التفاسير

< >
عرض

وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ
١٤١
وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
١٤٢
ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
١٤٣
وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٤٤
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ}.
ذكر هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من تحريم ما أحل الله لهم ورزقهم من الحرث، والزرع، والأنعام، والانتفاع بها، فقال: أنشأ جنات وبساتين من تأمل فيها وتفكر، عرف أن منشئها مالك حكيم مدبر؛ لأنه ينبتها ويخرجها من الأرض في لحظة ما لو اجتمع الخلائق على تقديرها: أن كيف خرج؟ وكم خرج؟ وأي قدر ثبت؟ ما قدروا على ذلك؛ كقوله:
{ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ } [الحجر: 19]، ويخرج من الورق والثمار على ميزان واحد: ما لو جهدوا كل الجهد أن يعرفوا الفضل والتفاوت بين الأوراق والثمار ما قدروا، وما وجدوا فيها تفاوتاً. ويخرج - أيضاً - كل عام من الثمار والأوراق ما يشبه العام الأول؛ فدل ذلك كله أن منشئها ومحدثها مالك حكيم، وضع كل شيء موضعه، وأن ما أنشأ [أنشأ] لحكمة وتدبير لم ينشئها عبثاً؛ فله الحكم والتدبير في الحل الحرمة والقسمة، ليس لأحد دونه حكم ولا تدبير في التحريم والتحليل: { هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌ } [النحل: 116]، وهذا لهذا وهذا لهذا؛ إنما ذلك إلى مالكها؛ فخرج هذا - والله أعلم - مقابل ما كان منهم من قوله: { وَقَالُواْ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ } [الأنعام: 138]، [وقوله: {هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ}] { وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا } [الأنعام: 136]، وقوله - تعالى -: { وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ } [الأنعام: 138]، وغير ذلك من الآيات التي كان فيها ذكر تحكمهم على الله، وإشراك أنفسهم في حكمه.
ثم اختلف في قوله: {مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ}:
قيل: معروشات: مبسوطات ما ينبت منبسطا على وجه الأرض، {وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ}: ما يقوم بساقه، لا ينبسط على الأرض.
وقيل: معروشات: ما يتخذ له العريش، من نحو العرجون والقرع وغيره، وغير معروشات: ما لا يقع الحاجة إلى العرش؛ من نحو: النخيل والأشجار المثمرة، وهما واحد.
وقيل: على القلب، معروشات: ما تقوم بساقها، وغير معروشات: ما لا ساق لها، والله أعلم. وتعريشه ما ذكر على أثره.
{وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ}.
منها ما يكون متشابهاً في اللون ومختلفاً في الأكل والطعم، ومنها ما يكون مختلفاً في اللون والمنظر متشابهاً في الطعم والأكل؛ ليعلموا أن منشئها واحد، وأنه حكيم أنشأها على حكمة، وأنه مدبر: أنشأها عن تدبير، لم ينشئها عبثاً.
[و] من الناس من يقول: إن قوله: {مُتَشَٰبِهاً} في الذي ذكر، وهو الرمان والزيتون؛ لأن ورقهما متشابه، والثمرة مختلفة.
ومنهم من يقول: فيهما وفي غيرهما، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ}.
كأنه قال: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولا تحرّموا؛ خرج على مقابلة ما كان منهم من التحريم، أي كلوا منها، ولا تحرموا؛ ليضيع ويفسد.
وقوله - عز وجل -: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}.
ذكر - عز وجل - الإيتاء مما يحصد بعد ذكر النخيل، والزرع، والزيتون، والرمان، حبّاً وغير حب، وما يقع فيه الكيل وما لا يقع، مجملا عاما ولم يفصل بين قليله وكثيره.
ففيه دلالة وجوب الصدقة والعشر في قليل ما تخرج الأرض وكثيره.
وكذلك قوله - تعالى - في سورة البقرة:
{ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ } [البقرة: 267].
وحديث معاذ - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"في كل ما أخرجت الأرض العشر، أو نصف العشر" .
وحديث ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن بذلك.
وما روي عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال:
"فيما أخرجت الأرض - قليله وكثيره - العشر" .
وخبر معاذ، قال: "بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فأمرني أن آخذ [من كل حالم] دينارا، أو عدله معافريّاً، وأمرني أن آخذ من كل أربعين مسنة، ومن كل ثلاثين تبيعاً، ومن كل ما سقت السماء العشر، وما سقي بالديالي نصف العشر" .
