التفاسير

< >
عرض

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ
١١٨
وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ
١١٩
وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ
١٢٠
وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ
١٢١
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} صرف أهل التأويل الآية إلى أهل الكفر وقالوا: ما بالكم تأكلون ذبائحكم التي ذبحتم ولا تأكلوا ما ذبح الله وذكاه صرفوا الخطاب به إلى أهل الشرك.
والأشبه أن يصرف الخطاب [به] إلى أهل الإسلام؛ لأنه ذكر في آخره {إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [ومثل هذا لا يذكر في أهل الشرك إنما ذكر لخطاب أهل الإسلام، كقوله:
{ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } [البقرة: 228] وقوله: { وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [البقرة: 278] ونحوه من الآيات.
فعلى ذلك: الأشبه أن يصرف الخطاب بها إلى أهل الإسلام؛ كأنَّ قوماً من أهل الإسلام منعوا أنفسهم عن التناول من هذه الذبائح واللحوم، فنهوا عن ذلك؛ [من] نحو ما روي في بعض القصة: "أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هموا أن يخصوا أنفسهم وألا يعطوا أنفسهم شهواتهم وألا [يتناولوا شيئاً] من الطيبات، فنهوا عن ذلك.
وقيل: فيهم نزل قوله:
{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ } [المائدة: 87] فيشبه أن يكون قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] فيهم أو لما علم أن قوماً من المتقشفة والمتزهدة يحرمون ذلك على أنفسهم، فنهوا عن ذلك.
فإن كان ما قال أهل التأويل فهو - والله أعلم - كأنه قال: فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين، بما تعلمون [أن] الخلق والأمر له، وقد أنشأ لكم من الآيات ما تعلمون [به] ذلك، فكيف تحرمون ما ذكر اسم الله عليه، ثم أمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه، وعاتب من ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه بقوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 119] ولم يبين بم وبأي وجه بالذبح أو بغيره؟ وكذلك قوله:
{ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } [المائدة: 5] ولم يبين من أي وجه، لكن الناس اتفقوا على صرف ذلك إلى الذبح، فكان الذبح مضمرا فيه؛ كأنه قال: كلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه، وما لكم ألا تأكلوا مما ذبح بذكر اسم الله عليه.
ثم لا يخلو اتفاقهم بمعرفة ذلك: إما أن عرفوا ذلك بالسماع من رسول الله، أو عرفوا ذلك بنوازل [الأحكام]؛ إذ ليس في الآية بيانُ ذلك.
فكيفَما كان، ففيه دلالة نقض قول من يقول بأن من عرف نوازل الأحكام أو كان عنده رواية، فتركَ [روايته] يفسَّق؛ لأنه لما لم يذكر هاهنا النوازل ولا السماع دل أنه لا يفسق؛ إذ كان قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} ذكر لمكان قول الثنوية؛ لأنهم يحرمون الذبائح ويقولون: ليس من الحكمة إيلام من لا ذنب له. أو ذكر لمكان قول من يقول: إنكم أكلتم ما تذبحون بأيديكم ولا تأكلون ما تولى الله قتله.
ثم قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 118] وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} أباح - عز وجل - من الأنعام ما ذكر اسم الله عليه، وحظر ما لم يذكر اسم الله عليه، ونهى عن أكله بقوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121] وبقوله:
{ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } [المائدة: 3] جعل المهَلّ لغير الله ميتةً حراما، وجعل المذكور اسم الله [عليه] ذكيّاً حلالا؛ فدل أن التسمية شرطٌ في أكل الذبيحة؛ لأنها لو لم تكن شرطا في حل الذبيحة لم يكن المُهلُّ به لغير اسم الله ميتة حراما، ولأنه سمى ما لم يذكر اسم الله عليه فسقاً، والفسقُ هو الخروج عن أمر الله؛ كقوله: { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } [الكهف: 50] أي: خرج؛ فدل أن التسمية شرط فيها.
ولهذا يحل لنا ذبائح أهل الكتاب إذا سمعناهم يذكرون اسم الله عليه، وإن كانوا ما يذكرون في الحقيقة غير الله؛ لأنهم لا يعرفون الله حقيقة، ولكن إذا ذكروا اسم الله عليه تحل لنا.
