما آمركم به وأدعوكم إليه وأنهاكم عنه.
ويحتمل أن يكون يقول: اتقوا مهالككم، والزموا ما به نجاتكم، وأطيعوني في ذلك.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ} ذكر هذا؛ ليعلموا أنه وإن عظم قدره عند الله وجلت صولته عنده فإنه [لا] يخرج من العُبُودة، وأنه عبد الله، ليس بإله، ولا ابنٍ له، على ما زعم أولئك الكفرة، والله الهادي.
وقوله - عز وجل -: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ}.
هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون حرف "من" صلة زائدة، ومعناه: فاختلف الأحزاب بينهم، والاختلاف فيما بينهم في عيسى أمر ظاهر بين {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} أي: اختلف الأحزاب من اختراع كان منهم فيما بينهم، أو كلام نحوه؛ ولذلك كان الاختلاف الواقع بينهم إنما كان باختراع من ذات أنفسهم، لا أن كان ذلك سماعاً من الرسل - عليهم السلام - ولذلك نهى هذه الأمة عن الاختلاف والتفرق؛ حيث قال:
{ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ } [آل عمران: 105] وقد اختلفت هذه الأمة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قاتلهم أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - على ذلك، واتبعه سائر الصحابة على ذلك، حتى قاتل الرجال، وسبى النساء والذراري، وظهرت - أيضاً - الخوارج في زمن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - على ذلك، حتى اجتمعوا على الوفاق، وغير ذلك من الاختلاف والتفرق الذي كان ظهر ووقع فيما بينهم، وكان في ذلك دلالة الرسالة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ذكر - عز وجل - في كتابه أنهم يختلفون بعد وفاته، وأنهم ينقلبون على أعقابهم؛ حيث قال: { أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ... } الآية [آل عمران: 144]، وقال في ارتدادهم: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } [المائدة: 54] هذا في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وقال في علي - رضي الله عنه -: { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ } الآية [المائدة: 55]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقاتل هذا بالتأويل كما نقاتل نحن على التنزيل" يعني: عليّاً - رضي الله عنه - وقد كان كل ما ذكر من الاختلاف والتفرق والتنازع في الدين من الانقلاب على الأعقاب والارتداد والامتناع عن إيتاء الزكاة، وإتيان ما ذكر من قوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وغلبة حزب الله وأهل توحيده على أولئك؛ ففي ذلك كله دلالة إثبات الرسالة؛ إذ خرج على ما أخبر صلى الله عليه وسلم وذكر في المستقبل، والله أعلم.
ثم إن الله - عز وجل - بفضله وبرحمته رفع ذلك الاختلاف والتفرق والتنازع بينهم، وجمعهم على ألفة وحب، ولم يرفع من بين أولئك فقال: {فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ} والأحزاب: الفرق الذين تحزبوا؛ أي: تفرقوا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ} هي ظاهرة.