إلى هذا كله يذهب أبو حنيفة -رحمه الله - ويوجب الصدقة في قليل الخارج من الأرض وكثيره.
ثم اختلف أهل التأويل في تأويل الحق الذي ذكره الله في قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}:
قال قوم: هي صدقة سوى الزكاة؛ واحتجوا بأن الآية مكية، وأن الزكاة فرضت بالمدينة ، وهي منسوخة بآية الزكاة.
وقال قوم: هي الزكاة، فإن نسخ إنما نسخ قدرها، لم ينسخ الحق رأساً؛ لأنهم كانوا يتصدقون بالكل، فما نسخ إنما نسخ بآية الزكاة قدرها.
ألا ترى أنه قال في [آية] أخرى: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}.
والإسراف في اللغة هو المجاوزة عن الحدّ الذي حد له كقوله:
{ وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } [الفرقان: 67].
وقيل في قوله: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ}، أي: لا تمنعوا الكل ولكن كلوا بعضه، وآتوا حقه من بعضه.
وقيل: الإسراف - هاهنا - هو الشرك؛ كأنه قال: ولا تشركوا آلهتكم فيما رزقكم الله من الحرث والأنعام؛ فتحرموه ولا تنتفعوا به، والإسراف هو الذي لا ينتفع به أحد، وما كانوا جعلوا لشركائهم لا ينتفعون به هم ولا انتفع به أحد؛ يكون مقابل قوله:
{ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ... } الآية [الأنعام: 138].
وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله - [فإنهما] يذهبان إلى ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - [قال]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [
"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواق صدقة" وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم] "لا صدقة في الزرع، ولا في الكرم، ولا في النخل، إلا ما بلغ خمسة أوسق" ، وذلك مائة فرق.
وعن ابن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة - رضي الله عنهم - عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
وما روى موسى بن طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"ليس في الخضراوات صدقة" [وعن عمر مثله، وعن علي مثله، وكذلك روي عن جماعة السلف: أن لا صدقة إلا في الحنطة والشعير والحبوب، وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه - معنى ذلك كله لا صدقة] تؤخذ إلا فيما بلغ خمسة أوسق"، وليس في الخضراوات صدقة تؤخذ، وما عليه في نفسه صدقة يؤديها هو.
ثم إن كان ذلك الحق الذي ذكر في الآية الزكاة، فإن الآية تدل - والله أعلم - على أن زكاة الحب والثمار إنما تجب فيما بيّن: الجنات المعروشات وغير المعروشات؛ فدخل في ذلك - والله أعلم - العنب، وغير العنب، والثمار كلها، وقال: {وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ}، فدخل جميع ما تخرج الأرض من كل الأصناف التي سبق ذكرها، وقال: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، فجعل الحق الواجب فيه يوم يحصد؛ فيجوز أن يكون عُفي عما قبل ذلك.
فإن كان هذا هو التأويل، فهو - والله أعلم - معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن قوله - تعالى -: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} عفوا عن صدقة ما يؤكل منه ما كان في ذلك فائدة؛ لأنّ الثمرة تؤكل ولا تصلح لغير ذلك إلا للوجه الذي ذكرنا، وهو أنهم كانوا يحرمونها ولا ينتفعون بها؛ فقال - عز وجل -: كلوا وانتفعوا به، ولا تضيعوه.
وإذا كان قوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ} عفوا عن صدقة ما يؤكل منه، ظهرت فائدة الكلام، وهو على هذا التأويل - والله أعلم - ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فالربع" .
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في العرايا صدقة" .
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه كان يبعث أبا خيثمة خارصا للنخل، ويقول له: "إذا وجدت أهل بيت في حائطهم، فلا تخرص بقدر ما يأكلون".
وعن مكحول قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"خفضوا على الناس في الخرص؛ فإن في المال العرية والوصية" .
فدلت هذه الأحاديث [على] أنه لا صدقة فيما يؤكل من الثمر رطباً إذا لم يكن فيما يأكلون إسراف.
وقدر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الثلث أو الربع، وذلك - والله أعلم - يشبه ما دلت عليه الآية على تأويل من جعل الحق زكاة؛ لأن الله - تعالى - قال: {وَلاَ تُسْرِفُوۤاْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ}؛ فاحتمل أن يكون - أيضاً - معنى ذلك: ولا تسرفوا في الأكل؛ فيجحف ذلك بأهل الصدقة، ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن الإسراف في جميع الأشياء، على ما ذكرنا من قبل.
