التفاسير

< >
عرض

إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ
٩٥
فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ
٩٦
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
٩٧
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ
٩٨
وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٩٩
-الأنعام

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}.
قيل: فالق الحب والنوى كما قال الله - تعالى -:
{ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } [الأنعام: 14]؛ وكقوله تعالى: { قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ } [الإسراء: 51] أي: خلقكم يخبر أنه خالق الحب والنوى، خص الحب [والنوى] بالذكر لما منهما خلق جميع ما في الدنيا من الأنزال والحبوب؛ كقوله تعالى: { خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } [النساء: 1] منذ ما خلق ما في الدنيا من البشر، فأضاف ذلك إليه؛ فعلى ذلك لما خلق هذه الأنزال كلها من الحب والنوى، ومنها أخرج، أضاف إليها ذلك، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون ليس بإخبار عن ابتداء إنشاء، ولكن إخبار عن لطفه.
والفلق: هو الشق، يخبر أنه يشق النواة مع شدتها وصلابتها، ويخرج منها نبتاً أخضر ليناً، ما لو اجتمع كل الخلائق على إنفاذه وإخراج مثله من غير أذى يصيب ذلك النبت ما قدروا عليه، يخبر عن لطفه وقدرته، أي: من قدر على هذا لقادر على إعادة الخلق وبعثهم بعد إماتتهم وإفنائهم، وإن لم يبق لهم أثر؛ كما قدر على هذا، يعرفهم قدرته أنها غير مقدرة بقدرة الخلق وبقوتهم، بل خارجة عن قوتهم؛ لأن قوته وقدرته ذاتية أزلية بلا سبب، وقوتهم وقدرتهم بأسباب؛ وكذلك ما يشق من الورق الضعيف اللين الشجر والنخل مع شدته وصلابته، ما لو اجتمع الخلائق كلهم على شق ذلك الشجر بذلك الورق مع لينه ما قدروا عليه، يعرفهم لطفه وقدرته أنه لا يعجزه شيء.
وفيه أن ذلك فعل واحد؛ لأنه لو كان فعل عدد لكان إذا أراد هذا شقه منع الآخر عن ذلك.
وفيه أنه على تدبير خرج لا جزافاً؛ حيث اتفق ذلك في كل عام على قدر واحد.
وقوله - عز وجل -: {يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَيِّ}.
إن الحب والنوى التي ذكر ميت، فيخرج منهما النبات الأخضر حيّاً، ثم يميت ذلك ويخرج منه حباً ونوى.
وفيه دلالة البعث بعد الموت؛ يقول: إن الذي قدر على إخراج النبات الأخضر الحي من حبة ميتة أو نواة ميتة، وليس فيها من أثر ذلك الحي شيء - لقادر أن يبعثهم ويحييهم بعد الموت، وإن لم يبق من أثر الحياة شيء، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.
وقوله - عز وجل -: {ذٰلِكُمُ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.
أي: ذلكم الذي يفعل ذلك هو الله - تعالى - لا الأصنام التي تعبدونها وأشركتم في عبادتكم لله وألوهيته [أي]، أيُّ حجة تصرفكم عما ذكر؟ أي: لا حجة لكم في صرف الألوهية عنه إلى غيره، ولا صرف العبادة إلى الأصنام.
وقوله - عز وجل -: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}.
قيل: فأني تصرفون عما ذكر من دلالات وحدانيته وألوهيته وربوبيته.
والإفك: هو الصرف في اللغة؛ كقوله:
{ قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } [الأحقاف: 22] [أي:] لتصرفنا. وقيل: تؤفكون: تكذبون، أي: ما الذي حملكم على الكذب؟ والكذب والصرف واحد في الحقيقة؛ لأن الكذب هو صرف قول الحق إلى الباطل، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ}.
هو يحتمل الوجهين اللذين ذكرتهما في قوله: {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ}: خبر عن ابتداء خلقه.
ويحتمل الشق، أي: يشق النهار من الليل، والليل من النهار بعد ما تلف كل واحد منهما [حتى] لم يبق له أثر، ففيه دليل البعث والإحياء بعد الموت، أي: أن الذي قدر على إنشاء النهار من الليل والليل من النهار بعد ما تلف وذهب أثره - لقادر على إنشاء الخلق، وبعثهم بعد الموت وذهاب آثارهم.
