التفاسير

< >
عرض

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
١٥٤
وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٥٥
أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ
١٥٦
أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ
١٥٧
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ
١٥٨
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً}.
اختلف فيه؛ قال الحسن: قوله: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}، أي: من أحسن صحبته، تمت نعمة الله وكرامته عليه في الآخرة.
وقيل: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}، يعني: على المحسنين والمؤمنين، و "على" بمعنى: للذي أحسن وللذي آمن، ويجوز "على" في موضع اللام؛ كقوله:
{ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ } [المائدة: 3]، أي: للنصب.
وقتادة قال: فمن أحسن فيما آتاه الله، تمت عليه كرامة الله في جنته ورضوانه، ومن لم يحسن فيما آتاه الله، نزع الله ما في يده، ثم أتى الله ولا عذر له.
وقال أبو بكر الكيساني في قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}: أي: ثم آتيناكم من الحجج والبيان تماماً من موسى وكتابه، أي: موسى وكتابه مصدق وموافق لما أعطاكم؛ كقوله:
{ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً... } الآية [هود: 17].
ويحتمل: تمام ما ذكرنا تماماً بالنعمة والكرامة.
ويحتمل: تماماً بالحجة والبيان، وتماماً بالحكمة والعلم.
وقوله - عز وجل -: {عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ}.
أي: للذي أحسن.
وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه -: (تماماً وعلى الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء)، أي: تبياناً لكل شيء، وهدى من الضلال والشبهات، ونعمة، ورحمة من العذاب والعقاب.
{لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}.
أي: ليكونوا بلقاء ربهم يؤمنون؛ هو على التحقيق.
وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ} يقول: أتم له الكتاب على أحسنه على الذي بلغ من رسالته، وتفصيل كل شيء: بيان كل شيء {وَهُدًى}، أي: تبياناً من الضلالة {وَرَحْمَةً}، أي: نعمة، {لَّعَلَّهُمْ بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ}، أي: بالبعث بعد الموت، {يُؤْمِنُونَ}، أي: ليكونوا مؤمنين بالبعث.
ومنهم من يقول في قوله: {ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ}: إنه وإن أتى بحرف الترتيب، فإنه على الإخبار؛ كأنه قال: ثم قد كنا آتينا موسى الكتاب تماماً، معناه: وقد آتيناه.
وقوله - عز وجل -: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} يعني: القرآن أنزلناه.
{مُبَارَكٌ}.
قال أبو بكر الكيساني: البركة هي التي من تمسك بها أوصلته إلى كل خير وعصمته من كل شرّ، وهو المبارك.
وقال الحسن: هو المبارك لمن أخذه واتبعه وعمل به، فهو مبارك له، وسمّي هذا القرآن مباركاً؛ لما يبارك فيه لمن اتبعه، هو مبارك لمتبعه والعامل به، وإلا من لم يتبعه فليس هو بمبارك له، بل هو عليه شدة ورجس؛ كقوله - تعالى -:
{ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ } [التوبة: 124-125]، فهو ما ذكرنا مبارك لمن اتبعه وتمسك به، وسمي مجيداً - أيضاً - وكريماً لمن اتبعه يصير مجيداً كريماً، وكذلك سمي روحاً ووحياً؛ لما يحيا به من اتبعه.
وأصل البركة: هو أن ينتفع بشيء على غير تبعة، فهو البركة؛ وعلى ذلك يخرج قول الناس بعضهم لبعض: بارك الله لك في كذا، أي: جعل لك فيه منافع لا تبعة عليك فيه؛ فعلى هذا يجيء أن يكون القرآن مباركاً بكسر الراء، لكن قيل: مبارك؛ لانتفاع الناس به.
والبركة تحتمل وجهين:
أحدهما: اسم لكل خير يكون أبداً على النماء والزيادة.
والثاني: اسم لكل منفعة لا تبعة عليه [فيها] ولا مؤنة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ}.
أي: اتبعوا إشاراته، [....] [{وَٱتَّقُواْ} أي: اتقوا مخالفته {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}؛ أي: لكي ترحموا، من اتبع أوامره وإشاراته واتقى] نواهيه ومحارمه رُحِمَ.
وقوله - عز وجل -: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} [الأنعام: 156].
قال أهل التأويل: أنزل الكتاب على الطائفتين: اليهود والنصارى، ومن أنزل الكتاب على اليهود والنصارى إنما أنزله على المسلمين، لكن المعنى - والله أعلم -: إنما أنزل الكتاب على طائفتين، أي: إنما [يظهر نزول الكتاب التوراة والإنجيل] عند الخلق بطائفتين من قبلنا سموا يهود ونصارى بالتوراة والإنجيل، وإلا لم يكن وقت نزول التوراة يهود، و [لا وقت] نزول الإنجيل نصارى.
