التفاسير

< >
عرض

وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ
١٤٢
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ
١٤٣
قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ
١٤٤
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}.
ذكر ههنا ثلاثين ليلة ثم ذكر التمام بالعشر، وذكر في السورة التي [فيها] ذكر البقرة أربعين ليلة بقوله:
{ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } [البقرة: 51]، وهو واحد كان الميعاد له أربعين ليلة، لكن يحتمل ذكر ثلاثين مرة وعشراً وجهين:
أحدهما: أن ثلاثين ليلة كان لأمر وعشراً لأمر آخر، فذُكِرَت متفرقة لما كان الأمرين مختلفين.
والثاني: أنه كان في وقتين، كان هذا في وقت والآخر في وقت، والقصّة واحدة، والميعاد واحد، فذكر التمام بعشر؛ كقوله:
{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } [البقرة: 196]، وإن كانت في وقتين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}.
قيل: [تم] الميعاد الذي وُعِدَ له أربعين ليلة.
وقوله - عز وجل -: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}.
فإن قيل: ما معنى قول موسى لأخيه هارون: {ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}، وهو كان مبعوثاً معه، رسولان إلى فرعون مشتركان في تبليغ الرسالة [إلى فرعون] بقوله:
{ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } [طه: 23]، وقوله: { إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [الشعراء: 16] وقوله: { فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ } [طه: 47]، وقوله: { وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي } [القصص: 34] فإذا كان هو رسولاً كموسى في تبليغ الرسالة، كيف احتاج إلى أن يقول موسى: اخلفني في قومي وهما - شرعاً - سواء في الرسالة؟
قيل: يحتمل هذا وجهين:
[يحتمل] أن يكونا كما ذكر رسولين، لكن من ولى اثنين أمراً لم يكن لواحد منهما أن ينفرد به إلا بأمر الآخر، فعلى هذا كأنه قال له: اخلفني في الحكم بينهم، وأصلح ذات بينهم، ولا تتبع من دعاك إلى سبيل المفسدين.
أو يحتمل أن يكون موسى كان هو الرسول أولاً وكان إليه الحكم، وهارون كان دخيلاً في أمره ردءاً له على ما قال:
{ فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي } [القصص: 34] ولأن موسى كان هو المأمور بها أولاً والمبعوث إليهم دونه.
ألا ترى أنه كان هو المناجي ربه دون هارون، وكان هو المعطي الألواح دون هارون؛ كقوله:
{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ } [الأعراف: 145]، وهو الذي قال: { إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً } [طه: 10]، وهو الذي نودي بالبركة دون هارون، وغير ذلك من الآيات، فإذا كان كذلك استخلفه موسى في قومه.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا}. أي: لميعادنا الذي وعدناه.
{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}.
لا يجوز لنا أن نصف كيفية الكلام وماهيته، سوى أنه أنشأ كلاماً وصوتاً أسمعه موسى كيف شاء بما شاء بكلام مخلوق وصوت مخلوق.
{قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي...} الآية [الاعراف: 143].
قال قائلون: إن موسى لم يسأل ربَّه الرؤية لنفسه، ولكن سأل لقومه لسؤال القوم له؛ كقوله:
{ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } [البقرة: 55]، لكن هذا بعيد؛ لأنه لو كان سؤاله إياه لسؤال قومه، لكان لا يقول: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}، ولكن يقول: أرهم ينظرون إليك، فدل أنه لم يكن لذلك.
وقال قائلون: لم يكن سؤال ربه رؤية الرب، ولكن سأل ربه رؤية الآيات والأعلام والأدلة التي بها يُرَى، وذلك جائز سؤال الرؤية: سؤال رؤية الآيات والأعلام، وذلك أيضاً بعيد؛ لأنه قد أعطاه من الآيات والأعلام ما لم يكن له الحاجة إلى غيرها من الآيات؛ من نحو: العصا التي كان يضرب بها الحجر فَتَفْجُرُ منه اثنتي عشرة عيناً، وما كان من فرق البحر وإهلاك العدو، واليد البيضاء، وغير ذلك من الآيات، فإذا بطل ذلك، دل أنه سأل حقيقة الرؤية، والقول بها لازم عندنا في الآخرة، وحق من غير إدراك ولا تفسير، والدليل على ذلك قوله:
{ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ } [الأنعام: 103]، ولو كان لا يرى لم يكن لنفي الإدراك حكمة؛ إذ لا يدرك غيره بغير الرؤية، فمع نفي الإدراك وغيره من الخلق لا يدرك إلا بالرؤية لا معنى له، والله الموفق.