ولا يحل ذبائح أهل الشرك؛ لأن أهل الشرك لا يرون الذبائح رأساً؛ يذهبون مذهب الزنادقة، والزنادقة لا يرون الذبائح؛ يقولون لنا: إنكم تقولون: إن ربكم رحيم حكيم، وليس من الحكمة والرحمة أن يأمر أحداً بذبح آخر ويقتله؛ فيأكلون الميتة ولا يرون أكل الذبيحة، ويقولون: ليس هذا أمرَ مَن كان موصوفاً بالرحمة أو بالحكمة.
[لكنا نقول: إن كراهة الذبح والنفور عنه نفور طبع وكراهته كراهة طبع لا كراهة العقل.
فما يكرهه الطبع وينفر عنه يجوز أن يباح لما يعقب نفعاً في المتعقب نحو ما يباح الافتصاد والحجامة والتداوي بأدوية كريهة لنفع يعقب ويتأمل، وإن كان الطبع يكرهه وينفر عنه وليس هو مما يقبحه العقل إنما لا يجوز أن يباح بفعل ويؤمر به مما يقبحه العقل ويكرهه.
وأما كراهة الطبع ونفوره فإنه يجوز أن يباح لما ذكرنا ويرتفع ذلك بالعادة؛ فعلى ذلك الذبح كراهته كراهة الطبع لا كراهة العقل ونفوره].
والثاني: أن هذه الأشياء كلها إنما خلقت لنا وسخرت لمنافعنا لم تخلق لأنفسها، فإذا كان كذلك يحل لنا ذبحها والتناول منها بأمر الذي أنشأها لنا وسخرها لنا.
وبعد، فإن [من] مذهبهم أن العالم إنما كان بامتزاج النور والظلمة، والروحُ من النوراني والجسم من الظلماني ففي الذبح استخراج الروح ورده إلى أصله؛ إذ من قولهم: إنه يرجع كل إلى أصله في العاقبة، على ما كان في الأول.
[وأما الجواب عما] قاله أهل الشرك: "أكلتم ما ذبحتم أنتم وتركتم ذبيحة الله" فوجهان:
أحدهما: ما قاله أهل التأويل: أن الخلق له وله الحكم عليهم؛ فأحل لهم هذا وحرم عليهم هذا.
والثاني: تعبدنا بذكر اسمه عليها؛ فصار [فيما ذكر] اسم الله إقامة عبادة تعبدنا بها، وفيما لم يذكر لم يكن عبادة؛ لذلك حل لنا ما كان في ذلك إقامة عبادة، ولم يحل لنا ما لم يكن فيها إقامة عبادة والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} هو في الظاهر أمر، لكن الأمر الذي يرجع إلى شهوات النفس ولذاتها فإنه يخرج على وجهين:
إما أن يخرج على بيان ما يحل، أو النهي عما لا يحل؛ فهاهنا خرج على بيان ما يحل وتحريم ما لا يحل؛ كأنه قال: كلوا مما ذكر اسم الله عليه، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه.
وقوله - عز وجل -: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ}.
هو صلة قوله: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} أي: ما لكم ألا تأكلوا وقد بيَّن لكم ما حرم عليكم من الميتة والدّم ولحم الخنزير.
{إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [لأن أهل الشرك والزنادقة كانوا لا يرون أكل الذبيح، ويأكلون الميتة والدم فلهم خرج الخطاب {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} وقد بين لكم ما حرم عليكم، وهو الميتة والدم: {إِلاَّ مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}].
قال الحسن: له أن يتناول من الميتة حتى يشبع؛ لأنه أحل له التناول، وعلى قولنا: لا يحل له الشبع؛ لأنه إنما أحل عند الاضطرار [وهو غير مضطر إلى] الشبع.
ويقول الحسن: لو ترك التناول منها حتى هلك لا شيء عليه؛ يقول: لأنه إنما أحلت له رخصة ورحمة، وليس على من لم يعلم بالرخص إثم، ولكن عندنا أنها أبيحت في حال الاضطرار؛ فإذا ترك التناول منها حتى هلك صار ملقيا نفسه في التهلكة، وقد حرم الله علينا أن نهلك أنفسنا أو نلقيها في التهلكة بقوله:
{ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } [البقرة: 195]، ولا فرق بين ترك التناول من الميتة - وقد أحل لنا التناول [منها - حتى مات وبين ترك التناول] من غيرها من الأطعمة المحللة، أو يأتي بأسباب إتلاف النفس؛ فهما سواء.
ويقول - أيضاً -: له أن يتناول عند الاضطرار من مال غيره بلا بدل، وإذا نهى صاحبه عن ذلك يضمن بدل ذلك بالغاً ما بلغ فهذا بعيد.