ثم قوله: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ} هو صلة قوله: {وَهَـٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ} لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا ولم ينزل علينا.
ويجوز "أن" بمعنى "لن"، أي: لن تقولوا: إنما أنزل الكتاب؛ كقوله:
{ أَن يُؤْتَىۤ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ } [آل عمران: 73] أي: لن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم.
وقوله - عز وجل -: {وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ}.
أي: وقد كنا عن دراستهم لغافلين، ويجيء أن يكون عن دراستها؛ لأنها دراسة الكتب، لكن أضيف إليهم، أي: أولئك القوم.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ}.
هو على ما ذكرنا لئلا تقولوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب.
{لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}.
أنزل الله - عز وجل - هذا القرآن؛ قطعاً لحجاجهم، ومنعاً لعذرهم، وإن لم يكن لهم الحجاج والعذر، وعلى ذلك يخرج قوله:
{ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ } [النساء: 165]، لا يكون لهم حجة على الله، وإن لم ينزل الرسل والكتب.
ثم يحتمل عذر هؤلاء أن يقولوا: إنما أنزل الكتاب بلسانهم، لم ينزل بلساننا، ونحن لا نعرف لسانهم، وكنا عن دراستهم لغافلين، ولو كان لهم العذر والاحتجاج بهذا، لكان للعجم الاحتجاج والعذر في ترك اتباع القرآن؛ لما لم ينزل بلسان العجم، ولم يعرفوا هم لسانهم، أعني: لسان العرب، ثم لم يكن للعجم الاحتجاج بذلك؛ لما جعل لهم سبيل الوصول إلى معرفته؛ فعلى ذلك لا عذر للعرب في ترك اتباع ما في الكتب التي أنزلت بغير لسانهم؛ لما في وسعهم الوصول إلى معرفتها، والتعلم منهم، والأخذ عنهم، وهذا يدل على أنه يجوز التكليف بأشياء ليست معهم أسبابها، بعد أن جعل لهم سبيل الوصول إلى تلك الأسباب.
والثاني: من احتجاجهم أن يقولوا: إن اليهود والنصارى قد اختلفت وتفرقت تفرقاً لا اجتماع بينهم أبداً، فكيف نتبعهم في ذلك؟!
فيقال: إن مذاهبهم وكتبهم إنما تفرقت بهم وبقولهم، فقد أنزل من الحجج والبيان ما يعرف ذلك الذي تفرق بهم، فلا حجة لهم في ذلك؛ وهذا كقوله:
{ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا } [الأنعام: 109] وقد جاءتهم آيات فلم يؤمنوا [بها]؛ فعلى ذلك قوله: {أَن تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَابُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا} [الأنعام: 156] وقوله: {أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}.
وفي الآية دلالة على أن المجوس ليسوا من أهل الكتاب؛ لأنهم لو كانوا أهل كتاب صار أهل الكتاب ثلاث طوائف، وقد أخبر أنه إنما أنزل الكتاب على طائفتين، وذلك محال.
فإن قيل: إنما هذا حكاية من الله - تعالى - عن المشركين، قلنا: معناه - والله أعلم -: إني أنزلت عليكم الكتاب؛ لئلا تقولوا: إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا، فلم يقولوا ذلك، ولكن الله قطع بإنزاله الكتاب حجتهم التي علم أنهم كانوا يحتجون بها لو لم ينزله، وإن لم يكن لهم في ذلك حجة ولا عذر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ}.
قيل: القرآن.
وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم.
{وَهُدًى}.
أي: هدى من الضلالة وكل شبهة.
{وَرَحْمَةٌ}.
أي: ذلك منه رحمة ونعمة.
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ}.
أي: لا أحد أظلم ممن كذب بآيات الله.
قيل: بآيات الله: حجج الله.
وقيل: دين الله، وقد ذكرناها في غير موضع.
وقد ذكرنا أن قوله: {فَمَنْ أَظْلَمُ} حرف استفهام في الظاهر، ولكن ذلك من الله على الإيجاب؛ كأنه قال: لا أحد أوحش ظلماً ممن كذب بآيات الله وصدف عنها [وقوله: {وَصَدَفَ عَنْهَا} أي أعرض عنها {سَنَجْزِي ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ} يعرضون ويبدلون... الآية ظاهرة].
وقوله - عز وجل -: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ...}.