وإذا صح أن لا صدقة فيما يؤكل من الرطب والعنب والثمار بهذا الأخبار، وأن الصدقة إنما تجب فيما يلحقه الحصاد يابسا يمكن ادخاره - فالواجب ألا يكون في شيء من الخضر التي تؤكل رطبة صدقة، وألا تكون الصدقة واجبة إلا فيما يبس منها، ويمكن أن يدخر.
فأما البقول والرطاب والبطيخ والقثاء والخيار والتفاح وأشباهها: فلا صدقة فيها، هذا كله يدل لأبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - إلا أنا لا نعلم مخالفا أن فيما يباع من الرطب صدقة، وإن كان يؤكل كهيئة، فهذا يفسد ما احتججنا به لأبي يوسف ومحمد ومن وافقهما، وتأويل ما روي "أن لا صدقة في الخضراوات"، "وليس في أقل من خمسة أوسق صدقة تؤخذ"، وإنما عليه في نفسه أن يؤديها، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}: على أولئك خاصّة في ذلك الوقت، أو يقول: وآتوا حقه ولا تصرفوا إلى الأصنام التي تصرفون إليها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ}.
هو صلة قوله: {أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ} إلى آخر ما ذكر، وأنشأ - أيضاً - من الأنعام حمولة وفرشاً.
ثم اختلف فيه:
قال بعضهم: الحمولة: ما يحمل عليها أنشأها للحمل، والفرش: الصغار منها التي لا تحمل.
وقيل: الحمولة: من نحو الإبل والبقر والبغال وغيرها من الحيوان، والفرش: هو الغنم والمعز التي تؤكل وأنشأها للحم.
ويحتمل الفرش: ما يؤخذ من الأنعام، ويتخذ منه الفرش والبسط.
وقال الحسن: الحمولة: ما يحمل عليها وهو خالص، والفرش: كل شيء من أنواع المال من الحيوان وغيره؛ يقال: أفرشه الله له، أي: جعله له.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: الحمولة: الإبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وإما الفرش فالغنم.
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: الحمولة: الإبل، والفرش: البقر والغنم.
وقال أبو عوسجة: الحمولة: مراكب النساء، والفرش: ما يكون للنتاج.
وقال القتبي: الحمولة: كبار الإبل التي يحمل عليها، والفرش: صغارها التي لم تدرك أن يحمل عليها، وهي ما دون الحقاق، والحقاق: هي التي تصلح أن تركب، أي: حق ذلك.
وقوله - عز وجل -: {كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ}.
قوله: [{كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ} ووجهوا شكر ذلك إليه، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ} في تحريم ما أحل الله لكم، وجعل ذلك لكم] رزقا؛ كقوله: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلأَنْعَٰمِ نَصِيباً فَقَالُواْ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا}.
وقوله:
{ هَـٰذِهِ أَنْعَٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌ لاَّ يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا } [الأنعام: 138] وقوله: { وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا } [الأنعام: 139]، يقول: كلوا مما رزقكم الله؛ وكذلك قوله: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ}، وانتفعوا به، {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ}: في تحريم ذلك على أنفسكم، واعرفوا نعمه التي أنعمها عليكم، ووجهوا شكر نعمه إليه، ولا توجهوها إلى غيره.
ثم قوله: {خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ}.
قيل: آثار الشيطان.
وقيل: أعمال الشيطان.
وقيل: دعاء الشيطان وتزيينه، وكله واحد.
وأصله: أن كل من أجاب آخر إلى ما يدعو إليه ويأتمر بأمره، يقال: قد اتبع أثره، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز جل -: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}.
أي: إنه فيما يدعوكم إلى تحريم ما أحل الله لكم ورزقكم - يقصد قصد إهلاككم وتعذيبكم، لا قصد منفعة لكم في ذلك، وكل من قصد إهلاك آخر فهو عدوّ له، وهو يخرج على ما ذكرنا من تذكير المنن والنعم التي أنعمها عليهم، يقول: هو الذي جعل لكم ذلك؛ فلا تصرفوا شكره إلى غيره.
وقوله - عز وجل -: {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...} إلى آخر ما ذكر.
أي: أنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج، على ما ذكر: أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنشأ من الأنعام - أيضاً - حمولة وفرشاً، وأنشأ - أيضاً - ثمانية أزواج مما عد علينا.
