التفاسير

< >
عرض

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
٢٧
لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّيۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ
٢٨
إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ
٢٩
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
٣٠
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ
٣١
مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
٣٢
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً}
[قال الحسن وغيره: لم يكونا ابني آدم من صلبه، ولكن كانا رجلين من بني إسرائيل قربا قرباناً]؛ فتقبل قربان أحدهما، ولم يتقبل قربان الآخر، وإن نسبهما إلى آدم؛ لأن كل البشر ولد آدم ينسب إليه، كقوله - تعالى -: {يٰبَنِيۤ ءَادَمَ} افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا، ليس يريد به ولد آدم لصلبه، ولكن البشر كله؛ فعلى ذلك الأول، والله أعلم.
وأمَّا ابن عباس - رضي الله عنه - والكلبي وغيرهما من أهل التأويل: فإنهم قالوا: "إنهما كانا ابني آدم لصلبه: أحدهما يسمى قابيل، والآخر هابيل، وكان [لكل] واحد منهما أخت ولدت معه في بطن واحد، وكانت إحداهما جميلة، والأخرى دميمة، فأراد كل واحد منهما نكاح الجميلة منهما، فتنازعا في ذلك؛ فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نقرب قرباناً، فإن تقبل قربانك فأنت أحق بها، وإن تقبل قرباني فأنا أحق بها، فقربا قربانهما، فقبل قربان هابيل، ولم يتقبل قربان قابيل؛ فحسده؛ فهم أن يقتله؛ فذلك قوله - تعالى -: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}، ولكن لا ندري كيف [كانت] وفيما كانت القصة؟ وكانا ابني آدم لصلبه، أو لم يكونا، وليس لنا إلى معرفة هذا حاجة، إنما الحاجة في هذا إلى معرفة ما فيه من الحكمة والعلم؛ ليعلم ذلك ويعمل به، فهو - والله أعلم - ما ذكر - عز وجل - فيما تقدم من قوله تعالى:
{ يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ } [المائدة: 15]، وقال في آية أخرى: { يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ } [المائدة: 19] فكأن هذا - أعني: نبأ ابني آدم - كان في كتبهم؛ فأمر - عز وجل - رسوله أن يتلو عليهم ذلك على ما كان، ويبين لهم ما في كتبهم؛ لأنه قال: {قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} و{يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لا بأحد من البشر؛ لأنه إنما بعث عند دروس آثار الرسل، وانقطاع العلوم، فبين لهم واحداً بعد واحد، ففيه دليل إثبات رسالة [سيدنا] محمد صلى الله عليه وسلم.
وسورة المائدة كان أكثرها نزلت في مخاطبة أهل الكتاب؛ لأنه يقول في غير موضع: {يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ} و{يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ} يدعوهم إلى الإيمان بالرسل، ونزل سورة الأنعام في مخاطبة أهل الشرك؛ لأن فيها دعاء إلى التوحيد.
وقوله - عز وجل -: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَيْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ}: يحتمل وجهين:
يحتمل: {بِٱلْحَقِّ} على ما نزل.
ويحتمل: {بِٱلْحَقِّ} المعلوم المعروف على ما كانوا؛ ليعلموا أنه بالله علم، وأنه علم سماوي.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}: هذا يحتمل وجهين:
يحتمل: إنما يتقبل الله قربان من اتقى الشرك، لا يتقبل قربان من لم يتق، وإلى هذا يذهب الحسن، وقال: كانا رجلين من بني إسرائيل: أحدهما مؤمن، والآخر منافق، فتنازعا في شيء فقربا ليعلم المحق منهما، فتقبل من المؤمن ولم يتقبل من الآخر.
وقال أبو بكر الأصم: كانا رجلين مصدقين؛ لأن الكافر لا يقرب القربان، لكن أحدهما كان أتقى قلباً فتقبل قربانه، والآخر لا فلم يتقبل قربانه، والتقوى شرط في قبول القرابين وغيرها من القرب؛ كقوله - عز وجل -: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}، وقوله: والكافر لا يقرب القربان، يقال: قد يقرب لما يدعي من الدين أن الذي هو عليه حق؛ ليظهر المحق منهم؛ ألا ترى أنه يَدَّعُون أن [فيهم] من هو أحق بالرسالة من محمد صلى الله عليهم وسلم بقولهم:
{ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [الزخرف: 31]، وغير ذلك [من] أباطيل قالوها، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}.
قال بعض الناس: إن الواجب علينا أن نفعل مثل فعل أولئك، لا ينبغي لمن أراد أحد قتله أن يقتله، ولكن يمتنع عن ذلك على ما امتنع أحد ابني آدم؛ حيث قال له: {لأَقْتُلَنَّكَ}، فقال له الآخر: {مَآ أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ}، واحتجوا في ذلك بأخبار رويت: روي عن أبي موسى الأشعري، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"إِذَا تَوَاجَهَ المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَهُمَا فِي النَّارِ، فقيل: يا رسول الله، أرأيت المقتول؟! فقال: إِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ صَاحِبَهُ" .