لا يجوز أن يتناول من مال غيره ولا يلزمه البدل، وإذا نهاه عن ذلك يلزمه البدل؛ لأن من كان له حق التناول من مال آخر بغير بدل، ثم إذا نهى أو منع يلزمه البدل دل أنه ليس له التناول إلا ببدل، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ}، دل هذا على أن الكل منهم لم يكونوا يضلون؛ ولكن البعض، هم الأئمة منهم والرؤساء؛ لأن الأتباع منهم كانوا لا يضلون الناس؛ إنما كانوا يضلون الكبراء منهم والعظماء، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ}.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ}.
اختلف فيه:
فقيل: وذروا [ظاهر] الإثم بظاهر الجوارح وباطنها، ظاهر الجوارح من نحو: اليد، والرجل، واللسان، والعين.
وباطن الجوارح: القلوب، والضمائر.
وقيل: ذروا الإثم في ملأ من الخلق، وفي الخلاء منهم.
وقيل: ظاهر الإثم: ما ذكرنا، وباطنه: الزنا.
قال أبو بكر الكيساني: الزنا [هاهنا لا يحتمل]؛ لأنه الآية في ذكر [ما يحل من الأطعمة وما لا يحل، ولكن يجوز أن ابتدأ النهي عن الزنا، وإن كان أول الآية في ذكر الأطعمة]؛ ويصير قوله: {وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} كأنه قال: وذروا المآثم [كلها] ما ظهر منها وما بطن.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ}.
لا يتركون وما عملوا؛ ولكن [يجزون] جزاء ما عملوا من الإثم، وهو وعيد [لمن]، {يَكْسِبُونَ ٱلإِثْمَ} ويصرّون عليه ولا يتوبون ولا ينقلعون عنه [حتى ماتوا على ذلك بما ذكر.
وقوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}.
قال بعضهم: هو الميتة]، وهو قول ابن عباس، رضي الله عنه.
وقال بعضهم: ما أهل به لغير الله.
وقلنا نحن: هو ما لم يذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قد صرح بتحريم الميتة بقوله:
{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلْدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنْزِيرِ } [المائدة: 3]. [و] صرح بتحريم ما أهل لغير الله به بقوله: { وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } [المائدة: 3]: [فإذا كان الميتة، وما أهل لغير الله به] تصريح [وتحريم] في غير هذا الموضع؛ رجع هذا الخطاب إلى تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه وكذلك صرح بتحريم الميتة وما أهل لغير الله به بقوله: { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً... } الآية [الأنعام: 145]؛ فقوله - تعالى -: { قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً } [الأنعام:145] كان لا يجد في ذلك الوقت ثم وجد ما لم يذكر اسم الله عليه محرماً في حادث الوقت، وكذلك وجد كلَّ ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير محرماً في حادث الأوقات، كان لا يجد في [ذلك الوقت] محرماً إلا ما ذكر، ثم وجد أشياء محرمة من بعد.
وقال بعضهم من أهل التأويل قوله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}: حين قالوا: ما قتلتم وذبحتم أنتم فتأكلونه، وما قتل ربكم فتحرمونه، وأنتم تعظمون ربكم؟! وهو من زخرف القول الذي يوحي بعضهم إلى بعض ما ذكر {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ}.
لكنا نقول إن ما ذبح وقتل [هو ذبيح بالله] وقتيل به أيضاً؛ فقد أذن لنا بأكل بعض الذبيح وحرم أكل بعض، ولله أن يفعل ذلك، له أن يأذن في أكل بعض وتحريم أكل بعض، على ما أذن لنا في أكل بعض ما خلق الله من الأنعام ولم يأذن في أكل بعض؛ فعلى ذلك قد أذن في أكل بعض ما ذبح به وقتل ولم يأذن في بعض، وهو كله ذبيح بالله وقتيل به، وله ذلك.
والثاني: أن الخلق كله له ملكه، ولا يقال لأحد في ملكه: لم فعلت ذا؟ ولم تفعل ذا؟ إنما يقال ذلك في غير ملكه: كشريك يقول لشريكه: لم تعطني حقي، ولم توفر على نصيبي، فأما أن يقول في ذي ملك في ملكه فلا.
والثالث: ما ذكرنا: أنه تعبدنا بذكر اسم الله عليه [فكان في ذكر اسم الله عليه] إقامة عبادة؛ لذلك لم يجز هذا.