ويحتمل أن يكون قوله: {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ...} إلى آخر ما ذكر هو تفسير قوله: {وَمِنَ ٱلأَنْعَٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشاً}، ويكون {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ} التي ذكر في الآية بيان الحمولة والفرش التي ذكر في الآية الأولى.
ثم في قوله: {ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ}: في الآية تعريف المحاجة مع الكفرة وتعليمها من الله؛ لأنهم كانوا يحرمون أشياء على الإناث ويحللونها للذكور؛ كقوله:
{ وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ } [الأنعام: 139]؛ فقال الله - عز وجل: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}: يعرفنا المحاجة معهم؛ وطلب العلة التي بها حرم، فقال: {قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ}، فإن قالوا: حرم الذكر، فيجب أن كل ذكر محرم، ثم من الذكور ما يحل، فتناقضوا في قولهم، وإن قالوا: حرم الأنثى، فيجب أن كل أنثى - أيضاً - تكون محرمة، فإذا لم تحرم كل أنثى ظهر تناقضهم؛ لأنه لا يجوز أن يجب حرمة شيء أو حله لمعنى، ثم يرتفع ذلك الحكم والمعنى موجود، أو حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، فإن كان لهذا، فيجب أن لكل مشتمل عليه أرحام الأنثيين محرم، فإذا لم يحرم ذلك [دل أن التحريم لم يكن لهذا].
وفيه دلالة أن الحكم إذا وجب لعلة، فذلك الحكم واجب ما دامت العلة قائمة موجودة، وفيه الأمر بالمقايسة.
وقوله - عز وجل -: {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}.
أي: ليس عندهم علم يعلمون ذلك وينبئونه، ذكر - هاهنا - {نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ}: في مقالتكم: إنه حرم، وقال في الآية التي تليها: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا}، أي: بتحريمها، أي: ليس لكم شهداء على تحريم ما تحرمون: لا من جهة الكتاب، ولا رسول، ولا استدلال؛ لأن العلوم ثلاثة: علم استدلال وهو علم العقل، وعلم المشاهدة والعيان وهو علم الحس، وعلم السمع والخبر؛ فيخبر أنه ليس لهم من هذه العلوم شيء.
أما علم الاستدلال: فلا عقل يدل على تحريم ما حرمتم.
ولا علم مشاهدة؛ لأنكم لم تشاهدوا الله حرم ذلك.
ولا علم من جهة السمع والخبر؛ لأنهم [كانوا] لا يؤمنون بالكتب، ولا صدقوا الرسل فيقولون: أخبرنا الرسل بتحريم ذلك، أو وجدنا في الكتب حُرْمتها، فبهتوا في ذلك وضجروا.
وفي الآية دلالة إثبات رسالة محمّد ونبوّته صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا لا يحرمون هذه الأشياء ظاهرا فيما بينهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم منذ كان صغيراً إلى كبره، وعرفوا أنه لم يختلف إلى أحد عرف ذلك، ثم أخبر [الله - عز وجل -] [عن حل] ما حرموا وفساد ما صنعوا؛ ليدلهم أنه إنما عرف ذلك بالله، وبه علم حل ما حرموا، وحرمة ما أحلوا، لا بأحد من الخلائق.
وقوله - عز جل -: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 144].
أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا؛ لأنه هو الذي أنشأهم وأنشأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويقضون حوائجهم، وبه كان جميع نعمهم التي يتنعمون ويتقلبون فيها؛ فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا، فقال: حرم كذا ولم يكن حرم، أو: أمر بكذا ولم يكن أمر.
ألا ترى: أنه قال - عز وجل -:
{ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً } [النساء: 87]، و { قِيلاً } [النساء: 122]، فكما لم يكن أحد أصدق منه حديثاً، فعلى ذلك لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا بعد علمه: أنه هو الفاعل لذلك كله، وهو المنشئ ما ذكر.
وقوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ}. في الظاهر استفهام، ولكن في الحقيقة إيجاب؛ لأنه لا يحتمل الاستفهام؛ كأنه قال: لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذبا على الإيجاب.
وقوله - عز وجل -: {لِيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ}.
لأنه يقصد بالافتراء على الله قصد إضلال الناس وإغوائهم.
{إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ}.
أي: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر والظلم.
وقيل: {لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ} [أي أنهم يختمون] بالكفر.
ويحتمل: لا يهديهم؛ إذا كانوا هم عند الله ظلمة كفرة، وإن كانوا عند أنفسهم عدولا على الحق.