قال أهل التأويل: ما ينظرون، وحرف "هل" هو حرف استفهام وتعجب، لكن أهل التأويل قالوا: ما ينظرون، حملوا على الجواب؛ لأنه لم يخرج له جواب، فجوابه ما قالوا: ما ينظرون؛ كما [قالوا] في قوله:
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً } [الأنعام: 21]، أي: لا أحد أظلم ممن كذب، هو جواب؛ لأن جوابه لم يخرج، فجوابه ما قالوا: لا أحد أظلم؛ لأنه سؤال واستفهام، فجوابه ما ذكروا؛ فعلى ذلك قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ} هو استفهام ولم يخرج له الجواب، فجوابه: لا ينظرون؛ كقوله: { مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً } [يس: 49].
ثم قوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ}.
هذا - والله أعلم - يشبه أن تكون الآية في المعاندين منهم والمتمردين، الذين همتهم العناد والتعنت، خرج على إياس رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أولئك الكفرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمانهم مشفقاً على أنفسهم؛ حتى كادت نفسه تذهب حسرات عليهم؛ حرصاً على إيمانهم وإشفاقاً على أنفسهم؛ كقوله:
{ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8]، وكقوله: { فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ... } الآية [الكهف: 6]، ونحوه، فآيسه الله - تعالى - عن إيمان أولئك الكفرة؛ لئلا يطمع في إيمانهم وإسلامهم بعد ذلك، ولا تذهب نفسه حسرات عليهم؛ ليتخذهم أعداء ويبغضهم، ويخرج الشفقة التي في قلبه لهم، وليتأهب لعدوانهم، ويتبرأ منهم؛ كما فعل إبراهيم: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ } [التوبة: 114]، وكما قال لنوح: { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [هود: 36]: آيسه الله عن إيمان قومه إلا من قد آمن، ونهاه أن يحزن عليهم [وعلى فوت إيمانهم؛ فعلى ذلك هذا آيس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيمانهم]، ونهاه أن يحزن عليهم؛ كقوله: { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } [النحل: 127]، إلى الوقت الذي ذكر أنهم يؤمنون في ذلك الوقت، وهو وقت نزول الملائكة وإتيانهم بآياتهم، وهو قوله: { إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ } [النحل: 33].
ثم قال بعضهم: تأتيهم الملائكة بقبض الأرواح مع اللعن والسخط؛ فعند ذلك يؤمنون بالله.
وقال بعضهم قوله: {إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} يوم القيامة، وهو كقوله:
{ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } [الفرقان: 22].
وقوله - عز وجل -:{أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ}.
على إضمار الأمر؛ كأنه قال: أو يأتي أمر ربك؛ على ما ذكر في سورة النحل:
{ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ } [النحل: 33].
ثم الأمر فيه عذاب الله؛ كقوله - تعالى -:
{ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } [هود: 66]، يعني: عذابنا؛ فعلى ذلك في هذا: أمر الله عذاب الله، والأصل فيما أضيف إلى الله في موضع الوعيد لا يراد به الذات، ولكن يراد به نقمته وعذابه [وعقوبته]؛ كقوله: { وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ } [آل عمران: 28] لا يريد به [ذاته]، ولكن يريد به [نقمته] وعذابه؛ كقوله: { مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ } [العنكبوت: 5]، لا يريد به [لقاء] ذاته؛ [وكذلك قوله: { وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ } [آل عمران: 28]، { وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } [البقرة: 210]، وغيرها من الآيات، لا يراد به ذاته] ولكن يراد به عذابه ونقمته.
أو نقول: إن كل شيء يراد به تعظيمه، يضاف إلى الله - تعالى - فيراد به تعظيم ذلك الشيء، أو تعظيم عذابه ونقمته.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ}: يحتمل بعض آياته ما قال - عز وجل -:
{ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ... } [الآية] [غافر: 84].
كقوله
{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ... } الآية [الأحقاف: 24].
وكقوله:
{ سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } الآية [المعارج: 1]، ونحوه من الآيات، يؤمنون عند معاينتهم العذاب، ولا ينفعهم الإيمان [في ذلك الوقت].
ويحتمل ما قال أهل التأويل: طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، وخروج الدابة، وعلى ذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً" ، [وقال] أبو هريرة - رضي الله عنه -: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، والدخان، والدابة، وخويصة أحدكم، وأمر العامة" ، وخويصة أحدكم: الموت، وأمر العامة: الساعة إذا قامت.
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:
"التوبة معروضة حتى تطلع الشمس من مغربها" ، ثم قال: "مهما يأتِ عليكم عام [إلا والآخر] شر" ونحوه من الأخبار. فإن ثبتت هذه الأخبار فهي المعتمدة.