وعن سعد بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَبْداً للهِ، وَلاَ تَقْتُل أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَةِ فَافْعَلْ" .
وعن الحسن - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَرَبَا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مَثَلاً، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ مِنْهُمَا" .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كَيْفَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ بِغَيْرِ حِجَارَةٍ؟ قال: قلت: ألبس سلاحي، قال: شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذَنْ قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله؟ قال: إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيَةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ، يَبُوءُ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ" يحتجون بمثل هذه الأخبار.
وقال آخرون: له أن يقاتل إذا لم يتعظ صاحبه بالله، وأراد قتله، فهو في سعة من قتل من يريد أن يبتدئه بالقتل؛ استدلالاً بما أمر الله - تعالى - بقتال أهل البغي؛ كقوله - تعالى -:
{ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىٰ ٱلأُخْرَىٰ فَقَاتِلُواْ ٱلَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيۤءَ إِلَىٰ أَمْرِ ٱللَّهِ } [الحجرات: 9]، فصار الحكم في أمتنا ما أمرهم الله به من قتال البغاة؛ لأن الله - تعالى - قال: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً } [المائدة: 48]، على أن قتال المشركين كان محظوراً في أول مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وقبل ذلك بأوقات، وقالوا: فغير منكر أن يكون الوقت الذي ذكره الله في هذه الآية كان قتال المشركين وتجريد السيف فيه محظوراً، فأذن الله في قتالهم وقتال أهل البغي، فصار الحكم في أمتنا ما أمر الله [به] من قتال البغاة والمشركين، والله أعلم.
وأما ما احتجوا به من الأخبار التي رويت من اقتتال المسلمين وأشباهها: فإن ذلك، - والله أعلم - ما احتجوا به من الأخبار التي رويت في حال الفتن، وقتال الفئتين اللتين لا إمام فيهما يستحق الإمامة؛ لحمية أو أمر جاهلية أو عصبية، فهما على خطأ، فالصواب في مثله ما ذكر من الأخبار.
وأما إذا كان للناس إمام هدى: فقد عقدوا له البيعة، فخرجت عليه خارجة ظلمة، فقتالهم واجب؛ اتباعاً لعلي - رضي الله عنه - ومن حارب معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أَهْلَ البغي والخوارج، فأما قتال الخوارج: فهو كالإجماع؛ لأن جميع الطوائف قد حاربوهم، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إلى هذا يذهب من رأى قتل من يهم بقتله.
وقوله - عز وجل -: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي.
قال القتبي: {بِإِثْمِي}: أن تقتلني، {وَإِثْمِكَ}: ما أضمرت في نفسك من الحسد والعداوة.
وقال الحسن: ترجع {بِإِثْمِي} بقتلك إياي، {وَإِثْمِكَ} يعني: الكفر الذي كان عليه؛ لأنه يقول: كان أحدهما كافراً فقتل صاحبه؛ فيرجع بالكفر، والله أعلم.
وقوله - تعالى -: {إِنِّيۤ أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ}: يجوز أن يتكلم بالإرادة على غير تحقيق الفعل؛ كقول القائل: أريد أن أسقط من السطح، وهو لا يريد سقوطه منه؛ وكقوله:
{ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ } [الكهف: 77] والجدار لا فعل له، فإذا جاز إضافة الإرادة إلى من لا فعل يكون منه؛ دل أنه ليس على حقيقة الفعل، ولكن على ما يقع أنه يكون كذلك، ويئول أمره إلى ذلك.
أو أراد أن يبوء بإثمه لما علم منه أنه يقتله لا محالة، ويعصي ربه، أراد أن يبوء بإثمه؛ وذلك جائز، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ}: قال القتبي: أي شايعته، وانقادت له.
وقال أبو عوسجة: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}: أي: أمرته وزينت له.
وقال مجاهد: أي: شجعته وأعانته، وكله يرجع إلى واحد.
وقوله - عز وجل -: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}، وقال في آية أخرى: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ} [المائدة: 31]: يحتمل وجهين:
يحتمل: أصبح تائباً؛ لأن الندامة توبة، وذلك أن من أذنب ذنباً فندم عليه كان ذلك منه توبة، فإن لم يكن توبة فتأويل قوله: {فَأَصْبَحَ}: [أي]: يصبح في الآخرة من النادمين؛ وهو كقوله:
{ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } [المائدة: 116] أي: يقول في الآخرة لا أن قال له؛ فعلى ذلك قوله تعالى: {فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّادِمِينَ}: أي: يصبح من النادمين في الآخرة - والله أعلم - ويصبح من الخاسرين.
وقوله - عز وجل -: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}.