وأيضاً قول موسى: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ...} الآية ولو كان لا يجوز الرؤية لكان منه جهل بربه، ومن يجهله لا يحتمل أن يكون موضعاً لرسالته، أميناً على وحيه.
وبعد فإنه لم ينهه ولا آيسه، وبدون ذلك قد نهى نوحاً وعاتب آدم وغيره من الرسل، وذلك لو كان لا يجوز لبلغ الكفر ثم قال: فإن استقر مكانه فسوف تراني.
فإن قيل: لعله سأل آية ليعلم بها؟
قيل: لا يحتمل ذا؛ لوجوه:
أحدها: أنه قال: {لَن تَرَانِي}، وقد أراه الآية.
وأيضاً أن طلب الآيات يخرج مخرج التعنت؛ إذ قد أراه الآيات على ما ذكرنا، وذلك صنيع الكفرة أنهم لا يزالون يطلبون الآيات، وإن كانت الكفاية قد [ثبتت] لهم فمثله ذلك أيضاً.
وأيضاً إنه قال: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي...} [و] الآية التي يستقر معها الجبل [هي] دون التي لا يستقر معها؛ ثبت أنه لم يرد بذلك الآية.
وأيضاً محاجة إبراهيم - عليه السلام - قومه في النجوم وما ذكر بالأفول والغيبة، ولم يحاجهم بألاّ يحب ربّاً يرى، ولكن حاجهم بألا أحب ربّاً يأفل؛ إذ هو دليل عدم الدوام، ولا قوة إلا بالله.
وأيضاً قوله:
{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 22- 23]، ثم لا يحتمل ذلك الانتظار؛ لوجوه:
أحدها: أن الآخرة ليست بوقت للانتظار، إنما هي الدنيا، وهي دار الوقوع والجود إلا في وقت الفزع، وقيل: أن يعاينوا في أنفسهم ما له حق الوقوع.
والثاني: قوله:
{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } [القيامة: 22]: وذلك وقوع الثواب.
والثالث: قوله:
{ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 23]: وإلى حرف يستعمل في النظر إلى الشيء لا في الانتظار.
والرابع: أن القول به يخرج مخرج البشارة لعظيم ما نالوه من النعم، والانتظار ليس منه، مع ما كان الصرف عن حقيقة المفهوم قضاء على الله، فيلزم القول بالنظر إلى الله، كما قال على نفي جميع معاني الشبه عن الله سبحانه على ما أضيف إليه من الكلام والفعل والقدرة والإرادة أن يجب الوصف به على نفي جميع معاني الشبه،
وكذلك القول بالهيئة، فمن زعم أن الله تعالى لا يقدر أن يكرم أحداً بالرؤية، فهو يقدر في الرؤية التي فهمها من الخلق، وإذا كان القول بـ
{ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ } [طه: 5] وغير ذلك من الآيات لا يجوز دفعها بالعرض على المفهوم من الخلق، بل يحقق ذلك على نفي الشبه، فمثله خبر الرؤية.
وأيضاً قوله:
{ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26]، وجاء في غير خبر النظر إلى الله، وقد يحتمل غير ذلك ممّا جاء فيه التفسير، لكنه لولا أن القول بالرؤية كان أمراً ظاهراً، لم يحتمل صرف ظاهر لم يجيء فيها إليها ويدفع به الخبر، والله أعلم.
وأيضاً ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير خبر أنه قال
"[إنكم] سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون" ، وسئل: "هل رأيت ربك؟ فقال: بقلبي قلبي" ، فلم ينكر على السائل السؤال، وقد علم السائل [أن] رؤية القلب إذ هي علم قد علمه، وأنه لم يسأل عن ذلك، وقد حذر الله المؤمنين [عن السؤال] عن أشياء قد كفوا عنها بقوله: { لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ } [المائدة: 101]، فكيف يحتمل أن يكون السؤال عن مثله يجيء، وذلك كفر في الحقيقة عند قوم، ثم لا ينهاهم عن ذلك ولا يوبخهم في ذلك، بل يليق القول في ذلك، ويرى أن ذلك ليس ببديع، والله الموفق.