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت:
"إذا خرج أول الآيات، طرحت الأقلام، وجست الخطبة، وشهدت الأجساد على الأعمال" .
وقوله - عز وجل -: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْل}.
أخبر أن الإيمان لا ينفع في ذلك الوقت؛ لأنه ليس بإيمان اختيار في الحقيقة؛ إنما [هو] إيمان دفع العذاب والبأس عن أنفسهم؛ كقوله:
{ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ } [غافر: 84]، وقوله: { وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [الأنعام: 28] أخبر أنهم لو ردوا إلى الدنيا، لعادوا إلى تكذيبهم الرسل وكفرهم بالله؛ فدل أن إيمانهم في ذلك الوقت إيمان دفع العذاب والبأس وإيمان خوف، وهو كإيمان فرعون؛ حيث قال: { حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ } [يونس: 90]، لم ينفعه إيمانه في ذلك [الوقت]؛ لأنه إيمان دفع الهلاك عن نفسه، لا إيمان حقيقة باختيار.
والثاني: أنه في ذلك الوقت - وقت نزول العذاب - لا يقدر أن يستدل بالشاهد على الغائب؛ ليكون قوله قولا عن معرفة وعلم، وإنما هو قول يقوله بلسانه لا عن معرفة في قلبه [فلم ينفعه إيمانه] في ذلك الوقت؛ لما ذكرنا، وهو كقوله:
{ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ ٱلآنَ } [النساء: 18]؛ لأنه إيمان دفع البأس والعذاب، أو يبالغ بالاجتهاد؛ حتى يكون إيمانه إيماناً باجتهاد؛ لذلك كان ما ذكرنا.
أو أن يكون في طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدجال، ودابة الأرض، وما ذكر من البلاء والشدة والعذاب ما يضطرهم إلى الإيمان به؛ فيكون إيمانهم إيمان اضطرار لا اختيار.
ويشبه أن تكون [الأخبار] التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا تقبل التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها، وبعد خروج الدجال ودابة الأرض، أي: لا يثابون على طاعتهم، وإلا فمن البعيد أن يدعوا إلى الإيمان والطاعات، ثم إذا أتوا بها لم تقبل منهم، لكنه يحتمل ما ذكرنا [بألا]: لا يثابوا على ذلك، ويعاقبوا ما كان منهم [من] الكفر وكفران النعم؛ لأن جهة وجوب الثواب إفضال وإحسان، وفي الحكمة ترك الإفضال بالثواب في الطاعات إذا كان من الله - عز وجل - من النعم ما يكون ذلك شكراً له، والعقاب على الكفر مما توجبه الحكمة؛ لذلك كان ما ذكرنا [واحداً]؛ [ولهذا] يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حيث قال: لا ثواب للجن على طاعتهم؛ لأن طريق وجوبه الإفضال ولم يذكر [لهم] ذلك، ويعاقبون بما كان منهم من الكفران والإجرام؛ لما ذكرنا من المعنى الذي وصفنا، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا}.
عند معاينة العذاب والبأس والآيات؛ إذا لم تكن آمنت من قبل.
وقوله - عز وجل -: {أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً}.
أي: لا ينفع ذا إلا بذا: إذا عملت خيراً ولم تكن آمنت لا ينفعها ذلك، ولم ينفعها إيمان عند معاينة العذاب والآيات، إذا لم تكن كسبت قبل ذلك خيراً.
وقيل: قوله: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً}، أي: لا ينفع نفساً إيمانها إذا لم تعزم ألا ترتد ولا ترجع عنه أبداً.
وقيل: {لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ}، أي: لا ينفع نفساً إيمانها، [{أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً} أي:] وكسبت في تصديقها التعظيم لله والإجلال؛ فعند ذلك تنفع صاحبها؛ لأنه لا كل تصديق يكون فيه التعظيم له والإجلال [ينفي التعظيم والإجلال] إذا لم يكن من التعظيم له.
وقيل: {أَوْ كَسَبَتْ فِيۤ إِيمَٰنِهَا خَيْراً}، أي: لم تكن عملت في تصديقها خيراً قبل معاينة الآيات.
وقوله - عز وجل -: {قُلِ ٱنتَظِرُوۤاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ}، هو يخرج على الوعيد، أي: انتظروا إحدى هذه الثلاث التي ذكرنا؛ فإنا منتظرون، وهو كقوله:
{ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ } [الطور: 31]، وانتظروا العذاب؛ فإنا منتظرون بكم ذلك.