وقوله - عز وجل -: {وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً}.
جعل الله الليل سكناً وراحة للخلق، والنهار معاشاً لهم يعيشون فيه، وجعلهما آيتين من آيات ربوبيته ووحدانيته مسخرين، يغلبان الخلائق ويقهرانهم، ويكونون تحت سلطانهما ويجريان على سنن واحد؛ [ومجرى واحد] دل أن لهما مدبراً خالقاً عليما، ولو كانا يجريان بطباعهما لكان يختلف جريانهما، ولم يتسق، فدل اتساقهما وجريانهما مجرى واحداً أن لغير فيهما تدبيرا؛ وكذلك الشمس والقمر جعلهما مسخرين لمنافع الخلق؛ لنضج الأنزال وينعها، ولمعرفة عدد الأيام والشهور والسنين، ويجريان مجرى واحداً ومسلكاً واحداً غير مختلف؛ دلّ ذلك أنهما كانا بمدبر عليم حكيم.
وفي قوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً} دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأن الإصباح هو فعل الخلق؛ لأنه مصدر أصبح، وكذلك السكن هو فعل الخلق، ثم أضاف ذلك كله إلى نفسه؛ دل أنه خالق أفعالهم.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَاناً}
اختلف فيه؛ قال أبو عبيد: هو من الحساب، وهو جمع حساب، [يقال: حساب وحسبان]؛ مثل: شهاب وشهبان؛ وهو كقوله:
{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ } [يونس: 5]. وقيل: حسباناً، أي: جريانا، يجريان ويدوران أبداً لا يستريحان؛ دل أنهما كانا بغير مسخرين للخلق؛ لأنهما لو كانا بطباعهما لكانا يستريحان. وقيل: حسباناً، أي: ضياء؛ كقوله: { جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً } [يونس: 5]، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: {ذٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}.
أي: ذلك الجريان الذي ذكر، أو تلك المنافع التي جعلت فيها تقدير العزيز [العليم].
قال الحسن: العزيز: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز: هو الذي [به] يعز كل عزيز.
وقال بعض أهل التأويل: العزيز: المنيع في سلطانه، المنتقم من أعدائه، العليم بمصالح الخلق وبما كان ويكون وبحوائجهم، وبالله التوفيق.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}.
والمراد منه: الظلمات، وذكر في قوله:
{ قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } [الأنعام: 63] وأراد بالظلمات: الشدائد والأهوال التي تصيبهم.
ألا ترى أنه قال:
{ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } [الأنعام: 63] عند الشدائد والأهوال كانوا يدعون ربهم تضرعاً وخفية، على ما ذكرهم هاهنا عظيم سلطانه وقدرته لما يدفع عنهم الشدائد [وينجيهم من] الأهوال التي تنزل بهم، فالدافع عنهم ذلك هو لا الأصنام التي يعبدون [من] دون الله ويشركونها في عبادته.
ويذكر في قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ} عظيم ما أنعم عليهم بما جعل لهم من السماء نجوماً ليهتدوا بها للطرق والمسالك في البحار والبراري عند اشتباهها عليهم.
وفيه دليل وحدانية الرب وتدبيره وحكمته؛ لأنه جعل في السماء أدلة يهتدون بها، ويستدلون على معرفة الطرق مع بعد ما بينهما من المسافة، وتسوية أسباب الأرض بأسباب السماء، وتعلق منافع بعضها ببعض؛ ليعلموا أنه كان بواحد مدبر عليم حكيم؛ إذ لو كان بعدد أو بمن لا تدبير له ولا حكمة، لم يحتمل ذلك، ولم يتسق ما ذكرنا؛ دل أنه كان بالواحد العليم الحكيم، مع علمهم أن الأصنام التي يعبدونها وأشركوها في عبادته لا يقدرون على ذلك، لكنهم يعبدونها ويشركونها في ألوهيته سفهاً منهم وعناداً، وبالله العصمة والتوفيق.
وفي قوله: {فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ} [الأنعام: 95]، وقوله: {فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ} [الأنعام: 96]، وقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا}، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم ويجعل السعي له.
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء.
و [فيه] تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.
وقوله - عز وجل -: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ}: [قيل: صرفنا الآيات]، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.
وقيل: {قَدْ فَصَّلْنَا ٱلآيَٰتِ} [قد] بينا الآيات {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ} [الأنعام: 98].
فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء؛ إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء.
وقوله - عز وجل -: {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} [الأنعام: 98].
قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبداً في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبداً في شر، ومستودع في أجله، ينتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.
وقيل: مستقر في الدنيا. ويشبه أن يكون مستقر ومستودع في كل حال وكل وقت مستقر (في) [أرحام النساء ومستودع في أصلاب الرجال، وهو قول عامة أهل التأويل، وقيل مستقر في القبر، ومستودع في الدنيا، ويشبه أن يكون {فَمُسْتَقَرٌّ}] في حال القيام حتى ينتقل إلى حال أخرى، {وَمُسْتَوْدَعٌ} [لما هو على شرف الانتقال إلى أخرى. وجائز أن يكون قوله {فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ}: مستقر] في الآخرة بالجزاء لأعمالهم التي عملوا، ومستودع في الدنيا.
ويحتمل: مستقر بالليالي، ومستودع بالنهار، والأول لبني آدم خاصة.
ثم قوله - عز وجل -: {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}، {لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ} الفقه هو معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، والعلم ما يعرف نفسه؛ ولهذا لا يقال: الله فقيه، ويقال: عالم؛ لأنه عالم بالأشياء [بذاته لا] بأغيارها ونظائرها، [والفقيه: هو الذي يعرف الأشياء بأغيارها ونظائرها ودلائلها].
وقوله - عز وجل -: {وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 99].
يذكرهم عز وجل عظيم منته بما ينزل من السماء من الماء، ويخرج به نبات كل شيء؛ كما ذكرهم من النعم بما جعل لهم من [الشمس والنجوم؛ ليهتدوا] بها في الظلمات واشتباه الطريق، وما جعل الليل للسكون والراحة، والنهار للمعاش والتقلب، وما جعل لهم من الشمس والقمر، وجعل لهم فيهما من المنافع من نضج الأنزال والزروع وينعهما ومعرفة عدد السنين والحساب والآجال التي يجعلون للعقود، وغير ذلك من النعم التي أنعمها عليهم؛ لئلا يرجعوا شكر هذه النعم إلى غيره، ولا يتخذوا إلهاً سواه، وقد ذكرنا أن سورة الأنعام نزل أكثرها في محاجة أهل الشرك في إثبات الوحدانية له والألوهية لله، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات البعث بعد الموت؛ لأنهم كانوا ينكرون ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}.
يحتمل قوله: {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ}] ما بالخلق حاجة إليه؛ ليعلم أن كل ما يخرج في الأرض أصله من الماء به ينبت [مما يكون غذاء] البشر وغذاء الحيوان كلهم والطيور؛ كقوله:
{ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } [الأنبياء: 30] يذكرهم عظيم ما جعل لهم في الماء من المنافع، على ما أخبر أنه به يخرج نبات كل شيء، وبه حياة كل شيء، [ثم] من الأوقات ما لو نزل من السماء ماء لم يُنبت؛ دل أنه إنما ينبت بتدبير غير لا بالماء.
وقوله - عز وجل -: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً}.
قيل: به يخرج أول ما يخرج خضرا يكون ابتداء كل نبت أخضر، ثم يتحول إلى لون آخر، ومنهم من قال: به يعني بالماء وهو ما يبقى أخضر لولا الماء وإلا يبس وتغير عن حال ابتدائه.
وقوله - عز وجل -: {نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً} يخبر عن لطفه وصنعه بما يخرج من الحب متراكباً بعضه على بعض، ما لو اجتمع الخلائق كلهم لم يقدروا على تركيب مثله؛ ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعا.
وفيه دلالة أنه قد ينشيء الأشياء من لا شيء ولا سبب، وإن كان قد أنشأ بعضها بأسباب؛ نحو أن أخرج [من الحبة والنواة نباتاً أخضر، ولم يكن في الحب نبات ثم أخرج] من ذلك النبات الأخضر حبوباً، ولم تكن الحبوب في النبات؛ ليعلموا أنه قادر على إنشاء الأشياء لا من شيء ولا سبب.
وفيه نقض قول الدهرية في كون الأشياء في شيء واحد كما هي؛ لأنه لا يحتمل [أن يكون] عشرة آلاف نواة أو حبة [في] نواة واحدة أو في حبّة واحدة، أو تكون الشجرة مع طولها وغلظها وعظمها في نواة أو حبة.