وأيضاً: إن الله وعد أن يجزي أحسن مما عملوا به في الدنيا، ولا شيء أحسن من التوحيد، وأرفع قدراً من الإيمان به؛ إذ هو المستحسن بالعقول والثواب الموعود من جوهر الجنة، حسنة حسن الطبع، وذلك دون حسن العقل؛ إذ لا يجوز أن يكون شيء حسناً في العقول لا يستحسنه ذو عقل، وجائز ما استحسنه الطبع طبعاً لا يتلذذ به كطبع الملائكة، ومثله في العقوبة؛ لذلك لزم القول بالرؤية لتكون كرامة تبلغ في الجلالة ما أكرموا به، وهو أن يصير لهم المعبود بالغيب شهوداً كما صار المطلوب من الثواب حضوراً، ولا قوة إلا بالله.
ولا يحتمل العلم؛ لأن كلاًّ يجمع على العلم بالله في الآخرة العلم الذي لا يعتريه الوسواس، وذلك علم العيان لا علم الاستدلال، وكثرة الآيات لا تحقق علم الحق الذي لا يعتريه ذلك، دليله قوله:
{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ... } [الأنعام: 111] الآية، وما ذكر من استعانة الكفرة بالكذب في الآخرة وإنكار الرسل [عليهم]، وقولهم: { لَمْ يَلْبَثُوۤاْ إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ } [الأحقاف: 35]، وغير ذلك.
وبعدُ، فإنه إذ لا يجوز أن يصير علم العيان بحق علم الاستدلال، لم يجز أن يصير علم الاستدلال بحق علم العيان، فثبت أن الرؤية توجب ذلك.
وبعدُ، فإن في ذلك العلم يستوي الكافر والمؤمن والبشارة بالرؤية خُصَّ بها المؤمن، ولا قوة إلا بالله.
ولا نقول بالإدراك؛ لقوله:
{ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ } [الأنعام: 103]؛ فقد امتدح بنفي الإدراك لا بنفي الرؤية، وهو كقوله: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } [طه: 110]، كان في ذلك إيجاب العلم، ونفي الإحاطة، فمثله في حق الإدراك، وبالله التوفيق.
وأيضاً إن الإدراك إنما هو الإحاطة بالمحدود، والله يتعالى عن وصف الحدِّ؛ إذ هو نهاية وتقصير عما هو أعلى منه على أنه واحدي الذات، والحدُّ وصف المتصل الأجزاء حتى ينقضي مع إحالة القول بالحد؛ إذ كان كل ما يحد أو به يحد، فهو على ذلك لا يتغير، على أن لكل شيء حدّاً يدرك سبيله نحو الطعم واللون والذوق والحد، وغير ذلك من الحدود وخاصية الأشياء، جعل الله لكل شيء من ذلك وجهاً يدرك ويحاط به، حتى العقول والأعراض، وأخبر الله تعالى أنه ليس بذي حدود وجهات من طرق إدراكه بالأسباب الموضوعة لتلك الجهات، وعلى ذلك القول بالرؤية والعلم جميعاً، ولا قوة إلا بالله.
وبعدُ، فإن القول بالرؤية يقع على وجوه لا يعلم حقيقة كل وجه من ذلك إلا بالعلم بذلك الوجه حتى إذا عبر عنه بالرؤية صرف إلى ذلك، وما لا يعرف له الوجه بدون ذكر الرؤية لزم الوقف في ماهيتها على تحقيقها.
وأما الإدراك: فإنما هو معنى الوقوف على حدود الشيء.
ألا ترى أن الظل في التحقيق يُرَى، لكنه لا يدرك إلا بالشمس، وإلا كان مرئيّاً على ما يرى لوقت نسخ الشمس، ولكن لا يدرك بالرؤية إلا بما يتبين له الحد، وكذلك ضوء النهار يرى لكن حده لا يعرف بذاته، وكذلك الظلمة؛ لأن طرفها لا يرى فيدرك ويحاط به، وبالحدود يدرك الشيء، وإن كان يرى لا بها؛ ولذلك ضرب المثل بالقمر، لأنه لا يعرف حده ولا سعته ليوقف ويحاط به ويرى بيقين، ولا قوة إلا بالله.
والأصل فيه القول بذلك على قدر ما جاء، ونفي كل معنى من الخلق، ولا يفسر بما لم يجيء، والله الموفق.
ثم زعم الكعبي أن الغائب إذا لم يخرج عن الوجوه التي بها يعلم، فكذلك لا يرى إلا بالوجوه التي بها يرى من المباينة للمدى، ولما حل فيه المرئي بالمسافة والمقابلة واتصال الهواء والصغر وعدم الصغر والبعد، ولو جازت الرؤية بخلاف هذه لجاز العلم به.
