التفاسير

< >
عرض

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٧
وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
١٨
يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
١٩
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ}.
كفروا كفر مكابرة ومعاندة، لا كفر شبهة وجهل؛ لأنهم أقروا أنه ابن مريم، ثم يقولون: إنه إله، فإذا كان هو ابن مريم وأمُّه أكبر منه؛ فمن البعيد أن يكون من هو أصغر منه إلهاً لمن هو أكبر منه وربا؛ وإلا الكفر قد يكون بدون ذلك القول، لكن التأويل هو ما ذكرنا: أنهم كفروا كفر معاندة ومكابرة مع إقرارهم أنه ابن مريم؛ حيث جعلوا الأصغر إله الأكبر وربّاً له.
وقوله - عز وجل -: {قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}.
أي: لا أحد يملك من دون الله شيئاً، إن اراد إهلاك {ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ...} الآية، أي: لو كان إلهاً - كما تقولون - لكان يملك دفع الإهلاك عن نفسه وعن أمه ومن عبدهما في الأرض.
وقيل: فمن يملك أن يمنع من الله شيئاً من عذابه إن أراد أن يهلك المسيح بعذاب، وأمَّه ومن في الأرض جميعاً بعذاب أو بموت؟! وهما واحد.
ثم عظَّم نفسه عن قولهم ونزهها حين قالوا: {إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ}، فقال: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}.
أي: كلهم عبيده وإماؤه، يخلق ما يشاء من بشر وغير بشر.
{وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
أي: قادر على خلق الخلق من بشر ومن غير بشر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [الآية].
يحتمل أن يكون هذا القول لم يكن من الفريقين جميعاً، ولكن كان من أحد الفريقين هذا، ومن الفريق الآخر غيره، وكان كقوله - تعالى -:
{ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111] كأن هذا القول: كان كل فريق نفي دخول الفريق الآخر الجنة، لا أن قالوا جميعاً: { لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ } [البقرة: 111].
ويحتمل: أن كان من النصارى {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ}؛ لما ذكر في بعض القصة أن عيسى - عليه السلام - قال لقومه: "أدعوكم إلى أبي وأبيكم الذي في السماء"؛ فقالوا عند ذلك: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ}، وكان من اليهود: "نحن أحباء الله".
ويحتمل: أن يكون هذا القول كان منهما جميعاً، قال كل واحد من الفريقين: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}.
وقيل: إنهم قالوا ذلك في المنزلة والقدر عند الله تعالى، أي: لهم عند الله من المنزلة والقدر كقدر الولد عند والده ومنزلته عنده، ولا يعذبنا، فقال: قل يا محمد:
{فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم}.
إن كان ما تقولون حقّاً فلم يعذبكم؟! حيث جعل منكم القردة والخنازير، ولا أحد من الخلق يحتمل قبله أن يكون ولده أو صديقه قرداً أو خنزيراً.
أو يقال: لا أحد يحتمل قلبه تعذيب ولده وحبه - بذنب يذنبه - بالنار، وقد أقررتم أنكم تعذبون في الآخرة قدر ما عبد آباؤكم العجل.
ثم قال: {بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ}.
أي: من اتخذ ولداً وحبّاً أن يتخذ من شكله ومن جنسه؛ فالله - تعالى - إنما خلقكم من بشر؛ كغيركم من الخلق، وأنتم وهم في ذلك سواء، فكيف خصصتم أنفسكم بذلك؟!.
وقوله - عز وجل -: {لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَآلُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ} دليل أن من رفع أحداً من الرسل فوق قدره في الكفر كمن حط عن قدره ومرتبته.
وقوله: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ}.
أي: من تاب وأسلم.
{وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ}.
من دام على الكفر، ومات عليه.
وقوله - عز وجل -: {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا}.
أي: كلهم عبيده وإماؤه وخلقه؛ يعظم نفسه عن قولهم: {نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}، ولا أحد يتخذ عبده ولده ولا حبّاً؛ فأنتم إذا أقررتم أنكم عبيده، كيف ادعيتم البنوة والمحبة؟! والله أعلم.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة [نبينا] محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم قالوا قولاً فيما بينهم، ثم أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك بالله.
وقوله - عز وجل -: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ}.
يحتمل قوله - تعالى -: {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ما كنتم تكتمون من نعته وصفته، ويحرفون؛ كقوله - تعالى -: {يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ}.
ويحتمل: {يُبَيِّنُ لَكُمْ} مما [لكم وعليكم] من الأحكام والشرائع، ويحتمل: {يُبَيِّنُ لَكُمْ} ما كان عليه الأنبياء والرسل.
وقوله - عز وجل -: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ}.
قيل: على انقطاع من الرسل من لدن إسرائيل إلى عيسى - عليه السلام - لأنه قيل: إنه كان رسول على أثر رسول: لم يكن بين رسولين انقطاع؛ فأخبر - عز وجل - أنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل.
وقيل: {عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} ليس على انقطاع منهم؛ ولكن على ضعف أمور الرسل ودروس آثارهم، وهو من الفتور، يقال: فتر يفتر فتوراً. يخبر - والله أعلم - أنه إنما بعث الرسول بعدما درس آثار الرسل، وضعف [أمورهم] ووقع فيما بينهم اختلاف للضعف؛ ليبين لهم ما ذكر: {أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ}.
يقطع احتجاجهم بذلك، وإن لم يكن لهم في الحقيقة احتجاج، وهو كما قال:
{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } [النساء: 165]، وكقوله: { أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ } [الأعراف: 169].
بشير بالجنة [لمن أطاع]، ونذير بالنار لمن عصاه.
فقد جاءكم بشير ونذير. {وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
يحتمل: {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من بعث الرسل على فترة منهم، وإحياء ما درس من آثار الرسل، وما ضعف من رسومهم، والله أعلم.