التفاسير

< >
عرض

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ
١٤٨
وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ
١٤٩
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
١٥٠
قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ
١٥١
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ
١٥٢
وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
١٥٣
-الأعراف

تأويلات أهل السنة

قوله - عز وجل -: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً}.
قوله: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ} كيفية وصف اتخاذ العجل ما ذكر في سورة طه بقوله:
{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ... } [طه: 88] الآية، وصف الله - تعالى - قوم موسى بعضهم بالهداية، والعدالة، واتباع الحق، بقوله: { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف: 159]، وبعضهم وصفهم بالسفاهة، وقلة الفهم والضعف في الدين بقولهم: { ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } [الأعراف: 138]، وقال: ههنا: اتخذوا العجل إلهاً عبدوه، يذكر هذا - والله أعلم - لما لم يعرفوا نعم الله ولم يتفكروا في آياته وحججه، يذكر هذا لنا لننظر في آياته وحججه والتفكر في نعمه، فنؤدي شكرها، ونتدبر في آياته وحججه لنتبعها ولا نضيعها على ما ضيع قوم موسى.
وقوله: {مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد مفارقة موسى قومه.
وقوله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ}، وقال في موضع آخر:
{ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } [طه: 87] وكانت تلك الحلي عارية عندهم من قوم فرعون، بقوله: { أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } [طه: 87] أضاف إلى فرعون، وأضاف هاهنا إلى قوم موسى، بقوله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ} دل أن العارية يجوز أن تنسب إلى المستعير.
وفيه دلالة أن من حلف: لا يدخل دار فلان، فدخل داراً له عارية عنده يحنث.
وقوله: {عِجْلاً جَسَداً}.
قال بعضهم: صورته كانت صورة عجل، ولم يكن عجلاً في جوهره.
وقيل: الجسد هو الذي لا تدبير له، ولا تمييز، ولا بيان؛ لكنه ذكر فيه هنا ما لا يحتاج إلى هذا، وهو قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} لكنه كأنه قال: عجلاً له جسد يذكر سفههم أنهم عبدوا من لا تدبير له ولا كلام ولا سبب للذي يغتر به أو دعاء، واختاروا، الهيئة من وصفه ما ذكر.
وقوله: {لَّهُ خُوَارٌ} قيل: إن السامري قد أخذ قبضة من أثر الرسول، فألقى تلك القبضة في الحلي الذي ألقوه في النار؛ فصار شبه عجل له خوار.
وقال بعضهم: صاغ من حليهم عجلاً؛ فنفخ فيه من تلك القبضة فخار خواراً.
وقال بعضهم: إن السامري كان هيأ ذلك العجل الذي اتخذه بحال حتى إذا مسه وحركه: خار.
وقال بعضهم: كان وضع في مهب الريح فيدخل الريح في دبره، ويخرج من فيه، فعند ذلك يخور. والله أعلم.
وقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}.
[ذكر أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا]، وفي سورة طه:
{ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } [طه: 89] ليس فيه أنه إن كان يكلمهم أو يملك لهم ضرّاً ونفعاً يجوز أن يعبد؛ ليعلم أن ذكر حظر الحكم في حالٍ لا يوجب إباحة ذلك في حالٍ أخرى.
وفيه: أن امتناع العلة عن اطرادها يوجب نقضها، وإن كان اطرادها في الابتداء في معلولاتها لم يدل على صحتها.
وفي قوله: {لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً}
{ وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } [طه: 89] ذكر سفههم لعبادتهم شيئاً لا يملك لهم ضرّاً ولا نفعاً.
وقوله: {ٱتَّخَذُوهُ} [أي: اتخذوه] إلهاً عبدوه، {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} في عبادتهم العجل؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، والألوهية في غير موضعها.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} هذا حرف تستعمله العرب عند وقوع الندامة وحلولها، وتأويله: لما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم، أي: ندموا على ما كان منهم.
وقوله - عز وجل -: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي: لئن لم يرحمنا ربنا، ويوفقنا للهداية والعبادة له، ويغفر لنا لما كان منا من العبادة للعجل، والتفريط في العصيان {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}.
ويحتمل قوله: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} ابتداء طلب الرحمة والمغفرة؛ كقوله:
{ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ... } الآية [هود: 90].
ويحتمل التجاوز لما كان منهم والعفو.
وفي قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} بعد قوله: {لَّهُ خُوَارٌ} دلالة أن الكلام هو ما يفهم منه المراد ليست الحروف نفسها؛ لأنه أخبر أن له خواراً، ثم أخبر أنه كان لا يكلمهم، دل أن الصوت وإن كان ذا هجاء وحروف ليس بكلام، وذلك يدل لأصحابنا في مسألة: إذا حلف ألا يكلم فلاناً، ثم خاطبه بشيء لا يفهم مراده أن ذلك ليس بكلام، ولا يحنث.
وقوله - عز وجل -: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً} والأسف: هو النهاية في الحزن والغضب؛ كقوله:
{ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ } [يوسف: 84] هو النهاية في الحزن والأسف في موضع الغضب، وكقوله: { فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } [الزخرف: 55] أي: أغضبونا، لكن الغضب يكون على من دونه، والأسف والحزن على من فوقه.
وقوله - عز وجل -: {غَضْبَٰنَ} أي: لله على قومه لعبادتهم العجل، وتركهم عبادة الله حزناً على قومه لما يلحقهم بعبادتهم العجل من العقوبة، وهكذا الواجب على من رأى المنكر أنه يغضب لله على مرتكب ذلك المنكر لمعاينته المنكر، ويأسف عليه لما يلحقه من العقوبة والهلاك؛ رحمة منه له ورأفة، ويلزم الشكر لربه؛ لما عصمه عن مثله، وكذلك وصف رسوله - عليه السلام - بالأسف والحزن لتكذيبهم إياه حتى كادت نفسه تهلك حزناً عليهم؛ حيث قال:
{ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [الشعراء: 3]، وقوله: { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } [فاطر: 8] ذكر هذه القصة لنا؛ لنعرف: أن كيف نعامل أهل المناكير وقت ارتكابهم المنكر.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ}.
يخرج هذا على وجهين:
أحدهما: بئسما خلفتموني: بئس ما اخترتم من عبادتكم العجل على عبادة الله.
والثاني: بئسما خلفتموني باتباعكم السامري إلى ما دعاكم إليه بعد اتباعكم إياي وأخي رسول الله وما أمركم به ودعاكم إلى عبادة الله. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} اختلف فيه:
قال بعضهم: أعجلتم ميعاد ربكم؛ كقوله:
{ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } [طه: 86]، أي: أعجلتم الوعد الحسن الذي وعد لكم ربكم، وهو قوله: { وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً } [الأعراف: 142].
وقال آخرون: [قوله]: {أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي: عذاب ربكم وغضبه بعبادتكم العجل واتخاذكم له إلهاً، وقد سمى الله تعالى العذاب في غير موضع من القرآن: أمراً؛ كقوله:
{ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ } [النحل: 1]، ونحوه.
وقوله - عز وجل -: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ}.
قال أكثر أهل التأويل: ألقى الألواح، أي: طرحها على الأرض غضباً منه، فوقع منها كذا وكذا، وبقي كذا، لكن لا يجوز أن يفهم من قوله: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} طرحها لا غير؛ ألا ترى أنه قال:
{ وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ } [النحل: 15] ليس يفهم منه الطرح والإلقاء، ولكن إنما فهم منه الوضع، فعلى ذلك قوله: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} أي: وضع؛ لأنه أخذ رأسه ولحيته، أعني: رأس أخيه هارون، ولا سبيل له إلى أن يأخذ رأسه ولحيته والألواح في يديه، فوضعها على الأرض، وثم أخذ رأسه ولحيته يجرُّه إليه، على ما ذكر في سورة طه؛ حيث قال: { يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94]، دل هذا أنه كان أخذ رأسه ولحيته جميعاً لشدة غضبه لله على صنيع قومه.
وفي الآية دلالة العمل بالاجتهاد؛ لأنه قال:
{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94]، ولا يحتمل أن يكون موسى يأخذ رأسه بالوحي لأمر من الله، ثم يقول له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولا تفعل كذا.
وفيه أيضاً: أن هارون لما قال له:
{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ } [طه: 94] إنما قال ذلك بالاجتهاد؛ حيث قال: { إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ } [طه: 94]؛ لأنه لو كان يقول له بالوحي أو بالأمر، لم يكن ليعتذر إليه بقوله فلا تشمت بي الأعداء.
وقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}.
فيه دلالة أنه إنما أخذ شعر رأسه؛ لأنه لو كان أخذ رأسه، لكان لا يحتاج إلى أن يجره إليه؛ دل أنه كان أخذ بشعر رأسه.
وكذلك قوله:
{ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي } [طه: 94] فيه دلالة لأصحابنا أن من مسح رأسه ثم أزال شعره، لم يسقط عنه حكم المسح، وإذا مسح على لحيته ثم سقطت زال عنه حكمه، ولزم غسل ذقنه؛ لما سمى الشعر رأساً، وسمى اللحية لحية، وسقوطها يسقط حكم المسح، وسقوط شعر الرأس لا. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}.
خرج هذا صلة قول موسى لهارون لما قال له:
{ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي } [طه: 92-93]، فقال عند ذلك: {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ}.
وقوله - عز وجل -: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي}.
قال بعضهم: إنما خصَّ أخاه بسؤال المغفرة؛ لأنهم جميعاً قد عبدوا العجل سوى أخيه هارون؛ لذلك خصّه بسؤال المغفرة.
وقال بعضهم: إنما قال ذلك جواباً عما قال هارون: {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ...} الآية.
ويحتمل أن يكون تخصيص السؤال له بالمغفرة لما سأل ربه أن يجعل هارون له وزيراً بقوله:
{ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي } [طه: 29-32]، لما سأل ربه أن يشركه في أمره، ويشد به أزره، فعلى ذلك خصَّه بسؤال المغفرة. والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}.
لأن كل من يرحم دونه إنما يرحم برحمته.
وقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}.
أي: عبدوا العجل.
{سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا}.
قال بعضهم: غضب من ربهم: عذاب في الآخرة لمن مات منهم على ذلك، {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} القتل والهلاك في الدنيا.
وقال بعضهم: قوله: {غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ}: القتل، والهلاك، {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} الجزية والسبي والقهر.
ويحتمل قوله تعالى: {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} ذكر الذم بصنيعهم وثناء الشر، على ما كان بصنيع الخيرِ المحمدةُ في الدنيا وثناءُ الخير.
وقوله - عز وجل -: {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ}.
هذا يحتمل وجهين:
احدهما: أي: قد نالهم غضب من ربهم؛ لما ذكر.
والثاني: أن يكون هذا مذكوراً في كتبهم أن من اتخذ العجل معبوداً سينالهم غضب من ربهم، فإن كان هذا خبراً عما في كتبهم، فسينالهم على الوعد الصحيح، وإلا على الخبر، أي: قد نالهم.
{وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ}.
أي: كذلك نجزي كل مفتر على الله تعالى.
وقوله - عز وجل -: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ}.
قال أهل التأويل: قوله: {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} يعني: الذين عبدوا العجل.
{ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} وهو: في كل من عمل السيئات - أي سيئة كانت - إذا تاب عنها، وندم عليها، وطلب من الله المغفرة، غفر له.