وقال الشيخ -رحمه الله -: وهذا خطأ؛ لأنه قدر برؤية جوهره، وقد علم أن غير جوهره جوهر يرون من الوجه الذي لا يقدر على الإحاطة بجوهره فضلاً عن إدراكه ببصره؛ نحو الملائكة والجن وغيرهم ممّا يروننا من حيث لا نراهم، والجثة الصغيرة نحو البق، ونحو ذلك مما يرى لنا لو توهم مثل ذلك البصر لما احتمل الإدراك، ويرى الملك الذي يكتب جميع أفعالنا، ويسمع جميع أقوالنا على ما لو أردنا تقدير ذلك بما عليه جبلنا للزم إنكار ذلك كله، وذلك عظيم، وكذلك ما ذكر من نطق الجلود، وغيرها مما لو امتحن بمثلها أمر الشاهد لوجد عظيماً.
وبعدُ، فإنه في الشاهد يفصل بين البصرين في الرؤية والتمييز على قدر تفاوتهما بما اعتراهما من الحجب، مما لو قابل أحدهما حال الآخر على حاله وجده مستنكراً، وإذا كان كذلك بطل التقدير بالذي ذكر، والله الموفق.
وأيضاً: إنه في الشاهد بكل أسباب العلم لا يعلم غير العرض والجسم، ثم جائز العلم بالغائب خارجاً منه، فمثله الرؤية.
والثالث: ما ذكرنا من رؤية الظل والظلمة والنور من غير شيء من تلك الوجوه.
والرابع: أنه قد يجوز وجود تلك المعاني كلها مع عدم الرؤية، إما بالحجب أو بالجوهر، فجاز تحقيق الرؤية على نفي تلك المعاني نحو ما أجيب القائل بالجسم عند معارضته بالفاعل والعالم؛ إذ وجد جسم لا كذلك، فيجوز وجود ذلك ولا جسم، فمثله في الرؤية على أن البعد الذي يحجبنا الرؤية يجوز أن يبلغه بصر غيرنا، فصار ارتفاع الرؤية بالحجاب، فإذا ارتفع جاز، ولا قوة إلا بالله.
وبعدُ، فإن الذي يقوله تقدير برؤية الأجسام، ولم يمتحن بصره بغير الأجسام والأعراض؛ إذ كيف سبيل الرؤية له.
وبعد، فإن كل جسم يرى، وإن كانت الدقة والبعد يحجبان فيجوز ارتفاعهما عن بصر غير فيرى على ما يرى ملك الموت مَنْ بأطراف الأرض ووسطها مما لو اعتبر ذلك ببصر البشر، لما احتمل الإدراك، فثبت أن الذي قدر به ليس هو سبب تعريف ما يبصره، ولكن بسبب تعريف ما يحجب به البصر، فإذا ارتفع رأى مع ما كان المنفي رؤيته لذاته عرض، وإلا فكل جسم يرى، فإن لزم إنكار الرؤية لما ليس بجسم أو لما لا يرى إلا بما ذكر للزم الإقرار به؛ لأن الذي لا يرى لذاته هو العرض، وإلا فكل غير يرى، ولا قوة إلا بالله.
وعورض بأمر الدنيا ومحال العرض بذلك لا تسقط المحنة وترفع الكلفة والدنيا هي لهما.
ثم ذكر في أمر موسى أن ذلك على علم الإحاطة بالآيات، وقد بيّنا فساد ذلك، وما ذلك العلم بالذي يسأل وهو رسول بعث إلى ما به نجاة الخلق، وذلك لا يكون بغير الممتحن؛ إذ هو تبليغ الرسالة والدعاء إلى العبادة وهي محنة، بل سأل الرؤية؛ ليجل قدره [و] ليعرف عظيم محله عند الله، أو أن يكون الله أمره به؛ ليعلم الخلق جواز ذلك، وبالله التوفيق.
ثم استدل بأنه لم ير من يعقل إنما أُري الجبل والجبل لا يعقل ليعلمه وليراه، فيقال له: ولو كانت الآية فالجبل لا يراها ولا يعقل، وإذا كان كذلك فالآية إذا صار اندكاك الجبل وانشقاقه لا أن أراه الآية يستدل بها، وفي هذا آية قد أرى موسى الآية، وهو اندكاك الجبل، والله يقول: {لَن تَرَانِي}، وحملته على الآية، وقد رآها، ولا قوة إلا بالله.
