التفاسير

< >
عرض

يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٣٥
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٣٦
يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ
٣٧
-المائدة

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ}.
يحتمل أن تكون الآية صلة ما مضى من الآيات؛ من ذلك قوله - تعالى -: {إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ}، أخبر أنه إنما يتقرب بقربانه المتقي، وقال: {إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...} الآية، ثم قال تعالى: {وَٱبْتَغُوۤاْ إِلَيهِ ٱلْوَسِيلَةَ...}: أي: ابتغوا بتقوى الله عن معاصيه القربة والوسيلة.
و{ٱلْوَسِيلَةَ}: القربة وكذلك الزلفة، يقال: توسل إليَّ بكذا، أي: تقرب؛ وهو قول القتبي، وقوله:
{ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الشعراء: 90]: أي: قربت.
وقوله - عز وجل -: {وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ...} الآية.
يحتمل هذا وجهين:
أحدهما: جاهدوا أنفسكم في صرفها عن معاصيه إلى طاعته؛ وهو كقوله - تعالى -:
{ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [العنكبوت: 69].
ويحتمل: أن جاهدوا مع أنفسكم وأموالكم أعداء الله في نصرة دينه، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} كان الذي يمنعهم عن الإسلام والإيمان بالله وبالرسل قضاء شهواتهم، وطلب العزة والشرف بالأموال، فأخبر: {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ}؛ في صرف العذاب عن أنفسهم {مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ}، ولا ينفعهم ذلك، يذكر هذا - والله أعلم - ليصرفوا أنفسهم عن معاصي الله، والخلاف له بأدنى شيء يطلبون من الأموال والشهوات، وأخبر أنه لو كان لهم ما في الأرض ومثله معه ليفتدوا بعذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، وما تقبل منهم.
والحكمة في ذكر هذا - والله أعلم - ليعلموا أن الآخرة ليست بدار تقبل فيها الرشا كما تقبل في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
دل هذا على أن من العذاب ما لا ألم فيه من نحو الحبس والقيد، فأخبر أن عذاب الآخرة أليم كله، ليس كعذاب الدنيا: منه ما يكونُ، أليماً ومنه ما لا يكون.
وقوله - عز وجل -: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا...} الآية.
يحتمل قوله - عز وجل -: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ}: أي: يطلبون ويسألون الخروج منها من غير عمل الخروج نفسه.
ويحتمل قوله - تعالى -: {يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ} ولكن يردون ويعادون إلى مكانهم؛ كقوله - تعالى -:
{ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا } [السجدة: 20] أي: يجتهدون في الخروج منها {أُعِيدُواْ فِيهَا}؛ فيه دليل أنهم يعملون عمل الخروج؛ ولكن يردون ويعادون فيها.