استدل من قال بأن القصَّة كانت في بني آدم لصلبه: يقول: {فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ}؛ لأن القصة لو كانت في بني إسرائيل لم يكن ليجهل دفن الميت؛ إذ قد رأى ذلك غير مرة وعاينه؛ فدل أنه كان في أول ميت جهل السنة فيه.
وقال من قال: إنهما كانا رجلين من بني إسرائيل؛ إذ قد يجوز أن يخفى على المرء شيء علمه قبل ذلك وعاينه إذا اشتد به الخوف ونزل به الهول؛ كقوله - تعالى -:
{ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَآ } [المائدة: 109]، وقد كان لهم علم بذلك، لكن ذهب عنهم - والله أعلم - لشدة هول ذلك اليوم، وخوفه؛ فعلى ذلك الأول، يجوز خفاء دفن الموتى بعدما علمه؛ لشدة الهول، والله أعلم.
ثم اختلف فيما أخبر عن بحث الغراب في الأرض: قال الحسن - رضي الله عنه -: كان الغراب يبحث التراب على ذلك الميت؛ ليرى ذلك القاتل، لا أنه كان يبحث التراب على غراب آخر، على ما ذكر في القصَّة أن غراباً قتل آخر، ثم جعل يبحث التراب عليه؛ لأنه ذكر السوأة، وليس للغراب سوأة - والسوأة: العورة - وذلك ليريه كيف يواري سوأة أخيه لم يذكر السوأة في الغراب، إنما ذكرها في أخيه؛ من أجل أن يريه أن كيف يواري سوأته، والله أعلم.
وقوله: {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي}.
أي: أعجزت في الحيلة أن أكون مثل هذا الغراب، فأواري سوأة أخي.
وقوله - عز وجل -: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً...} الآية.
[أي: من استحل قتل نفس] يحتمل وجوهاً:
يحتمل قوله - تعالى -: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} أي: من استحل قتل نفس حَرَّمَ الله قتلها بغير حق، فكأنما استحل قتل الناس جميعاً؛ لأنه يكفر باستحلاله قتل نفس محرم قتلها، فكان كاستحلال قتل الناس جميعاً؛ لأن من كفر بآية من كتاب الله يصير كافراً بالكل؛ فعلى ذلك الأول، إذا استحل قتل نفس محرمة يصير كأنه استحل قتل الأنفس كلها.
ويحتمل: أن يكون هذا في أول قتيل قتل لم يكن قبل ذلك أحد، فلما قتل هذا قتيلاً جعل الناس يقتلون بعد ذلك بعضهم بعضاً، وكان ذلك منه سنة استن الناس به؛ فهو كما روي في الخبر أن:
"مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَلَهُ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً" ؛ فيشترك هذا القاتل في وزر كل قتيل قتل إلى يوم القيامة بغير حق.
وتحتمل الآية وجهاً آخر، وهو ما قيل: إنه يجب عليه من القتل مثل ما أنه لو قتل الناس جميعاً، ومن أحياها أعطاه من الأجر مثل ما لو أنه أحيا الناس جميعاً، إذا أحياها فلم يقتلها وعفا عنها.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: من أجل ابن آدم حين قتل أخاه كتبنا على بني إسرائيل: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ} بلا نفس وجب عليها القصاص {أَوْ فَسَادٍ فِي ٱلأَرْضِ} يقول: الشرك في الأرض، {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعاً} يقول: يعذب عليها؛ كما أنه لو قتل الناس جميعاً لهم، وهو مثل الأول.
وعن عبد الله بن عمرو قرأ: {مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ...} الآية قال: "لم يكن يؤخذ في بني إسرائيل أرش، إنما كان قصاصاً بقصاص" يقول: من قتل نفسا، أو أفسد في الأرض جزاؤه كأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فعلى نحو ذلك.
ويحتمل قوله - تعالى -: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}: أي: من استنقذ أحداً من مهلكة فكأنما استنقذ الناس جميعاً في الآخرة.
وقيل: ومن أحياها بالعفو - أُجِرَ في إحيائها كما يؤجر من أحيا الناس جميعاً؛ إذ على الناس معونة ذلك، فإذا عفا عنها فكأنما عفا عن الناس جميعاً.
قال الحسن: ومن أحياها في الأجر، أما والله من يستطيع أن يحييها إذا جاء أجلها؟! ولكنه أقيد فعفا.
ووجه آخر: أنه يلزم الناس جميعا دفع ذلك عن نفسه ومعونته له، فإذا قتلها أو سعى عليها بالفساد فكأنما سعى بذلك على الناس كافة؛ فعلى ذلك من أحياها فكأنما سعى في إحياء الناس جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلّبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ فِي ٱلأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}.
في الآية تصبير رسول الله صلى الله عليه وسلم على تكذيب الكفرة إياه، وأنه ليس بأول مكذَّب في الحق، بل كانت الرسل من قبل يكذَّبون فيما يأتون من الآيات والحجج والبيان.