فإن قيل: ما معنى توبته لو كان سؤاله على الأمر؟
قيل: على العادة في الخلق من يحدثه عند الأهوال بلا حدوث ذنب، أو لما رأى من جلال الله وعظمته فزع إلى التوبة وإحداث الإيمان به، وإن لم يكن ما يوجب ذلك، وذلك متعارف في الخلق.
ويحتمل أن يكون قوله: {لَن تَرَانِي} كان عنده جواز الرؤية في الشاهد، واحتمال وسعه ذلك بما وعد الله في الآخرة فرجع عما كان عنده، وآمن بالذي قال: {لَن تَرَانِي}، وإن كان في الأصل إيمانه داخلاً على نحو إحداث المؤمنين الإيمان بكل آية تنزل، وبكل فريضة تتجدد، وإن كانوا في الجملة مؤمنين بالكل، والله الموفق.
وقد بيّنا ما قالوا في قوله:
{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [القيامة: 22-23]، والأصل في الكلام أنه إذا كان على أمر معهود، أو يقرن به المقصود إليه صرف عن حقيقته، وإلا لا، وذلك نحو قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ } [الفرقان: 45]، وألم تر كيف فعل ربك.
وأصله: أن من قال: رأيت فلاناً، أو نظرت إلى فلان، لم يحتمل غير ذاته، وإذا قال: رأيته يقول كذا، ويفعل كذا، أنه لا يريد به رؤية ذاته، فمثله أمر قصة موسى، وهذه الآية.
وروي عن ضرار بن عمرو أنه أتى البصرة، فقال: يا أهل البصرة، إما أن كان موسى مشبهاً، وإما أن كان الله يُرَى؛ لأنه لو كان بالذي لا يرى فسأل ربّه رؤيته، كان جاهلاً به، مشبهاً خلقه به، فدل أنه يرى.
ثم الأصل أن من تأمل الذي ذكره الكعبي عرف أنه مشبهي المذهب؛ لأنه لم يذكر المعنى الذي له يجب أن تكون الرؤية بتلك الشرائط، إنما أخبر أنه كذلك وجد، وهو قول المشبهة أنه وجد كل فاعل في الشاهد جسماً، وكذا كل عالم، فيجب مثله في الغائب، ثم ذكر معنى رؤية الجسم، ولم يذكر معنى رؤية غير الجسم حتى يكون له دليلاً.
وبعد، فإنه نفي بالدقة والبعد وهما زائلان عن الله تعالى، ثم احتج بامتداح الله تعالى:
{ لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ } [الأنعام: 103]، وقال: لا يجوز أن يزول فمثله عليه في قوله: { خَٰلِقُ كُلِّ شَيْءٍ } [الأنعام: 102] وقوله: { وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [المائدة: 120]، فلا يجوز أن يزول، ثم قد وصف الله بالرؤية على إسقاط ما ذكر، فثبت أن ذلك طريق لا يؤدي عن كنه ما به الرؤية.
فإن قيل: كيف يرى؟
قيل: بلا كيف؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام، وقعود، واتكاء، وتعلق، واتصال، وانفصال، ومقابلة، ومدابرة وقصر، وطول، ونور، وظلمة، وساكن، ومتحرك، ومجانس، ومباين، وخارج، وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم أو يقدره العقل لتعاليه عن ذلك.
وقوله - عز وجل -: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً...} الآية.
قال أبو بكر الأصم: تجلي بالآيات والأعلام التي بها يرى [لا رؤية الذات]، وكذلك قال في قوله: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}: إنه إنما سأل ربه الآيات والأعلام التي [بها] يُرَى لا رؤية الذات، وقد بينا بُعْدَه وإحالته؛ لما قد أعطاه من الآيات والأعلام: [ما فيه] غنية عن غيرها، فلا يحتاج إلى غيرها.
وقال الحسن: إن موسى سأل ربه الرؤية في غير وقت الرؤية، وهو يقر بالرؤية، لكنه يقول: سألها في الدنيا وبنية هذا العالم لا تحتمل ذلك.
ألا ترى أنه قال: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}، أخبر أن الجبل لا يستقر له، فكيف تستقر أنت؟ لكنه ينشيء بنية تحتمل ذلك.