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}، أخبر أنه ما لم يذكر اسم الله عليه فسق، كما أخبر أن التناول من الميتة وما أهل لغير الله به فسق، والفسق: هو الخروج عن أمر الله، والذي ترك ذكر اسم الله عليه: خارج عن أمر الله - تعالى - كالميتة التي ذكرنا، فإن قال قائل: إن قول الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ}؛ فكيف يجوز لكم أن تطلقوا أكل الذبيحة إذا ترك اسم الله ناسياً؟! [قيل الخطاب بهذا لم يرجع إلى الذبيحة التي ترك ذكر اسم الله عليها ناسياً] لأن الذبائح إنما هي من عمل القصّابين والصبيان؛ فهم لم يعودوا أنفسهم ذكر اسم الله حتى يؤاخذوا بها على حفظ ذلك.
وهذا أصلنا: أن من لم يعود نفسه فعلاً يعذر في تركه وارتكابه في حال السهو والنسيان؟! كالأكل في شهر رمضان ناسياً؛ لأنه عود نفسه الأكل والشرب، والصوم هو الكف عما اعتاد؛ فعذر في التناول منه والعود إلى العادة على السهو؛ لأنه يشتد على الناس حفظ النفس على خلاف العادة؛ ولأن الله - تعالى - قال: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}، ولا خلاف في أن من نسي أن يسمي الله على ذبيحة - فليس بفاسق؛ وإنما يفسق من تركها عامداً؛ فدل أن الخطاب بالآية رجع إلى الذبيحة التي تركت التسمية [عليها] عمداً.
فإن قيل: ليس يجوز أن يكون قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ}: يريد به أن الذي يأكل منها إذا لم يسم الله عليها عامداً أو ساهياً - فاسق، وإن كان هذا هو التأويل؛ فالآية على الأكل، [الدليل] على [أن] قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [إشارة إلى الذبيح الذي ترك ذكر اسم الله عليه عمداً، دون أن يكون ذلك] إشارة إلى أن الأكل من تلك الذبيحة فسق - قول الله - تعالى -
{ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ } [الأنعام: 145]: فكان الإهلال بالذبيحة لغير الله فسقاً لمن فعله؛ فوجب أن يكون ترك اسم الله على الذبيحة فسقاً ممن تعمده، وذلك يوجب أن يكون قول الله: {وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} خاصّاً في المتعمد لترك التسمية.
فإن قيل: كيف لم تجعلوا تارك التسمية ناسياً كتاركها عمداً؛ كما قلتم في التكبيرة الأولى في الصلاة: إن عمده وسهوه سواء؟
قيل: من قبيل أن الذبيحة إذا تعمد صاحبها ترك التسمية عليها إنما حرمت بنص القرآن؛ لأنه فسق فقلنا: متى زال الفسق عن الذابح زال التحريم عن الذبيحة؛ لأن التحريم إذا وقع لعلة، فزالت العلة - زال التحريم، ولم نقل: إن صلاة التارك للتكبيرة الأولى فسدت صلاته؛ لأنه فسق بتركه التكبيرة عمداً؛ فيلزمنا أن نفرق بين سهوها وعمدها؛ بل فسدت صلاته لأنه صلى بغير تكبير؛ فالتارك للتكبير عامداً أو ساهياً: تارك؛ فهما سواء، وروي في الخبر ما يؤيد ما قلنا: روي عن راشد بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ذبيحةُ المسلم حلالٌ سمى أو لم يسم ما لم يتعمد" .
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - في رجل ذبح ونسي أن يذكر اسم الله، قال: "اسم الله في قلب كل مسلم؛ فليأكل" .
وقوله - عز وجل -: {وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ}.
أهل التأويل صرفوا تأويل هذا إلى أن زخرف القول الذي يوحي بعضهم [إلى بعض] في الآية الأولى هو مجادلتهم في الذبيحة؛ حيث قالوا: ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه، وما قتل الله فلا تأكلونه؟! يعنون: فتلك مجادلتهم إياهم، ولكن يجادلون في هذا [في] وحدانية الله - تعالى - وفي إثبات الرسالة، والبعث بعد الموت، وفي كل شيء؛ حيث قالوا:
{ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } [المؤمنون: 82]: فأخبر أنهم لو أطاعوهم إنهم لمشركون أي: لو أطعتموهم فيما يجادلونكم ويوحون إليكم {إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}.