وقوله - عز وجل -: {وَمِنَ ٱلنَّخْلِ}.
أي: يخرج من النخل طلعها بالماء، وفيه من عظيم لطفه وتدبيره أن جعل النخيل والأشجار تتشرب بعروقها الماء، ثم ينتشر [ذلك] في أصلها إلى أغصانها، ثم يخرج منه ويظهر خضراً؛ ليعلم عظيم تدبيره ولطفه.
وقوله - عز وجل -: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}.
قيل: القنوان: العروق يكون فيها التمر والثمار، واحدها: قنو.
وقوله - عز وجل -: {دَانِيَةٌ}: قال الحسن: دانية بعضها إلى بعض مجتمعة غير متفرقة، على ما يكون من الأعناب والثمر والحبوب، فإن كان هذا فهو في الكل.
وقال بعضهم: دانية: قريبة ملتزقة بالأرض، يناله القائم والقاعد جميعاً.
وعن ابن عباس: {قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ}: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض.
وقوله - عز وجل -: {وَجَنَّٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ}.
أي: أخرج بالماء جنات وكروما.
{وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ} قيل: أخرج بالماء - أيضاً - الزيتون والرمان [وقال بعضهم: (الزيتون والرمان)] {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ} أي: يشبه ورق الزيتون في المنظر ورق الرمان. {وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍ}: ثمرتها في اللون والطعم، ولكن هو على الكل على كل الثمار، ولا يشبه بعضها بعضاً: منها ما يشبه ساق هذا بساق آخر والثمار والحبوب مختلف. ومنها ما يشبه في اللون، والطعم مختلف. ومنها ما يشبه في الطعم، واللون مختلف. ليعلموا أن لغير في ذلك تدبيرا وصنعاً لطيفاً لم يكن كذلك بالماء؛ لأنه لو كان كذلك بالماء لكان لا يختلف كل هذا الاختلاف في اللون والطعم والساق والورق؛ دل أنه كان كذلك لغير - عليم مدبر حكيم - أنشأه على ما أراد بلطفه.
وقوله - عز وجل -: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}: يحتمل الأمر بالنظر وجوهاً؛ أي [يحتمل]: انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أي: كيف يقلبها، ويحولها من حال إلى حال، ومن لون إلى لون، وأنه يخرج في ساعة لطيفة ما لو اجتمع الخلائق على تقديره ومعرفته أي كم خرج [وأي مقدار] خرج لم يقدروا عليه؛ ليعلموا أنه قادر على إحياء الخلق بمرة واحدة.
وفي إنزال المطر من السماء مع بعدها آية عجيبة وحكمة بالغة، وهو أن ينزله واحداً [واحداً] حتى لا يختلط بعضه ببعض مع كثرة المطر وازدحامه وبعد السماء ما لو اجتمع الخلائق على حفظ مثله ما قدروا عليه [دل] أنه كان بمدبر عليم حكيم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ فِي ذٰلِكُمْ لأَيَٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99].
قد ذكرنا أنها تصير آيات لمن صدق بها وآمن، وأما من عاند وكابر ولم يتأمل فيها لم يفهم [ما فيها] من عجيب آياته وعظيم منته.
وفي قوله: {ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ} وجهان آخران من الحكمة:
[أحدهما]: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر أنه أول ما يخرج يخرج على لون واحد وعلى قدر واحد وعلى طعم واحد، ثم يختلف ألوانها وطعمها وتتفاوت أقدارها؛ ليعلموا أنه كان بتدبير واحد عليم حكيم قادر على خلق الأشياء بلا سبب؛ لأنه لو كان كذلك بسبب لا بتدبير فيه كان سبب هذا كله واحداً، فيجيء أن يخرج كله على سنن واحد؛ دل أنه خالق بذاته لا بسبب.
والثاني: أن انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه أنه جعل ما يطيب منه للبشر، وعلمهم أسبابا يتخذون بها الطيبات من ذلك من نحو النضج والطبخ وغيره، وجعل لغيرهم من الحيوان كما هو خارج من الأرض؛ ليعلموا أن غيرهم من الحيوان والدواب إنما جعلهم لمنافع البشر مسخرين لهم، وأن البشر هم المقصودون في خلق الأشياء كلها، وبالله الحول والقوة، وله المنة والفضل.