وقال الحسن: لذلك قال موسى: إني {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أن ليس في الدنيا الرؤية، إلى نحو هذا يذهب الحسن، وقد ذكرنا نحن الوجه على قدر ما حضر لنا.
وقال أهل التأويل: قوله: {تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}، أي: ظهر، لكن لا يفهم من ظهوره ما يفهم من ظهور الخلق على ما ذكرنا في قوله:
{ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ } [الأعراف: 54] وقوله: { وَجَآءَ رَبُّكَ } [الفجر: 22] [وغيرهما] من الآيات، لا يقدر استواؤه باستواء الخلق، وكذلك مجيئه، فعلى ذلك ظهوره، وبالله العصمة. وروي أن في التوراة "أنه جاء من طور سيناء، وظهر من جبل ساعور واطلع من جبل فاران" وتأويله جاء وحيه على موسى في طور سيناء، وظهر على عيسى في جبل ساعور، واطلع على محمد في جبل فاران، ثم العجب أن كيف اجترأ موسى بالسؤال بسؤال مثله؟! {أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}، لكنه يحتمل وجوهاً:
أحدها: على الأمر بالسؤال على ذلك؛ ليعلم أنه يرى، ويعتقدوا ذلك.
أو على الظن منه لما رأى أنه أعطاه أشياء لا يكون مثلها في الدنيا إنما يكون في الآخرة، خص بها؛ من نحو انفجار العيون من الحجر من غير مؤنة تكون لهم في ذلك من حفر الأنهار وإصلاحها وأنواع المؤن، ونحو ما أعطاهم من اللباس الذي ينمو ويزداد على قدر قامتهم وطولهم، ومن نحو ما أعطاهم من المن والسلوى على غير مؤنة ولا جهد، وذلك كله وصف الجنة، فلما رأى ذلك ظن أن الرؤية - أيضاً - تكون في الدنيا على ما كان له من أشياء لم يكن مثلها لأحد في الدنيا، أو لمّا رأى أنه سمع كلام ربه، وألقى [على] مسامعه كلامه لا من مكان، ولا من قريب، ولا [من] بعيد، [ولا من أسفل،] ولا من أعلى، ولا من فوق، ولا من تحت، لكنه سمعه بما شاء، وكيف شاء، بلطفه، فعلى [ذلك] ظن أنه يجوز له أن يسأل ربه الرؤية، فيريه، بما شاء كيف شاء بلطفه كما [أسمع كلامه بلطفه لما] ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}.
سمى الله - عز وجل - موسى وسائر الأنبياء - عليهم السلام - بأسماء الجوهر: موسى، وعيسى، ونوح وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، وسمى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم نبيّاً ورسولاً، وذلك يدل على تفضيله، وكذلك سمى سائر الأمم المتقدمة بـ
{ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ } [البقرة: 40] و { يَابَنِيۤ ءَادَمَ } [الأعراف: 31]، وسمى أمة محمد صلى الله عليه وسلم: { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } [البقرة: 104]، وقال: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } [آل عمران: 110] ونحوه، فذلك يدل - أيضاً - على تفضيل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على غيرها من الأمم.
وقوله - عز وجل -: {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}.
كان مصطفى ومفضلاً بالكلام على الناس كافة الأنبياء وغيرهم؛ لأن الله تعالى لم يكلم أحداً من الرسل إلا بسفير سوى موسى؛ فإنه كلمه، ولم يكن بينهما سفير.
وأما قوله: {ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} على أناس زمانه، وأهله خاصة، ويحتمل: برسالاتي التي بين موسى وبين الله تعالى، وهذا ينقض على المعتزلة قولهم: إن الله تعالى لا يرسل رسولاً إلا وهو يستحق الرسالة، ولو كان طريقه الاستحقاق لا الإفضال والإحسان، لم يكن للامتنان معنى، دلّ أن طريقه الإفضال والإحسان لا الاستحقاق، والله أعلم.
وعلى قول المعتزلة لا يكون الله مصطفياً موسى ولا غيره من الأنبياء، ولكن هم الذين اصطفوا أنفسهم].
وقوله - عز وجل -: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} يخرج على وجهين:
أحدهما: القبول، أي: اقبل ما أعطتيك؛ كقوله:
{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } [التوبة: 103].
ويحتمل قوله: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ}، أي: اعمل بما آتيتك بأحسن العمل، وكن من الشاكرين [لنعمته التي أنعمها عليه] من التكليم والرسالة وغيرهما من النعم، والله الموفق.